نتنياهو يتحدى!

سعيد مضيه
2019 / 9 / 11

!نتنياهو يتحدى !
اليوم ، 11/9/ 2019 ، يصادف ذكرى تفجيرات نيويورك؛ فجرت بدورها تداعيات درامية على المشهد الفلسطيني عجلت تحولات خطيرة على المصير الفلسطيني ؛ إذ أعقبها مباشرة اجتياح مناطق السلطة وإلغاء النتائج الهزيلة لمفاوضات ثمانية أعوام، وشددت الحصار حول الوجود الفلسطيني على أرض الوطن وعطلت مقاومته لمشاريع نهب الأرض وتوسيع الاستيطان والتهويد. الصهيونية . متمكنة من فنون التخطيط والتدبير والكيد، استثمرت إسرائيل والحركة الصهيونية بكفاءة عالية تفجيرات نيويورك لتلطيخ سمعة الإسلام والشعوب الإسلامية وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني، ووصم حركة تحررها الوطني بالإرهاب. سارع شارون، رئيس وزراء إسرائيل حينئذ، للتشهير بياسر عرفات يقود إرهابا ضد إسرائيل صنوا لإرهاب بن لادن ضد الولايات المتحدة؛ بينما برزت دلائل أقنعت مختلف الاوساط الدولية على أن الموساد الإسرائيلي عرف مسبقا بالمؤامرة؛ وفي نفس الوقت برزت ثغرات مخلة وفاضحة في رواية إدارة بوش بصدد التفجيرات اطلقت حركة تحقيقات خاصة كشفت عن دلائل أخرى على ضلوع الموساد والمخابرات المركزية الأميركية في الجريمة . كما أقر مكتب التحقيقات الفيدرالي بالولايات المتحدة في وقت لاحق بعدم العثور على ما يسند اتهام بن لادن بالتفجيرات.
كان شارون أول من انبرى يوجه دفة الحرب المعلنة على الإرهاب ضد المقاومة الفلسطينية، ومن ثم ضد الشعوب العربية. إشغال المجتمعات العربية بأزمات التخلف شرط لا بد منه لإنجاز عملية تحويل فلسطين بأكملها دولة يهودية. أخذت إسرائيل تتدخل بواسطة جواسيسها في الأنظمة العربية، وراحت تصدّر الأزمات داخل المجتمعات العربية، خاصة في دول المواجهة، وحشدت الضغوط لغزو العراق وتفجير الوضع داخل سوريا.. بتدبير مسبق وبمواكبة مراحل حبك مؤامرة أيلول، صمم شارون ونجح في استدراج المظاهرات الشعبية الفلسطينية الى صدام مسلح اتخذ شكل التفجيرات وسط التجمعات اليهودية (انتقاما) من الاغتيالات المتلاحقة من جانب إسرائيل لعناصر قيادية في المقاومة الفلسطينية. بمكيدة متقنة التدبير ادخل شارون عناصر فلسطينية في أعمال عنف ضد مدنيين يهود كي يلصق تهمة الإرهاب بمنظمة التحرير ورئيسها ياسر عرفات . ونجحت المكيدة.
قبل تفجيرات أيلول، أعلن نتنياهو صراحة، وبتحريض من حلفائه المحافظين الجدد في الولايات المتحدة عدم الانسحاب من الضفة الفلسطينية؛ وراح يطور الاستيطان بالضفة ، رغم توصّل الأبحاث الأركيولوجية العلمية الى نتائج حاسمة قطعت بعدم قيام دولة لليهود على أرض فلسطين. بينت التأرخة العلمية أن "وطن الآباء" و"أرض الميعاد " تلفيقات استشراقية تلقفتها الامبريالية والصهيونية لفرض مركز امامي للامبريالة في المنطقة ، او كما ادعى هيرتول " طليعة الحضارة الأوروبية بوجه الهمجية". طورت حكومات نتنياهو استيطانها الى تهويد وأصدرت قانون قومية دولة إسرائيل، احتكرت لليهود حق تقرير المصير ورفعت عملية الاستيطان "قيمة قومية"سامية . وعشية ذكرى تفجيرات أيلول وقف نتنياهو يخطب في جمهوره يبشره بدنو لجظة توسيع دولة إسرائيل بضم المستوطنات اليها ، مع إلحاق الأغوار الشمالية التي تشكل ثلث أراضي الضفة وأجودها خصبا وقيمة استراتيجية. ما كان نتنياهو ليجسر على المجاهرة بالضم والالحاق لو توقع ردا زاجرا يتوعده بإجراءات رادعة.
بالعكس صدرت ردود رخوة انهمكت بالتفسير والتأسف على فرص السلام المضيعة! بأيد مرتجفة ظل المسئولون في منظمة التحرير الفلسطينية يحجمون عن شطب التنسيق الأمني مع دولة الاحتلال، علما بأنه مضى سنوات تنسيقا لحماية الاحتلال والمستوطنين، الذين ما انفكوا يعتدون على المزارعين الفلسطينيين ومزارعهم ويكررون يوميا اقتحام الحرم الأقصى. اكتفى المسئولون بالمنظمة بتفسير مشاريع نتنياهو أنها "انتهاك صارخ للقانون الدولي" و "سرقة للأراضي وتطهير عرقي مدمر لكل فرص السلام". واقتصرت حماس في رد الفعل بتفسير خطة شارون مجرد"محاولة للبحث عن أصوات اليمين". أما الجامعة العربية فاكتفت باستنكار مخطط نتنياهو، وهي تعلم ان نتنياهو تلقى بازدراء آلاف الاستنكارات لمشاريعه العدوانية، دون ان تهتز شعرة في رأسه ولم يوقف مخططاته الاحتلالية الاقتلاعية
ردود أفعال متهالكة تشجع نتنياهو وأنصاره خلف المحيط على التنفيذ الفعلي للضم والإلحاق. نتنياهو وريث الصهيونية الحيروتية التي وصفها دافيد بن غوريون بالفاشية؛ وهو ابن أبيه ، بن زيون نتنياهو سكرتير جابوتينسكي، داعية الصراع المسلح مع الفلسطينيين ومؤسس الحركة الحيروتية ، سلف الليكود. بزغت الحركة الصهيونية عام 1897، حركة سياسية للرأسمال الاحتكاري اليهودي، تحدوه أطماع مشاركة الاحتكارات الرأسمالية استغلال ثروات شعوب الشرق. وبذا ارتبط المشروع الصهيوني في فلسطين بجموح النزعة الاستعمارية لدول الغرب في منطقة الشرق الوسط. ومن ثم يبرز، في إطار العلاقة الطبقية ، الفرق بين مواقف أثرياء اليهود من المشروع الصهيوني ومواقف أثرياء العرب وفلسطين من المشروع المضاد ، وحامله حركة التحرر الفلسطينية. إن إغفال الرابطة العضوية للحركة الصهيونية بالامبريالية ، ومن ثم تجاهل تبعية أنظمة عربية عديدة وشرائح برجوازية عربية، ومنها شرائح فلسطينية، للامبريالية، قد كلف المقاومة الفلسطينية غاليا وأهدر مرارا نضالاتها وتضحياتها الجمة. يتوجب القول أن قيادات المقاومة الفلسطينية في مختلف مراحلها تورطت، وما تزال، بأوهام المراهنة على موقف لدول امبريالية يعترض اندفاعات الصهيونية نحو الاستحواذ الكامل على الأرض الفلسطينية. لم تعترض أي من دول الغرب التطهير العرقي في مرحلته الأولى 1948-1949، ولم تحذر من تحريض بن غوريون على اسنكمال مهمة الاستحواذ على فلسطين كاملة! لم يصدر إعلان عن مصدر صهيوني يلمح الى رغبة بالتعايش مع الشعب الفلسطيني؛ و لم يصدر عن دول الامبريالية تحذير من مغبة تطهير عرقي جديد في فلسطين.
لا يقابل تحدي نتنياهو بالتصريحات والوعود الكلامية؛ ولن يتم التحدي بالانخراط في عمليات انتقام تأخذ الجهد الفلسطيني المقاوم بعيدا عن إضعاف الاحتلال أو تصفيته. كما لا يجدي التوجه لدول الغرب الامبريالية لكبح جماح نتنياهو وكتلته الفاشية.
الأوهام بدول الغرب تواصلت لدى القيادات الفلسطينية أسفرت عن نكسات تعطلت بسببها عملية التحام حركة التحرر الفلسطينية بنضال الشعوب العربية ضد الهيمنة الامبريالية، كي تستاثر بثروات بلدانها ولكي تصفي تركة التخلف والفقر والجهل والقهر، تنلك التي ترعاها الأنظمة الأبوية الاستبدادية العربية. هذه الأنظمة بسياساتها تشكل خط دفاع عن إسرائيل وأنشطتها العدوانية؛ ولن تفلح جهود المقاومة الفلسطينية في الصمود بوجه التطاولات الإسرائيلية المدعومة بقوى الامبريالية إلا بالقطيعة التامة مع الأنظمة العربية التابعة للامبريالية وتعزيز تحالفها مع حركات التحرر الوطني بالمنطقة. يتوفر احتمال الحل العادل للمشكلة الفلسطينية بعد تحرير المنطقة من نفوذ الامبريالية الأميركية على وجه الخصوص، وقيام ل اتحاد الدول العربية المتحررة والديمقراطية .