- الحاج- : حكاية الاستعمار و -دولة الحدود- 1

محمود الصباغ
2019 / 9 / 11

تمهيد
ليس من باب التجني وصف رواية"الحاج" للكاتب الأمريكي "ليون يوريس"(1) بأنها رواية التمثيل الثقافي للاستعمار, حيث تندمج فيها أشكال السرديات العنصرية و الكولونيالية في إطار ما يطلق عليه إدوارد سعيد" الإبستيمولوجيا الأخلاقية للإمبريالية" التي "صنعت" التاريخ "الأبيض" الاستعماري. وتستند عملية الصنع هذه ( بالنسبة لرواية"الحاج") على المرويات اليهودية التوراتية و الاستعمارية الصهيونية لإنشاء نماذج عنصرية تستند على التراتبية الثقافية/ الدينية وعلى الترويج لمقولة التفوق " الحضاري", ومن هنا تبرز أهمية أعمال يوريس بوصفها تؤكد على قوة تلك المرويات التي تمزج اليهودية بالصهيونية بالنظريات العنصرية ذات السمة الاستهمارية لتزوير التاريخ و تشويه الحقائق من خلال تحويل الفلسطينيين- بما يحملون من إرث ثقافي و ديني و حضاري- إلى "شعب بلا تاريخ" من أجل تحقيق أغراض سياسية. وحالما يتم نفي الفلسطينيين من الذاكرة الجماعية لليهود الإسرائيليين يصبح من السهل الترويج للمبدأ "الأخلاقي" و "الفكري" لغزو الأرض و"إعادة" فتحها, والبدء بكتابة تاريخ جديد يقوم على أسس العقيدة الصهيونية مستغلاً العناصر التوراتية في التاريخ اليهودي و في الذاكرة الثقافية الغربية.
بعبارة أخرى، تتحول الأحداث في الرواية إلى "تاريخ" شخصيات أحادية الجانب بغض النظر عن ثقافتهم ومواقفهم و هوياتهم فيظهرون كأنهم يحاورون أنفسهم في مونولوج مثير للضجر يعبر عن رؤية منحرفة للمؤلف غايتها التأكيد على الطبيعة المشوهة و الدونية للفلسطينيين باعتبارهم يمثلون حالة من ثقافة الكراهية, فيتحول أشخاص الرواية إلى أبواق تردد صدى أفكار يوريس العنصرية ضد الفلسطينيين و العرب و المسلمين ضمن خطاب يرى في العملية الاستعمارية لفلسطين حركة حتمية تاريخية للتقدم.
وبهذا المفهوم , تعد رواية "الحاج" (2) امتداداً للسرديات التي بدأت تنتشر منذ ثمانينيات القرن الماضي في وسائل الإعلام الأمريكية و في الخطاب الثقافي الغربي المعادي للعرب و للإسلام السياسي و الحركات الإسلامية الراديكالية(3).
السرد الحكائي
تتحدث الرواية عن "تاريخ" الحاج إبراهيم الصقوري وعائلته- عشيرته منذ عشرينيات القرن الماضي حتى الخمسينيات في فلسطين, و تبدأ الحكاية بموت والد إبراهيم سنة 1922 فيصبح هذا الأخير زعيما لعشيرته و مختاراً(4) على قريته {طابا} التي تقع في وادي إيلون"قرب اللطرون" على الطريق الرئيسي بين القدس ويافا. يتألف العنوان من كلمة واحد معرفة تظهر المعنى ” الإسلامي" المباشر, أي الحج الديني إلى مكة, ويبدو أن قصد يوريس من اختياره هذه الكلمة العربية التضمين المجازي للمعاني العديدة التي تختزنها, فاسم المختار "إبراهيم الحاج" يشير بطريقة ما إلى ارتحال إبراهيم الصقوري من قريته إلى مكان آخر وقبل ذلك ارتحال عشيرته من الجزيرة العربية إلى فلسطين, لكن هذا الارتحال لايتشابه مع ارتحال إبراهيم التوراتي إلى أرض الميعاد, غير أن التعمق أكثر في المعنى يلقي بظلاله على تضمين انطباعي آخر يشير إلى أن ارتحال إبراهيم الصقوري يشبه ارتحال إبراهيم التوراتي لجهة القدر الإلهي لرحلة الرجلين, فإبراهيم التوراتي ارتحل بأمر من يهوه ليسكن في الأرض الموعودة, كما أنه كان على إبراهيم الصقوري إخلاء قريته لأحفاد إبراهيم التوراتي الذين عادوا أخيراً ( رغم التأكيد على موقع إبراهيم الصقوري كزعيم وراثي لعشيرته إلا أن يوريس سوف يغمز من قناته و يشكك في انتمائه للأرض حين يؤكد أن الحاج و عشيرته قدموا للمنطقة من جزيرة العرب قبل مئة عام فقط غضون هزيمتهم على يد من يدعوهم يوريس " الجيوش الغازية" القادمة من تركيا و مصر(5) ولهذا مازالت عشيرة الحاج تحتفظ بعلاقات قرابة تربطهم هناك بالعشائر الوهابية).
الراوي الرئيسي للحكاية هو إسماعيل الابن الأصغر للحاج إبراهيم الصقوري و الذي يتشابه اسمه مع ابن إبراهيم التوراتي أيضاً, و يضع يوريس ولادة إسماعيل في العام 1936. ولكن قبل ذلك سوف تتغير حياة و مصير و مستقبل القرية عندما يقوم بعض المهاجرين اليهود في العام 1929 بشراء قطعة أرض قريبة منها من رجل إقطاعي يدعى فوزي كبير أفندي مقيم في دمشق ( الذي سيدخل لاحقاً في علاقة غير شرعية مع ندى ابنة الحاج إبراهيم تتسبب في قتلها).
يبني اليهود مستوطنة زراعية [كيبوتز] باسم" شيمش", ويصف يوريس الأرض عنما وصول المهاجرون اليهود بأنها لا " سوريّة، ولا عثمانيّة، ولا عربيّة ولا يهوديّة, بل أرض مشاع " (6) .حتى قرية طابة ذاتها ليست عربية أصلاً بل هي موطن سبط دان و البطل اليهودي التوراتي المشؤوم شمشون (7) وأن الآثاريون اكتشفوا مؤخراً بقايا حضارات قديمة قرب طابا "عمرها أربعة آلاف سنة(8) كما شهدت القرية ثورة يهودية متعاقبة ضد" جيوش الاحتلال الآشوري و البابلي, وضد الجيوش المصرية و الفارسية و الإغريقية و الرومانية(9) .
يتعرف الحاج إبراهيم على جدعون آش أحد قيادي كيبوتز شيمش( سنعلم أنه يعمل جاسوساً للجيش البريطاني وعضو في الهاغاناه و مستشار لديفيد بن غوريون)، تتطور العلاقة بين الصديقين و يزور الحاج إبراهيم الكيبوتز بين الحين و الآخر. وجدعون آش هذا المولود في فلسطين هو في الحقيقة ابن مهاجرين يهود من رومانيا أتوا إلى البلاد في نهاية القرن التاسع عشر. وبحكم عمله كجاسوس فقد عاش متنقلاً مثل "فأر الصحراء" في وسط المجتمعات و القبائل البدوية العربية يرشي زعمائها و يستغلهم للحصول على المعلومات, وهكذا كان جدعون آش تجسيداً لحكاية البطل الأسطوري و تمثيلاً لصورة" الرجولة" الملتصقة بالمستعمِر, فيصوره يوريس بالشخص الذي يمتلك الخبرة الطويلة في التعامل مع العرب نظراً لسعة اطلاعه على ثقافتهم و لغتهم و تقاليدهم فضلاً عن أنه مقاتل نزيه ملتزم بالعقيدة الصهيونية وحارس حدود "هاشومير" مسؤول عن التصدي للهجمات العربية العدوانية, وهذا ما يفسر فشل تلك الهجمات على الكيبوتز, ( يعترف الحاج إبراهيم سراً بهذا الفشل رغم فشخرة رجال عشيرته و تفاخرهم الفارغ بقتل العديد من اليهود).
لاتفيد صداقة الرجلين في تخفيف حدة التوتر بين أتباعهما, وهنا يبتعد يوريس عمداً عن تفسير السبب الحقيقي لهذا التوتر و يمضي للقول أن المزاج العام في تلك الفترة سيطرت عليه مشاعر كراهية ضد اليهود ممتزجة بـ"بروباغاندا نازية يروّج لها المفتى الحاج أمين الحسيني" , و جماعة الإخوان المسلمين (يمثلها في الرواية أستاذ المدرسة السالمي) فضلاً عن الخطب الإذاعية المعادية لليهود, (يقول يوريس بطريقة مثيرة للسخرية أن هذه الإذاعة كانت تقدمة من الكيبوتز للقرية هي و الكهرباء).
يتم استدعاء الحاج إبراهيم إلى دمشق للتشاور على خلفية قرار التقسيم ( 29 تشرين الثاني-نوفمبر 1947), فيجتمع مع فوزي أفندي( الإقطاعي الذي باع أرض الكيبوتز لليهود) بحضور عبد القادر الحسيني و فوزي القاوقجي ( يصف يوريس هذا الأخير بأنه مؤيد للنازية وجندي سابق في الجيش التركي , البلد التي دعمت ألمانيا في الحرب العالمية الأولى, و يظهر كرجل انتهازي وحاقد وهو من أعطى الأوامر لاحقاً لاغتيال عدد من رجال الحاج إبراهيم). لايكنُّ الحاج إبراهيم الكثير من الودّ لعبد القادر الحسيني و فوزي القاوقجي بسبب إلحاحهما الطلب منه إخلاء قريته بسبب موقعها الاستراتيجي الهام, ويرفض كل العروض رغم إغرائه بالمال فيغادر دمشق دون التوصل إلى حل حاسم أو وعد قاطع بإخلاء القرية, مما يثير حنق فوزي القاوقجي, ومع تردد الأنباء الواردة من دير ياسين لم يستطع الحاج منع أهل قريته من الفرار, فيتجه بهم نحو يافا, وهناك يحاول استئجار مركب ليبحر إلى غزة, ولكنه يجد نفسه محاصر مع قومه في حي المنشية بين قوات القاوقجي و بين عصابات الإرغون و الهاغاناه, و بسبب ملاحقة رجال القاوقجي له , لم يتمكن من الإبحار رغم اتفاقه مع إحدى المراكب التي يملكها شخص قبرصي يوناني, فيختبأ ومن معه في كنيسة القديس بطرس, ومن هناك يستطيع إسماعيل الوصول إلى جدعون آىش فيساعدهم هذا على الفرار إلى طولكرم.
قبل ذلك يعثر رجال القاوقجي على نساء العائلة فيغتصبوهن أمام أعين إسماعيل (والدته و حماته و أخت زوجته) , لكنه لا يخبر الحاج في الحال.
تنتقل العائلة من طولكرم إلى نابلس ويقوم الحاج بالتواصل مع رئيس بلدية المدينة الذي يعرفه على فريد زيّاد أحد عناصر الفيلق العربي التابع لملك شرق الأرن، يحاول رئيس البلدية و فريد زيّاد إقناع الحاج بدعم جهودهما السياسية لكنه يفضل أن يبقى على الحياد, ومع ازدياد الضغط عليه يقرر مغادرة نابلس والعيش في أحد الكهوف على حافة الصحراء بجوار موقع قمران قرب البحر الميت. و ينضم إليهم الشاب صبري سلامة المراهق ذو الستة عشر عاماً (سنعلم أن أحد الضباط العراقيين الذين دخلوا فلسطين خلال حرب 1948 أجبر الفتى صبري على أن يكون "صديقته") (10).
رغم صعوبة الحياة في الصحراء إلا أنها بدت للعائلة مقنعة و مرضية وخالية من الضغوطات و التوتر و منحتهم الفرصة لتجديد قوتهم و التشبث بتقاليدهم الصحراوية الأصيلة. ومع قيام دولة إسرائيل و سيطرة الأردن على المنطقة تتدهور الأحوال المعيشية فتضطر العائلة لمغادرة كهف قمران و التجول في أريحا حتى ينتهي بهم المطاف في مخيم عقبة جبر عند سفح جبل القرنطل, ومن هناك يتواصل الحاج مع عالم الآثار الدكتور نوري على أمل أن يصلهم بجدعون آىش , فضلا عن إمكانية بيع اللقى الأثرية التي عثروا عليها في قمران.
يقوم آش بتشجيع الحاج على الانخراط في المؤتمرات التي تناقش الوضع الفلسطيني فيسافر إلى عمان ويلتقي بشخص فلسطيني "مسيحي" يدعى شارل معان, ويلتقي كذلك بالشيخ أحمد التاجي, ويشترك هؤلاء الثلاثة في أنهم جميعاً لا يمانعون الدخول في مفاوضات مع دولة إسرائيل الحديثة من أجل عودة الفلسطينيين إلى منازلهم. و ينتقل الحاج من مؤتمر إلى مؤتمر وصولاً إلى مؤتمر بيت لحم الذي من المفترض أن يكون بديلاً عن جميع المؤتمرات السابقة من خلال تشكيل لجنة متابعة تقوم بعرض القضية الفلسطينية أمام لجنة دولية في زيوريخ. ولكن المؤتمر ينتهي بكارثة حين تقوم عناصر تابعة لفريد زيّاد باعتقال جماعي للقادة و لمجموعة الشبان المرافقين لهم( أحدهم جميل ابن الحاج إبراهيم). ومع ذلك يسافر الحاج إبراهيم إلى زيوريخ رفقة شارل و الشخ التاجي رغم التهديدات بقتل ابنه, غير أن المؤتمر لم يحقق النتائج المطلوبة,ويبدأ التشكيك في نوايا المشاركين و الطعن بهم, فيقوم شارل بالاتصال بالفاتيكان بغية التوصل إلى حل من شأنه أن يعيد بعض الفلسطينيين المسيحيين إلى ديارهم، ويتم شراء ولاء الشيخ التاجي من قبل فوزي كبير أفندي الذي كان يمثل أميراً سعودياً في المؤتمر. يفقد الحاج إبراهيم الأمل في مؤتمر زيوريخ و تزداد خيبته في الزعماء العرب فيعود إلى مخيم عقبة جبر ليكتشف مقتل ابنه جميل فيقرر أن ينتقم من فوزي أفندي.
يُقتل شارل معان في منتصف العام 1951 وتثور أعمال شغب معادية للفلسطينيين إثر اغتيال عبد الله بن الحسين ملك الأردن. ثم يقوم الحاج بقتل ابنته ندى، بعد أن لوثت سمعته بفقدها عذريتها, وفي لحظة غضب يخبر إسماعيل أباه بحادثة الاغتصاب التي جرت في يافا على يد رجال القاوقجي أثناء الحرب فيصاب الحاج بجلطة سرعان ما يموت على إثرها, و تمثل جنازته أكثر اللحظات المجيدة في سيرة حياته رغم أنها أتت بعد موته على حد قول ابنه إسماعيل الذي أصبح مختار العشيرة.
يستولي الحزن على الزعيم الجديد للعائلة لموت شقيقته ندى ( وليس لموت الحاج)، ويستغرق الأمر بعض الشيء بالنسبة له حتى تنتهي الرواية بجنونه المطبق.
"الحاج" كرواية عنصرية
نحن العرب الأسوء..." هكا يرى يوريس العرب , أو على الأصح هكذا يرغب في أن يكونوا عليه ,تلك هي رسالة يوريس الدعائية الفظة عن العرب, فهم- أي اليهود- يريدون أن يصنعوا سنغافورة في فلسطين بينما يريد العرب أن يعيدوها إلى العصور الحجرية.
لعل أبسط وصف للمعالجته الدرامية للأحداث القول بأن الكاتب يستخدم مقاربة "لا تاريخية" للتعبير عن قضايا تاريخية, فيستعرض تاريخ فلسطين بوقائع خيالية يريد للقارى من خلالها أن يرى أنها حقيقية فيستخدم حججاً واضحة التحيز والتعصب ليذكرنا بأن العرب" وحوش" بطبيعتهم,( ولو أن مثل هذه الرواية صدرت عن اليهود أو حتى ضد السود كموضوع درامي لما سمح قطعاً بنشرها في الغرب), ويستطيع يوريس-من أجل إقناع القارىء بطرحه- أن يقدم الأمثلة المتنوعة و المحرفة ذات الطابع السياسي و الإيديولوجي عن الفلسطينيين و العرب و الإسلام وتعزيز الخطاب العنصري وترويج المفاهيم الخاطئة عن التفوق و الدونية ضمن السياقات الإيديولوجية للمجتمعات التي يدعوها إداورد سعيد " مجتمعات التأويل" بمعنى تعميم السردية المهيمنة حتى لو كانت تلك السردية غير صحيحة و غير "تاريخية" أو لا تمتلك مقومات تاريخية.
وهكذا كلما تعمق القارىء في النص أكثر, كلما تعلم عن الصهيونية و عن الغرب (أمريكا) أكثر, و كلما ازداد جهلاً و التباساً عن الفلسطينيي وعن جوهر الصراع, فتظهر لنا الرواية كمحاضرة عنصرية غير أخلاقية و كئيبة و قبيحة حتى بين مؤيديها, كما يمتاز خطها الدرامي بسبب البعد الواحد للشخصيات بضعفه و هشاشته و بدائيته فالحوار ساذج و مصطنع و مختلق و مليء بالمفارقات التاريخية و لايستطيع المرء أن يتخيل أن مثل هذا السرد من إنتاج روائي محترف عاش في النصف الثاني من القرن العشرين وحققت مبيعات بعض أعماله أرقاماً قياسية وترجمت رواياته إلى أكثر من 50 لغة , واقتبس من بعضها عدة أفلام سينمائية.
يعمل يوريس, من الناحية البنائية, على فصل الحيز الأوروبي عن غير الأوروبي [ بمعانيه المتنوعة, سواء كانت مادية أم روحية أو معرفية] بالتأكيد على حصرية الخارطة المعرفية للعالم الذي غزاه الغرب منذ القرن الخامس عشر حتى الآن, فيتبنى التراتبية الغربية بمعناها أو معانيها الاستعمارية [ و تشتمل من بين أمور عدة على التصنيف الإثني "العرقي" والأفضلية الذكورية كتقسيم معياري للتراتبية الجندرية] كوسيلة سيطرة مباشرة على " الطبيعة" و تشييئها و من ثم توظيفها لخدمة " الرجل الأبيض" و إهمال المعاني الأخرى للطبيعة التي تخالف هذا المعنى الوظيفي و لا تتساوق معه, مما يعني ضمناً عدم النظر إلى أشكال و أنماط الحياة غير الغربية باعتبارها أشكال أو تمثلات غير "طبيعية" وغير قابلة للحياة ( بمعنى هدم أو إقصاء الحيوات الريفية و الزراعية لصالح المدينة الغربية الحديثة, فالمدينة الغربية و الإنسان الغربي هما اللذان يمتلكان الحق الحصري لتمثيل السلالة البشرية على الأرض, و كل شيء سواهما من بشر و حضارة و لغات و تاريخ ليس سوى معالم فلكلورية لا تتوافق مع نظرية المعرفة و طبيعة العصر), وبهذا المعنى أنشأ الصهاينة الأوائل في فلسطين " تاريخاً" يقوم على مغالطات عديدة ليس أقلها تلك التي تقول أن آخر ما كان يريده المستوطنون اليهود هو الحرب.
لقد أرادوا الاستقلال في دولة تخصهم و لكن ليس على حساب الآخرين و ليس عن طريق ترحيل السكان العرب. وكما تقول الرواية الصهيونية الرسمية فقد عمل العديد من المستوطنين بوعي على إشراك جيرانهم العرب في مجتمعاتهم وذلك في العقود الأولى من القرن الماضي، مما أدى إلى تحرير الفلاحين العرب من العلاقات الإقطاعية مع ملاك الأراضي المقيمين في دمشق والقاهرة وبيروت, ولكن عندما ساد العنف -باعتباره الرد العربي على التغييرات التي قاموا بها- لم يكن أمام اليهود سوى الدفاع عن أنفسهم و عن دولتهم و "تاريخهم".
هذه هي أفكار يوريس المفضلة التي عمل على نقلها إلى القارىء الأمريكي الذي ينظر إلى يوريس كمثقف يهودي يلتزم بتقديم التفسير الصهيوني للتاريخ اليهودي الحديث بما يتلائم مع الثقافة الشعبية المهيمنة في أمريكا و يتحدى الصورة النمطية السائدة عن اليهود. لقد عمل يوريس على إنتاج روايته(11) انطلاقاً من جوهر الفكرة الصهيونية عن فلسطين " أرض بلا شعب لشعب بلا أرض" فيزعم أن فلسطين عادت لأمتها الأصلية, و بالتالي ينبغي أن يعود المستعمرون الصهاينة إلى وطنهم"القديم" لبناء دولة متحضرة وحقيقية, ولكي يحدث هذا و تتحقق العدالة التاريخية, على الفلسطينيين مغادرة البلاد, ليس هذا فحسب, بل يتوجب طردهم من الأرض المقدسة إن رفضوا المغادرة طوعاً, وهذا ليس لأنهم يمثلون "عرقاً" أدنى فقط, بل لأن وجودهم لا يتلائم مع تعريف شعب إسرائيل لنفسه وفقاً لسردية يوريس الصهيونية- التوراتية المتجذرة في البناء اللاهوتي لـ "دولة إسرائيل" التي ترى في الفلسطينيين وجوداً طارئاً غير مرئياً ينبغي التخلص منهم أوحشرهم في "محميات ومخيمات لجوء". فحتى الحاج إبراهيم الصديق المقرب من الصهاينة و الذي يخون شعبه إرضاءً لهم من غير المسموح استيعابه في دولة إسرائيل " المتحضرة" لأنه شخص غير ذي ثقة و أقل شاناً و متوحشاً ولايكافىء جدعون آش البطل الصهيوني نظراً لاختلاف عرق هذا الأخير بسبب دمه الأوروبي و تفوقه العنصري, وانطلاقاً من هذا يظهر جدعون آش كبنية ترميزية لقدرة الاستعمار على السيادة بغض النظر عن المخاطر و التهديدات التي تحيط به, فإسرائيل كدولة حدود, هي امتداد " استعماري" للحضارة الغربية, وتقع على عاتقها المسؤولية الأخلاقية ليس في حماية المستعمِرين فقط, بل أيضاً في حماية الحدود العسكرية و السياسية للقوى الاستعمارية الكبرى في الشرق الأوسط أيضاً , وليس هذا إلا صدى لما كان يردده هرتزل باستمرار عن أن دولة يهودية في الشرق الأسط ستكون بمثابة حاجز أمام الهمجية الشرقية و درع يحمي الحضارة الغربية(12), وهكذا يظهر جدعون آش البطل الصهيوني بطريقة يتمكن فيها من التغلب على جميع الأخطار و المؤامرات و يقف حارساً على الحدود الفاصلة بين الحضارة و الهمجية, وهو يشبه نظيره الأمريكي بطل الويستيرن الذي يجمع بين نكران الذات في سبيل الغير و بين الفكرة "الصليبية" الحماسية لتدمير الشر, ومن هذه الأخيرة يستمد يوريس جزء كبير من المعمار السردي للرواية, فحين يتم تصوير جدعون آىش بصورة البطل الصليبي القادم لتنقية الأرض من الدنس ( أي العرب- الإسلام) فهو سوف يصوره بطلاً يواجه حتماً قوى الظلام التي تهدد المجتمع "السلمي" للمستوطنين و يصبح معادلاً موضوعياً لصورة اللنبي التي وصفها ريموند سافاج في سرده للاحتلال البريطاني لفلسطين في العام 1917 والنظر إلى انتصار البريطانيين على الأتراك العثمانيين في الحرب العالمية الأولى على أنه " الحملة الصليبية الأخيرة" و وصف قائد الجيش البريطاني بـ اللنبي هرمجودن تلميحاً إلى أنه على الرغم من احتلال القدس "المدينة القديمة حيث قدم أبراهام العهد مع أبيمالك", وانتصارات صلاح الدين في حطين وانتزاع المدينة المقدسة من يد الصليبيين إلا أن ما هو مهم في اعتبار سافاج دخول الجنرال للمدينة المقدسة معلناً انتصاره على المشارقة المتوحشين بعد سبع مائة وثلاثين سنة من هزيمة الصليبيين (13) . وإذن ليس مستغرباً أن تحفل رواية "الحاج" بسرديات تكرر الخطاب الصليبي القروسطي لربط الماضي بالحاضر وتبرير الاستعمار الصهيوني لفلسطين.
تكشف الرواية عن بعدها العنصري و الإمبريالي من خلال زعمها بالتمثل التاريخي للصراع في المنطقة ودمج الأحداث و الحوارات بطريقة تخالف الحقائق التاريخية, ويستحوذ خطاب " العرق" و الهيمينة" على مساحة كبيرة من الرواية بما يتوافق مع ثقافة يوريس الأمريكية (الرواية موجهة بالأساس للجمهور الأمريكي). و بالتالي يسهل الأمر على يوريس تصوير فلسطين قبل العام 1948 كأرض يهودية يسكنها -بصورة مؤقتة و طارئة- قبائل بدوية متوحشة, قدمت إليها من مجاهل الصحراء بضغط العوامل الاقتصادية و الغزو و النهب و السلب . وتقدم الرواية للقارىء الغربي الكثير من المغريات التي تدعم الذاكرة الجماعية للثقافة الشعبية الغربية في شقها المعادي للآخر " العرب هنا" و التأكيد على الصور النمطية المختزنة في هذه الثقافة الشعبية عن البطل الأسطوري و صراع الخير و الشر و الشيطنة و غيرها من خلال الاستفادة من النماذج العنصرية و الاستعمارية التي أنتجتها الثقافة الأمريكية, فيقوم يوريس في " الحاج" بإنشاء "خطاب متخيل" يحل محل " الخطاب الحقيقي" لتقديم الوهم على أنه حقيقة و لتقديم التاريخ كوصفة استهلاكية سطحية تعتمد على الأكشن و العنف و الجنس و المؤامرة... إلخ, ففلسطين في الرواية أرض بدائية تسكنها قبال متخلفة, أي الفلسطينيين وهي بالتالي تشبه " مَواطن سكان القارة الأمريكية الأصليين قبل الغزو الأوروربي", فالوجود الفلسطيني مثله مثل الوجود "الهندي الأحمر" وجود يهدد المشروع الاستعماري , بالتالي من الواجب القضاء عليهم أو نفيهم , وهذه المهمة الصهيونية الخلاصية المسيانية لا تختلف كثيرا عن "خطاب الرغبة" الأمريكي الذي هو امتداد للتمثيل العنصري المتجذر في الثقافة الأمريكية [كان يوريس قد أشار صراحةً في روايته الشهيرة " الخروج Exodus " بأن ثمة جزء من التاريخ المكوّن لإسرائيل الحديثة يشبه كثيراً تاريخ أمريكا، فكلا البلدين وظفا "أطروحة الحدود" بهدف التنمية العمرانية ] (14).
لايقوم المفهوم العنصري ليوريس عن" الهمجية " الفلسطينية على التفسيرات الاجتماعية والثقافية والدينية والخلافات بين المستعمَرين والمستعمِرين فحسب ولكنه يتضمن أيضا مسألة "العرق", فالفلسطيني في الرواية شخص عربي من الناحية القومية , مسلم من الناحية الدينية, بدوي من الناحية الاجتماعية-الاقتصادية القائمة على نهب"الضعفاء", و هذا الفلسطيني العربي المسلم البدوي يسترشد بـ" كلام راعي الإبل و التاجر الجوّال" (14) وبالإرث الديني الإسلامي الذي لاينتج عنه سوى العنف والكراهية.
...........
ملاحظات
1--ليون ماركوس يوريس ( 1924-2003) روائي أمريكي كتب العديد من الروايات التاريخية, أشهرها " الخروج Exodus " سنة 1958 ( يقول يوريس عن هذه الرواية أنه أنجز عمله بعد أن سافر 12000 ميل داخل إسرائيل وقابل حوالي 1200 شخص-لم يقل لنا كم فلسطيني كان من بينهم-. وقد تحولت إلى فيلم سينمائي من بطولة بول نيومان) , فضلا عن أعمال أخرى عديدة تروّج للتفسير الصهيوني لتاريخ اليهود الحديث. ولد ليون في ولاية ميريلاند لعائلة يهودية والده من أصول بولونية ووالدته من أصول روسية, وكان والده قد أمضى عاما في فلسطين بعد الحرب العالمية الأولى قبل هجريته إلى الولايات المتحدة واسم يوريس Uris مشتق من الكلمة العبرية يروشلايمي ירושלמי وتعني " الأورشليمي". التحق ليون وهو في السابعة عشر من عمره بمشاة البحرية الأمريكية "المارينز" في العام 1942، وخدم في المحيط الهادي خلال الحرب, وأعيد إلى الولايات المتحدة بسبب إصابته بالملاريا. بدأ يكتب للصحافة بعد انتهاء خدمته العسكرية.
2-ينبغي التنويه بأن الطبعة الأولى للرواية ظهرت في العام 1984 في الولايات المتحدة الأمريكية { على حد علمي لم تترجم للغة العربية}, ومن نافل القول التأكيد على أن أسماء الأشخاص الروائية ووقائع معيشهم اليومي و العديد من الأماكن ليست محض خيال الكاتب حاول من خلالها أن يعالج درامياً قضايا الصراع العربي الإسرائيلي و بث أفكاره و تصوراته و حلوله المقترحه للمنطقة و مستقبلها. علماً أن القسم الأول من هذه المقالة نشرت على صفحات مجلة "الأبجدية الأولى" في الرابط التاليhttp://online.fliphtml5.com/shhn/ifmn
3- تكاد تنحصر الصور النمطية عن العرب و المسلمين في الخطاب الغربي في ثلاث نماذج عريضة: النموذج الأول يمثله الإرهابي الانتحاري عدو الحياة والمثير للاشمئزاز, النموذج الثاني الشيخ الغني الشرير المهووس في الجنس, النموذج الثالث اللص قاطع الطريق الجشع والوغد والجبان. ويتفق كل هؤلاء على الكراهية و التعصب و معاداة الغرب و "أمريكا" و إسرائيل و اليهود و المسيحية, يحتقرون الحرية و الديمقراطية و يضطهدون المرأة ولايؤمنون بالحقوق الشخصية و الحريات الفردية ..باختصار هم أجلاف بدو سكان صحراء متعطشين للقتل ملابسهم وسخة و رائحتهم كريهة. وانعكاس صورة العربي هذه في رواية"الحاج" ليس سوى امتداد لتلك التمثيلات و الصور النمطية التي يستند لها توصيف يوريس للمجتمع الفلسطيني في الرواية مما أفقد العمل الروائي وظيفته الأدبية والفنية وحوّله إلى نوع من "الخطاب الأخلاقي" حول شرعية الاستعمار تحت شعار "إذا انهارت إسرائيل, فسوف ينهار الغرب معها".
4- تبدأ الرواية في صفحتها الأولى بمشهدية درامية تقليدية حيث يجلس الشاب إبراهيم على طرف السرير قرب أبيه الذي يعاني من سكرات الموت, ويقوم الشيخ الأب بسحب خنجر مرصع بالجواهر من تحت وسادته و يقدمه لابنه (كناية عن انتقال السلطة له) فيحتج إبراهيم على اعتبار أن الخنجر من المفترض أن يكون من نصيب شقيقه فاروق , فيهز الأب رأسه بنفاذ صبر ويقول بلغة تقريرية جافة " أخوك كلب بلا أنياب.. ينبغي للسلطة أن تبقى في يد العائلة...عائلتنا, ها هم أفراد العشيرة يتهامسون في الخارج فيما بينهم لاختيار مختار جديد" ثم دفع بالخنجر ووضعه في يد ابنه وأردف يقول " قد تراه صغيراً ... نعم هو خنجر صغير لو شئت النظر إليه كسلاح, ولكن هذا هو السلاح الذي نحكم به قومنا، وهم يعرفون معنى الخنجر ومعنى وشجاعة الرجل الذي يحكم قبضته عليه "... للمزيد انظر The Haj leon Uris. Doubleday, 1984.
5 The Haj Leon Uris.By: Doubleday. New York ,1984, p 17
6 Ibid.,21
7 Ibid.,15
8 Ibid.,14
9 Ibid.,15
10 Ibid.,275
11- يقول يوريس في أحد المقابلات معه "إن أول شيء عليك القيام به هو الانغماس في مشروعك، وتنظيم نفسك،و أن تعرف إلى أي المطارح سوف يقودك عملك و ماهي الأشياء التي ينبغي لك تجنبها ومن المهم أن تعرف ما هو المهم في الكتابة و ما هو الأكثر أهمية فيها. هذا هو الأساس الذي تبنى عليه الكتاب" ..
12-يذكر هرتزل في يومياته عقب انتهاء المؤتمر التأسيسي ( الأول) للحركة الصهيونية عام1897، في بازل السويسرية" لو أردت أن أختصر مؤتمر بازل في كلمة واحدة - وهذا ما لن أجاهر به صراحة – لقلت: في بازل أسّست الدولة الصهيونية. ولو قلت ذلك اليوم لقابلني العالم بالسخرية والضحك. ولكن بعد خمس سنوات على وجه الاحتمال، وبعد خمسين سنة على وجه التأكيد، سيرى هذه الدولة جميع الناس"
13 Rymond Savage: ALLENBY OF ARMAGEDDON: A RECORD OF THE CAREER AND CAMPAIGNS OF FIELD-MARSHALL, VISCOUNT ALLENBY GCB, GCMG.,p 217. Hodder & Stoughton. London United Kingdom, (1925)
14 "لم تتوقف[هناك] أصوات المطارق و لا صوت خلاطات الخرسانة ولا الشرر المتطار من قصضبان اللحام, وكان لوقع طرقات الحفر المتواصلة صوت يشبه الموسيقا ..كل هذا لم يتوقف في إسرائيل"..."هل يمكنك أن تصدق أن هذا المكان كان قبل بضع سنوات فقط مجرد صحراء مترامية الأطراف ..." للمزيد, أنظر Michelle Mart, Eye on Israel: How America Came to View Israel as an Ally (Albany: State University of New York, 2006) ., 60. 171
15 The Haj Leon Uris.By: Doubleday. New York ,1984, p 124