الوجهيات- حتى فالعزاء !

حميد طولست
2019 / 9 / 13

الوجهيات" حتى فالعزاء !
قبل الخوض فيما حدث خلال مراسيم عزاء الفنانين المقتدرين "أمينة رشيد "و"محمد خدي"، اللذان رزأ فيهما الميدان الفني ، أتضرع إلى المولى العلي القدير أن يتغمدهما برحمته الواسعة، ويلهم ذويهما الصبر والسلوان ، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
ـــــــ كم هو صادم أن تتغير مبادء الطيبة والأخلاق المجسدة في مشاعر الحب والاحترام والتعلق وقيم البراءة والبساطة والانسانية الرفيعة التي ملأت القلوب المغاربة البيضاء في ماضي الزمان ، ، وتتحول إلى أدوات هدم وتحطيم وتهشيم لكل ما كان مراعيا للمرجعيات المجتمعية ، ومحترم لخصوصيات الهوية الدينية والعرقية والثقافية المتعلقة بالمناسبات الاجتماعية المتوارثة ، والتي من بينهما ، بل وعلى رأسها جميعها ، العزاء كمناسبة إنسانية تسهم في تقوية أواصر العلاقات الاجتماعية وتحسين العشرة ، بكل ماتتطلبه من رهافة الأحاسيس وطيب الأحاديث وعفوية المجاملات البعيدة عن التنميق والتزويق ، كمناسبة إنسانية هدفا مشارك المفجوعين حزينهم والتخفيف من آلامها، وكواجب ديني يكسب ممارسوها الأجر من الله .
مناسبة هذه المقارنة الصادمة بين ما كان عليه حال الأجيال الماضية الذي كان يسعى رواده لأجل انتصار ايجابيات الحياة الاجتماعية ، وانسانية تعاليم الدين السامية، وما أصبحنا فيه وعليه الآن من ضياع حقيقي لقيم الأخلاق المجتمعية ، والذي فضحته ماعرفته جنازة الفنانين المقتدرين أمينة رشيد ومحمد خدي، اللذان نُكب فيهما الميدان الفني المغربي ، من تفاعل تميزي مخجل والمذل ، لا ينسجم مع شرعة السماء ، ولا مع شرعة الخلق ، ولا مع شرعة الذوق والحياء وكرامة النفس ، ويدفع إلى طرح التساؤل المؤرق: لماذا لم يلق الفنان القدير محمد خدي ما لقيته زميلته الكبيرة أمينة رشيد ، من تمييز في التفاعل خلال وداعهما إلى مثواهما الأخير؟ والأمر الذي بدا في الوهلة الأولى على أنه نتاج عشوائية التنظيم ، أو سذاجة التخطيط ، أو ركاكة مهيمنة المنظميين ، أو غير ذلك من أشكال الاحتمالات التبريرية غير المنطقية ، التي إن حاولنا عدّها فسيذهب المجهود سدى، ونتوه عن السبب الحقيقي الكامن في ما يعرفه المجتمع من أنتشار لظاهرة الشقاق والخداع وسوء الأخلاق وقلة الذوق ، التي حولت المآتم إلى حلبات لممارسة الكذب والخداع والتزوير والادعاء ، المشبع بقيم السوق ومفاهيم الربح والخسارة والمتاجرة بالشكليات وحب الظهور، وهواجس البزنس وعوائده المادية والمصلحية المجردة من روح التعاضد ومضمون المواساة ونكهة التضامن وغياب الصدق والبراءة ، ويعتبرها البعض مهارة وشطارة ونباهة .
ذكرني ما أغرق المناسبات الاجتماعية بشلالات الزيف واللاصدق والانتهازية المقيتة والنفاق الاجتماعي الناعم ، التي لم تقتصر على مناسبات الافراح وحدها ، وشملت الأتراح والأحزان وعلى رأسها طقوس العزاء ، التي ذكرتني بالمثل الشعبي : "ملي ماتت خادم القاضي عزاوه كاملين ، أوملي مات القاضي ما عزاه حد" الذي كان والدي ،رحمه الله واسكنه فسيح جناته، يردده على مسامعنا ....، والذي يلخص ما عرفته جنازة كل من "أمينة رشيد "و"محمد خدي"، التي عومل فيها الفقيدين حسب درجة وأهمية أهلما وقرابتهما ممن بيده سلطان المال أو القرار، وكأنهما بضاعة توزن بالكيلو وتباع بالفلس ، وليس بحسب حجم الفقد ومقدار ما خلفته قيمتهما الذاتية وماهيتهما الإنسانية من حزن وألم ، كفنانين بذلا كل جهدهيما وتفكيرهما وأديا وجبهما الإبداعي والفني والثقافي لإغناء الساحة الفنية ، وغير ذلك من الحيتيات والظروف والمعطيات الفاضحة لوجه نكرات الوطن لحق البسطاء ، التي بدلت أحوال الناس ومبادءهم الأصيلة ، وباتوا يعتبرون الإنسان مجرد رقم بين أرقام القيمة ، بدل احترام الناس لمجرد أنهم ناس فقط! سواء كانوا في موقع السلطة أو خارجها ، أغنياء كانوا أم فقراء.
ورغم سوداوية المشهد إلا إن الخير سيبقي موجودا، بوجود الشرفاء المتخلقين من أصحاب السلوكات الإنسانية التي لا يحملها الا النبلاء..
حميد طولست hamidost@hotmail.com
مدير جريدة"منتدى سايس" الورقية الجهوية الصادرة من فاس
رئيس نشر "منتدى سايس" الإليكترونية
رئيس نشر جريدة " الأحداث العربية" الوطنية.
عضو مؤسس لجمعية المدونين المغاربة.
عضو المكتب التنفيذي لرابطة الصحافة الإلكترونية.
عضو المكتب التنفيدي للمنتدى المغربي لحقوق الإنسان لجهة فاس مكناس
عضو المكتب التنفيدي لـ "لمرصد الدولي للإعلام وحقوق الأنسان