ذاكرة المجال وفائدتها في درء وقع كوارث الطبيعة بجنوب شرق المغرب

لحسن ايت الفقيه
2019 / 9 / 11

لقد عيل صبرُنا أمام استفحال الكوارث الطبيعية الناتجة عن التغيرات المناخية، بالجنوب الشرقي المغربي. كلنا يعرف أن الغرب الإمبريالي ماكان لينتبه إلى إفساد الكوكب الأزرق، الأرض التي نحسبها أمُّنا جميعا. لذلك كاد لغوب الفساد يغشى جميع سكان الأوساط الهشة بالدرجة الأولى. كلنا في الواحة سينتظر حتفه، إن قلّ حرصنا وضعف انتباهنا، إن بالسيل الجارف أو بنار حُطم تندلع كل لحظة بغابات النخيل. إن واحاتنا جميعها عِطاب بالنار أو بالفيضان أو بالزوابع الرملية، أو بالجفاف، في أسوأ الأحوال. لا حرث لنا ولا نسل أمام هذا الواقع المهول، ورغم قرحنا ومصابنا، وما أدراك ما مصابنا، لا يزال شعار الحياة بالواحة قائما.
أريد أن أضيف في هذه المقالة المتواضعة بأسا ثالثا، فضلا عن الحرائق وتعرية التربة بالفيضان، خبر حافلة للركاب كانت انطلقت في رحلة سفر من مدينة الدار البيضاء إلى مدينة الريصاني بجنوب شرق المغرب. انطلقت في حدود التاسعة ليلا، بتوقيت المغرب الذي يزيد عن توقيت كرينيتش بساعة، وحدث، لما أوشكت أن تعبر جبال الأطلس الكبير الشرقي، أن نشأ المطر يزخ، ولا يزال كذلك من الساعة الخامسة والربع، من صباح يوم الأحد 08 من شهر شتنبر من العام 2019، إلى حدود السابعة صباحا. وحينما يزخ المطر، في عصر الاحتباس الحراري، فالكارثة منتظرة إن لم يتخذ الإنسان قليلا من الحيطة والحذر. وإنه من الصعب عبور الخانق (كانيون) الممتد جنوبا من فم «زعبل» إلى فم «غِيور»، لكثرة الانهيارات ونزول الأحجار من فوق الدروع الكلسية التي تتوج قمم الجبال. يطلق سكان المنطقة الفم على باب الفج، وأما الخانق «كانيون»، فيسمى «تاغيا، تاغيت» بالأمازيغية. ما كان أحد لينبه العربات ألا تعبر خانق زيز، «تاغيت ن زيز» بالأمازيغية، لأن الرحلة هناك صعبة. وأمام غياب أي علامة لقطع الطريق، أو التنبيه إلى الخطر استمرت الحافلة في سيرها في منعرجات «تاغيت ن زيز». ولا تزال سائرة جارية بالطريق الوطنية رقم 13 حتى بلغت موضعا يسمى «درمشان»، «idr umcan»، حيث يتقاطع الواد وجسر الطريق. شخص بصر السائق الماء يغمر القنطرة على واد «درمشان» لكنه غرير، وأقدم على المغامرة بحافلة على متنها 51 راكبا، سنفصل القول في الهول فيما سيأتي.
يتقاطع واد «درمشان»، والطريق الوطنية رقم 13، بواسطة قنطرة بسيطة لا يمكن لها أن تصمد أمام الفيضان. وقبيل بلوغ واد «درمشان»، في اتجاه الرشيدية، تمتد الطريق بمحاذاة الانكسار الأطلسي الجنوبي الممتد قِبل الجنوب الشرقي إلى مدينة أكادير، وهو خط الزلازل أيضا. يُذكر أن الذين أشرفوا على بناء شطر الطريق، يوم أريد تحويلها عن مسارها الأصلي، قبيل بناء سد الحسن الداخل، عقب فيضان واد زيز سنة 1965، لم ينتبهوا إلى أن واد «درمشان» الذي يصب مياهه بواد زيز يفيض كلما زخ مطر عاصف عنيف. وحسبنا أن دارسي المشاريع لا يستحضرون الوسط ولا ينتبهون إلى ذاكرة المكان، ولا يستنطقون الطوبونيميا، ولا يشركون الرأي أهل المكان. ولو جرى تمييز معنى كلمة «درمشان» لأنجز جسر عالٍ بالموضع المذكور.
يمتد واد «درمشان» بعيدا متوغلا في مساحة واسعة بجبال الأطلس الكبير الشرقي، ويتكون من ثلاثة روافد، أحدها ينطلق من حدود جماعة امزيزل شمالا، والآخر يمتد من حيث الشمال الغربي إلى قرب موضع إدلسن، ويمتد الثالث من حيث الشمال الشرقي إلى الجبل الذي يطل على هضبة سدور. وكل هذه الروافد التي تجتمع في رافد واحد يحمل اسم واد «درمشان»، كانت تصب بواد زيز، وأصبحت تغذي يومه البحيرة الصناعية لسد الحسن الداخل. إنه واد مؤهل، يوم يفيض، ليجرف الحافلات، ويقلب الشاحنات. وإنه واد الخصوبة والحياة، هكذا يليق فهمه.
يمتد واد «درمشان» في مجال قبيلة أيت خليفة الزناتية، وهو مجال يتعرض دواما للانتهاك. وتمتد أرض أيت خليفة على مساحة واسعة في الجبال والوطاء، لكن القبيلة هويتها الثقافية تعرضت للتبكيت والإهمال، وقد سلف الوقوف عند الموضوع بالتفصيل بموقع الحوار المتمدن، وظل واد «درمشان» وحده رمزا للمجالية الثقافية لقبيلة أيت خليفة الزناتية.
تعني «درمشان» بالأمازيغية الزناتية المكان الحي. فالمقطع «در» الأمازيغي تقابله البادئة اللاتينية «Hydr»، يعني الحياة، وهو مقطع يكاد يفيد نفس المعنى في لغات البحر الأبيض المتوسط. وإن هذا الفهم كاف لاستدراك الموقف، لكنه غائب لدى الذين أعدوا مشروع شطر الطريق، بعد ثنيها ألا تغمرها البحيرة الصناعية لسد الحسن الداخل، بعيد سنة 1967. ماذا حدث في العقبى؟ أرجعت التغيرات المناخية واد «درمشان» إلى سابق عهده، أي: يوم سمته زناتة التي سكنت الجنوب الشرقي للمغرب منذ القرون الأولى لميلاد المسيح إلى نهاية العصر المريني. أصبح الواد حيا لحظة، بما تعني الحياة والخصوبة من معنى. ولأن سائق الحافلة القادمة من الدار البيضاء غرير، كما سلفت إليه الإشارة، فقد دفع العربة لتعبر مياه الواد التي صعدت لتغمر الجسر، وكانت العاقبة أن الفيض حمل الحافلة. حملت الأخبار أن الناجين منهم 28 مواطنا، وارتفع عدد الموتى، بعد الجهد الذي عرفه انتشال الجثث، إلى 18 هالكا، وهناك مفقودون طاحوا بالبحيرة الصناعية لسد الحسن الداخل، ولا يزال البحث عنهم جاريا إلى حدود كتابة هذه الكلمات.
صحيح أن السلطات المحلية بمدينة الرشيدية جيشت فريق البحث عن الجثث المفقودة، وتواصل عملها بمثابرة فائقة، وأنقدت الناجين وعرضتهم لعلاج، لكن خطر التغيرات المناخية لا يزال واردا. وكما قال ماو تسي تونغ: «مارس النقد قبل حدوث الشيء ولا تدع نفسك تتعود عليه فقط بعد وقوع الأحداث». ولئن صح اعتبار الجنوب الشرقي من الوطني غير ملائم للتنقل أمام تفاقم الانجرافات، مادامت الطبيعة مختلا توازنها، في الحال، فإن الحدث استثمر في غير محله، استثمر سياسويا. وأمام حصول الفاجعة، وازدياد الارتياب، فيما نكسبه من بنية تحتية هشة، أن كانت طرقا، أو ملاعب، وقد سلف أن جرف السيل ملعبا بالأطلس الكبير الغربي، بإقليم تارودانت، وعلى بساطه لاعبون، وبجواره متفرجون، هلك منهم 07 أفراد، هل نطيق أهوال التغيرات المناخية؟
لا يعقل أن يجرف السيل شاحنة سارية فوق الطريق الوطنية، وإلا فالطريق ليست وطنية. إن تجهيز مواضع الخطر بالجسور القوية الصلبة مدخل إلى التكيف والتغيرات المناخية. وفوق ذلك لا بد من سياسة تنموية تخدم الواحة والجبل. أملنا أن تكون الفاجعة مقدمة حسنة للتفكير في سن سياسة تروم مقاومة كوارث التغيرات المناخية. أملنا أن يحد البأس ويسود الاطمئنان.