الشعبوية في مصر بين الدين والسياسة والإقتصاد.

رياض حسن محرم
2019 / 9 / 11

لا خلاف على أن التيار الشعبوى الصاعد بقوة في الدول الأوروبية والولايات المتحدة وأمريكا الجنوبية يمثل رصيدا لمصلحة الصهيونية بشقها التوسعى والإستيطانى والإسلاموية من ناحية شعاراتها الغوغائية والرأسمالية المتوحشة في معاداتها للآخر والإنغلاق على الداخل والتركيزعلى معاداة الأقليات والهجرة والإسلاموفوبيا.
الشعبوية " populism " كمصطلح حديث تجاوز المائة سنة بقليل، وارتبط بكثير من التيارات السياسية المتطرفة ومنها الأناركية - الفوضوية ومعظم تيارات الإسلام السياسى بمختلف أطيافه، وقد تكون الشعبوية بتعريفها الحديث قد ظهرت في روسيا منذ العام 1878وهى كمصطلح تعنى " استخدام للمشاعر غير العقلانية لدى الناس وتوجيهها ضد النظم القائمة بوجه عام والأقليات على أساس الدين أو العرق أو الانتماء الجغرافي، وتسعى الى تأجيج الغرائز والميول البدائية واستخدام ذلك في إثارة الجماهير ضد الأقليات والأجانب والنخب بصفتهم المسؤولين المباشرين عن تعاسة وعوز الشعب، ويروجون للنزعة القومية والدفاع عن الهوية الوطنية، والسخرية من حقوق الإنسان ، وكما تقترن الشعبوية بالفوضى في الطرح والغوغائية، وتبرز بشكل خاص أثناء الأزمات والاضطرابات السياسية والكوارث التي تعصف بالمجتمعات.
في مصر سبقت الشعبوية الإسلامية مثيلاتها في أوروبا وأمريكا بزمن طويل ممثلة في حركة "الإخوان المسلمين" 1928، في استخدام مشاعر الخوف والذعر لتحريك الجموع والسيطرة عليها، فما بين التخويف من اليوم الأخر وعذاب القبر والثعبان الأقرع من جهة، وبين صب الرصاص المحمى في آذان سامعى الموسيقى، والحرق بالنار للسافرات والمتبرجات، وبين تكفير المخالفين من اليساريين والعلمانيين والليبراليين والصليبيين، وأن كل ما يأتينا من الغرب الملحد هو كفر وزندقة، تلك الشعارات التحريضية العنيفة التي أدت في النهاية الى حريق القاهرة (26 يناير 1952) ونهب المحلات الكبيرة المملوكة لأجانب ومصريين على السواء، وتحطيم ونهب البنوك واحراق جميع محلات تقديم الخمور، والنوادى والكازينوهات والكباريهات وغيرها.
الفرق بين الشعبوي الإخواني عن الشعبوي الغربي بأن الأول يسعى لحمل الشعب على أن يقدسه وفق استعماله للدين، بينما الغربي يسعى فقط الى اثارة غرائز الخوف والتنمر بين جمهوره، ويستعمل الشعبوي الإسلاموى الدين لتخويف المواطن البسيط من عاقبة التمرد على أقواله وأفعاله لأنها باختصار كلام الله ورسوله وسنته، بينما قياداتهم "باعترافهم" تعقد الصفقات مع النظام لتوزيع الكعكة من جهة، وفى الجانب الأخر يعقدون الإتفاقات مع قوى الإمبريالية العالمية مقدمين أنفسهم بأنهم الجدار الواقى ضد الإرهاب والعنف.
هيأت ظروف ما بعد الحرب العالمية الأولى، فرصة لظهور الحركات الشعبوية واليمينة المتطرفة فى دول كثيرة حول العالم، تحت مسميات شعبوية متعددة كحركة "ايطاليا الفتاة" و"تركيا الفتاة" وغيرها. ولم تكن مصر بعيدة عن ذلك، فظهرت حركة "مصر الفتاة" كحركة سياسية في أوائل الثلاثينيات من القرن العشرين نتيجة لتأثرها بسياق ما بعد الحرب، والرغبة فى الاستقلال عن بريطانيا العظمى. فأشتق أسم مصر الفتاة من الجمعية الفاشية فى إيطاليا، التى كانت تسمى إيطاليا الفتاة أيضًا، ورفع شعار “مصر فوق الجميع”، الذى أخذه من شعارات النازية “المانيا فوق الجميع”.
أصبحت الشعبوية دستورًا للأنظمة العربية السلطوية التي تعتمد على خلق عدو وهمي للتذرع به، في قمع الشعوب وكبت حرياتها وسلب حقوقها، وكما برز ذلك سابقا في الأنظمة البعثية الديكتاتورية في عراق صدام، وسوريا حافظ الأسد ومن بعده بشار، وفى ليبيا القذافى، وسودان النميرى وعمر البشير وعداها من الأنظمة السلطوية القومية أو الإسلاموية، التي كرسّت في صنع بطولاتها المزعومة، من خلال دغدغة المشاعر والعواطف واللعب على المخاوف، من أجل الوصول إلى الناس وكسب تأييدهم، وبذلك هيمنت فلسفة الديماغوجية لترويض الجماهير العربية والتحكم فيها واستعبادها، والتحكم في الجماهير من خلال الخطاب الشعبوي، الذى استطاع الحكام من خلاله بناء أنظمة توتاليتارية سلطوية في بلادهم، أبرز مظاهر تلك الأنطمة هو التبجيل والتهليل والتصفيق للزعيم وللقائد وللحاكم الذي يقدّم خطابًا عاطفيًا انفعاليًا، لا يمتّ إلى الواقع بأي صلة، بل يحول الهزائم إلى انتصارات، وهى بوادر للخطاب الشعبوى على جميع المستويات، سواء في السلطة أو حركات الإسلام السياسى، وظلت السلطات فى مصر تعتمد على خطابات الإجماع الوطنى وضرورة الاصطفاف وراء الحاكم أو الدولة، ودمجت الخطابات السياسية والإعلامية ، شخصية الحاكم بكيان الدولة، فأصبحت الخروج عن الحاكم بمثابة معارضة للدولة القومية ذاتها، برز ذلك جليا منذ عهد الرئيس المؤمن "محمد أنور السادات"ـ كما اعتمدت على خلق عدو وهمي للتذرع به، في قمع الشعوب وكبت حرياتها وسلب حقوقها وفى ظل خارطة الطريق التى أعلنت فى 3 يوليو 2013، تم إعادة انتاج خطاب الإجماع الوطنى مرة أخرى، ولكن هذه المرة بسياسات ليبرالية وليست اشتراكية، كما في الحقبة الناصرية.
في ظل الحقبة الناصرية كانت لعبدالناصر شعبية جارفة فى الشارع المصرى قائمة على انجازاته الاجتماعية والاقتصادية، ونجاحاته فى الاستقلال عن الاستعمار البريطانى. تجسدت شعبوية الزعيم في خطاباته السياسية وبأجهزته الاعلامية والسياسية. ولكن كان النظام السياسى أحاديا غير تعددي وقائما على سياسة الحزب الواحد وتأميم الحياة السياسية والاجتماعية الذى شمل المجتمع برمته، السياسة والنقابات العمالية والمهنية، وظل النظام السياسي بلا منافس حقيقي حتى هزيمة 1967، التى قللت شعبيتة فى الشارع وبدأت تخرج مظاهرات طلابية وومهنية للمطالبة بالحرب ومنددة بالهزيمة.
بعد موت عبد الناصر ظل خليفته أنور السادات يعاني من غياب الكاريزما الشعبية، وبدأ يتسول شعبيته بين الحين والأخربالإعتماد على منظور دينى فى اكتساب تلك الشعبية، إلى درجة وصفه نفسه بالرئيس المؤمن، ورفعه شعارات مثل ” دولة العلم والإيمان ” ورسخت هذه الفترة تحديدًا الربط بين الدين والسياسة بالشكل الذى نراه اليوم، بإصدار المادة الثانية في الدستور والتي تنص أن الإسلام هو دين الدولة ومصدر التشريع التي لم تستطع دساتير ما بعد الثورة تغييرها حتى الآن، وفى نفس الفترة صدرت قوانين سلطوية كقانون إزدراء الأديان بحجة منع الفتنة الطائفية، والذى وقف حائلًا أمام حرية الفكر والتعبير، كذلك قوانين العيب والحسبة وقانون المدعى العام الإشتراكى.
وقبيل الثورة الشعبية في 30 يونيو 2013 التي تم فيها التخلص من حكم جماعة الإخوان، حدث أن طلب وزير الدفاع المصرى "عبد الفتاح السيسى" من المصريين النزول الى الشارع في 14 يوليو2013 " وكان في أقوى مراحل جماهيريته حينئذ" لتفويضه لمواجهة الإرهابـ،، ويعتبر هذا التاريخ خطا فاصلا بين عهدين، وفى 3 يوليو من نفس العام بدأت مرحلة جديدة مثلت صيغة شمولية لعلاقة الدولة بالمواطنين، متبنية خطابًا سلطويًا تحتكر فيه السلطة التمثيل السياسى والمجتمعى الوحيد للمواطنين، واستخدمت في ذلك شعارات ومعاني مرتبطة بالمخيال الجمعي، وعلى رأسها شعارات الإنقاذ من الحرب الإهلية، والتخلي عن الوصاية الاجنبية، والحرب على الإرهاب، فيما فشلت القوى الثورية والمدنية (ممثلة في جبهة الإنقاذ) تأسيس نظام مدنى قائم على خطاب التعددية والمواطنة وقيم حقوق الإنسان والعدالة والمساواة، واستخدمت السلطة وأجهزتها الإعلامية خطابا ترهيبيا، معتمدة فيه على المقارنة بالأوضاع فى سوريا والعراق وليبيا، الامر الذي كان له الأثر الكبير على قطاعات واسعة من المجتمع المصرى، فقد تعودت قطاعات واسعة من المجتمع على الخوف من السياسة وخاصة الأفكار المعارضة لنظم الحكم، واعتبار أن الدولة ممثلة في مؤسسة الرئاسة والحكومة ، هى الملاذ الأمن من الاختلالات الإقليمية والدولية.
مصريا، ظهرت الطبعة الشعبوية فى كنف النيوليبرالية، فعملت السلطة الحاكمة على تحرير الاقتصاد المصرى، ورفع الدعم عن السلع الاساسية ، وزيادة الضرائب، والانصياع لتوصيات صندوق النقد الدولى، وترسيخ سياسات ” عدم تدخل الدولة فى السوق" وتركه للقطاع العسكرى وما تبقى فاللقطاع الخاص، وتصدير خطاب ينحو الى دغدغة مشاعر الجماهير، والولع بالمشاريع الضخمة "دون حساب لمدى استفادة الفقراء منها"، بالإضافة إلى الحديث الدائم عن الانجازات العملاقة وغير المسبوقة، وانكار وجود اية مشكلات في أرض الواقع..السلام عليكم.