على هامش اقالة/ استقالة -جون بولتون-

حسام تيمور
2019 / 9 / 11

"دونالد ترامب" و "جون بولتون" وجهان لعملة واحدة.. أو يتقاطعان في كثير من التوجهات الايديولوجية .. و حتى المذاهب الوجودية ..
كنت دائما أقول بأن "ترامب" أفضل رئيس أمريكي، في ما يخص الامتداد الكاريكاتوري للعصر الذهبي الأمريكي الذي دشنه "بوش الأب".. و أنهاه الابن بأقل الخسائر، هنا نذكر الجسر الجوي مع اسرائيل .. التدخل الحاسم في العراق، لاعدام نظام "الكلب" الغربي/الانجليزي "صدام حسين"، و كذلك، و هذا هو الأهم باعتباره تحصيل حاصل لما سبق، و استمرارا لنفس النهج تقريبا، سياسة الردع الحاسم تجاه النظام الايراني، حيث كانت الحماقة تكلف غاليا، كما في عملية "الرامي الرشيق" ، حيث كانت قوات المارينز تقنص قوارب الحرس الثوري ليلا، كالخنازير ..
هو نفس النهج الذي جعل الرئيس الأسبق "احمدي نجاد" يجيب بكل صراحة على سؤال وزير خارجية اماراتي بخصوص خطب ايران النارية عن "تدمير اسرائيل" .. كما جاء على لسان نفس المسؤول "هو فقط كلام للاستهلاك ، لو فعلت ذلك ستقوم امريكا بتدمير بلدي و شعبي في ظرف وجيز .. لا احد يجرؤ على ذلك " !!

بهذا المعنى ربما يمثل عهد "اوباما" "عار امريكا"، و تمثل عهدة "ترامب" .. "عهر امريكا" ..

كيف يمكن تجميع هذه التناقضات و فوضى المعاني و الأفكار ؟
"ترامب"، يحاول اعادة امجاد "الصقر" الامريكي، الذي نحته زخم الحرب الباردة و القطبية الثنائية، في الوقت الذي كانت هناك حاجة ملحة لارساء "مركز" قوة "ثابث"، و الآن هناك حاجة لتبديد هذا المركز ، الذي لا يزداد الا قوة و تنفذا و تغولا في عمقه الاستراتيجي "المظلم"، لصالح أقطاب تبدو أن لها القدرة على خلق نوع من التوازن، و ان كان توازن رعب، أي التوازن "النووي"، أو ما يصطلح عليه في العلوم الرياضية ب"المعادلة الفارغة".




تعدد الأقطاب هنا لا يعني "الخسارة"، فيما يتعلق بمعادلات "الميغا-امبريالية"، فما يقارب "ثلث الاقتصاد الأمريكي رهينة عند رأس المال "الصيني"، و "روسيا" لا تقوم الا ب"اعادة" تدوير النفايات الأمريكية و الغربية.. ايديولوجيا و سياسيا و اقتصاديا و ثقافيا و حتى دينيا و عسكريا، بينما تلهث النخب في الصين وراء نموذج أمريكي "صيني"، أي مقلد !
هنا يحاول العمق الاستراتيجي الأمريكي ضمان تفشي اكذوبة "التعددية القطبية"، و ان بضرب نفسه من حين لآخر، أو ترك المجال مفتوحا أمام "كراكيزه"، للعربدة يمينا و يسارا .
"ترامب" يمثل مرحلة الصدمة هنا، بعد مرحلة "الاعداد للصدمة"، أي فترة "أوباما"، التي بدأت فعلا تبشر بنهاية "الاستعلاء" الأمريكي، لكن بشكل رزين و منمق ! يتقنه "الخادم الزنجي" بالخصوص ! أما الصدمة، فتكون بتحول كلام الرئيس و تهديداته الى مواد للسخرية و الفكاهة أكثر منها خطوات أو وعودا تم التراجع عنها لسبب أو لآخر ( كمثال : الخط الكيماوي الأحمر الذي وضعه اوباما في سوريا) !
هنا يتحول "الرئيس" الى "طرطور" .. لكن بأثر آخر خطير جدا، لا يقتصر على سياسات الرئيس أو نهجه الاستراتيجي أو خطه الايديولوجي، بل على منظومة القيم التي يحملها أو يدعي حملها .
"جون بولتون"، هنا، يشبه ذلك الشخص"الخجول"، الذي يتلقى دعوة الى حانة موغلة المجون العربدة، و هذا عنصر نشوئي لدى "ترامب" و باقي المتحلقين حوله على مستويات مختلفة طبعا، ثم يشرع في احتساء الشاي و القهوة، مع سخرية الجميع .. و هو نفس الموقف الذي تعرض له فور تعيينه و ذهابه صباح نفس اليوم الى مبنى ادارة "البانتاغون"، بطلب "غزو ايران" عسكريا، و نظرات الموظفين هناك المتعجبة/الساخرة!!

غريبة أحوال أمريكا مؤخرا، و لا أغرب منها تعيين مدير "السي آي ايه"، وزيرا للخارجية..!؟
أو حتى تعيين "ميلانيا ترامب"، خلفا ل "جون بولتون"، .. أين وجه الاستغراب ؟
فمن نامت على جمر رمال الخليج، أي "ايفانكا"، رشحت نفسها دون خجل لمنصب رئاسة البنك الدولي، و هنا نذكر واقعة تحدثت عنها وسائل الاعلام مؤخرا، بخصوص تجاهل أو احتقار مديرة البنك الدولي "لاغارد"، "لايفانكا ترامب"، على هامش مناسبة آخر السنة المنصرمة ..
و هكذا ربما، سينتقل النظام المالي العالمي من "الاقتراض" و السداد، الى "الحلب" ثم السداد، تماما كما وضح ترامب "حرفيا"، مع وجود "ايفانكا"، في نفس المجلس.. و ذلك قبل اعلاتها لنيتها الترشح للمنصب .. في مشهد يليق بالعقول الراقية فقط!

"بولتون" رجل مبادئ .. و "ترامب" أيضا .. لكن الفرق أو الفارق الشاسع هنا
أن "جون بولتون" "ناسك"..
و ترامب "نخاس" ..
و اللحم "السائب"، أكثر ما يغري "الصقر" سواء في حالات الضعف أو القوة !!

من شاهد لقطات خفل عشاء "ترامب" الرسمي، في الصين، و نظرات "ميلينيا ترامب" الغريبة العجيبة الى الرئيس الصيني آنذاك .. يدرك حجم الكارثة ! و ربما سبب اختفائها القسري، أو انزوائها بعيدا عن الأضواء ...........،
رغم مناشدات مادام "بريجيت ماكرون" باطلاق سراحها مؤخرا .. علما أنها لا تستطيع تقديم "استقالة" !!

ختاما ..
لا تهن ولا تحزن يا "جون" ..
في أمريكا.. من في أمريكا ..؟
الا أنت !!!