الأستاذ الجامعي بالمغرب، من الوظيفة التربوية إلى الممارسة السلطوية

عادل امليلح
2019 / 9 / 11

لسنا هنا بصدد قصف الأساتذة الجامعيين، فهناك أساتذة أكفاء يستحقون منا كل الإحترام والتقدير، ولكننا وبصدد التجربة سنحاول إبراز للرأي العام بعض الممارسات التي تعتبر مشينة لحرمة الجامعة والتي يقوم بها بعض الأساتذة مع كامل الأسف.
هناك من يحصر وظيفة الجامعة في كونها فضاء للتعليم والتعلم فقط، وهذا خطأ، ذلك أن الجامعة هي قبل كل شيء نطاق لتفاعلات خاصة، وعلاقات أفرزتها التحولات التي تخترق الجامعة، على اعتبار أنها في نهاية المطاف ليست سوى إنعكاس للبنى الإجتماعية والسوسيو-ثقافية للمجتمع المغربي نفسه...
وعلى العموم فإن ما يهمنا هنا هو العلاقة بين كل من الأستاذ والطالب داخل الجامعة، والتي يعبر عنها بيداغوجيا (بالتعاقد الديداكتيكي)، فمعلوم أن الأساتذة الجامعيين يتمتعون بنوع من الإستقلالية إذا ما قرنوا بالأساتذة العاملين في المستوى تحت الجامعي أي "التعليم المدرسي" ، والذين يخضعون للمراقبة والتتبع المستمرين من طرف لجان وهيئات مختصة، هذه الاستقلالية النسبية كان ينبغي أن تستثمر بشكل ايجابي وفعال، خاصة في توطيد العلاقات الاكاديمية بين الأساتذة والطلبة، إذ لم تعد اليوم العلاقة بين الأستاذ والطالب تجد تجلياتها ومدلولها في الحقول المعرفية والفكرية بقدر ما أصبحت علاقة ”سلطة“، فالأساتذة يعتقدون أنهم حاملون للمعرفة محتكرين لها، ولذلك تجد معظمهم يديرون حصص التدريس بنوع من السرديات، فبدل خلق جو من التفاعل داخل الفصل باعتماد الأساليب والوسائط التربوية وتبني الحوار الديداكتيكي والتواصل البيداغوجي.. تجدهم يتخيلون أنفسهم وكأنهم في سوق عكاظ، يلقون معلقاتهم أو يجترون معلقات غيرهم!! فالأساتذة في الحقيقة لم يعودوا يقيمون أي وزن للطلبة داخل الجامعة، ويتصرفون كرجال السلطة، أو بالأحرى كأوصياء على الجامعة، من خلال إفتاء الأوامر، وإشهار "جوكر" النقطة في وجه كل من لا ينصاع أو يخرج عن المألوف، وقد تتحول الأمور في بعض الأحيان إلى تجارة تخضع لمنطق العرض والطلب، يشكل المال والجنس رقم معاملاتها، فمكانة الأستاذ تحدد بنفوذه داخل الحرم الجامعي!!
وإذا كان هناك من يعتقد أن الدولة وحدها من تتحمل المسؤولية في تراجع فعالية المنظومة التربيوية عموما، والإفلاس النهائي للجامعة المغربية التي تحتل مراتب متدنية في القوائم الدولية والإقليمية خصوصا، فهو إعتقاد ناقص، فالواقع يبين بالملموس أن لبعض الأطر الجامعية اليد الغليضة في إنزلاق الجامعة نحو المهاوي، ولا أدل على ذلك البحوث الجامعية الهزيلة كمًا وكيفًا، إذ أن العديد من الأساتذة المؤطرين والمشرفين لا يعيرون الطلبة الباحثين أي اهتمام وخاصة في سلك الإجازة والماستر، حيث نجد أن أغلب البحوث لا تعدو على كونها صفحات خالية من أي بعد منهجي وأكاديمي، إذا لم تكن صفحات تتغير فيها الأسماء فقط، كما أن حوالي 55% من الأساتذة الجامعيين لم يسبق لهم نشر ولو سطرا واحدا في جريدة محلية أو مجلة.. ناهيك عن المؤلفات(*) فالأستاذ الجامعي المشرف ملزم بتأطير طلبته وتتبع مسارات بحوثهم، وتوجيه الدعم الرمزي لهم، وقلة من الأساتذة الغيورين من يفعل ذلك، ويشكلون حالات إستثنائية داخل الجامعة..
ومما يزيد من حدة الظاهرة السلطوية داخل الجامعة، عزوف الطلبة عن البحث والمثابرة، وعدم وعيهم بأن الجامعة فضاء لتصارع الأفكار وتناقحها، وتبادل الأراء وتضاربها، وفضاء للإنتاج المعرفي والأكاديمي، وميدان للتجديد والتنوير.. مما يتوجب على الطالب أن يكون في مستوى يعكس الروح الجامعية، ولكنهم بدورهم أصبحوا فقط يأتون لتدوين ما يلقى عليهم من سرديات متقادمة، وحفظها دونما أي ممارسة منهجية أو نقدية متبصر فيها، لإعادة تنزيلها في الإمتحانات، التي بدورها تكون متضمنة لأسئلة لا تتجاوز حدود إعادة ما تم تقديمه، أي عملا بقاعدة "سلعتنا ترد إلينا" ولا تقدم على أساس تقويم كفايات الطلبة وقدراتهم ومهاراتهم..
فاليوم من المعتاد أن نجد أساتذة يمنعون النقاشات داخل المدرجات، ويطلبون من الطلبة عدم طرح الأسئلة عليهم داخل الفصل، بدعوى أن ذلك مضيعة للوقت، ويخل بتدبير الدرس، وحتى وإن تجرأ طالب على طرح بعض الأسئلة كان رد الأستاذ لا يخلو من إهانة وتحقير، لذلك يفضل الطلبة إلتزام الصمت، والبعض يفضل إمضاء الحصة في مراسلات "الشاط" أو مشاهدة الأفلام الهندية، ولما لا عقد جلسات الشاي ولعب الأوراق "الكرطة"!! وعندما يتحدث الطلبة حول مسببات تراجع أداء الجامعة المغربية مع الأساتذة يطلقون تهمتهم المعتادة "أنتم لا تقرأون، والدولة ليس في صالحها ذلك" والحقيقة أنهم لا يكلفون أنفسهم عناء أن يكون المثل الأعلى للطلبة ويحفزونهم على البحث ويفتحوا لهم آفاق المشاركة والإدلاء بأرائم، وهذا ما لا يحدث، فالعلاقة التي باتت تجمع بين الطلبة والأساتذة لم تعد سوى روتين تفرضه المهنة بالنسبة للأساتذة، أو إستفاء الوحدات والحصول على النقاط في نهاية الأسدس بالنسبة للطلبة، فالأساتذة ومع كل الأسف يتصرفون كبروقراطيين حقيقين داخل الجامعة ويعتقدون فيما يعتقدوا أن المكانة المرموقة التي هم فيها توفر لهم الحصانة، وتخول لهم الطريق لممارسة القمع والميوعة في حق الطلبة والجامعة، كما يبقيهم في منآى عن النقد والمساءلة، غير أنهم لا يفكرون أنهم بتصرفهم هذا يقتلون البحث العلمي وما تبقى من جامعة..
فبينما كان يجدر بهم بحكم مؤهلاتهم الأكاديمية أن يحاولوا سد الفراغ والنقص الذي تحدثه سياسة الدولة العرجاء في ميدان النهوض بالجامعة، والقيام بما يلزم لجعلها منتجة وفاعلة في المجتمع وقادرة على تخريج جيل مسؤول يعي تمام الوعي المتطلبات الملقاة على عاتقه، ويعي أيضا حقوقه فيطالب بها وواجباته فيقوم بها، إلا أنهم لا يلتفتون ليروا أن الجامعة المغربية اليوم تعيش أحلك فتراتها، وأسوأ مراحلها، وتحولت إلى "ثانوية كبيرة"، مما جعلها عرضة لكل المرامي الساعية لخوصصتها، ومحطة للنفعاويين والإنتهازيين الذين لن يتوانوا في "تكنقرطة" الجامعة لصالح مصالحهم، بينما لم تجد من يدافع عنها وعن حرمتها، فحتى الحركات الطلابية هي الأخرى في طور الأفول، كما أن صورة الجامعة في الأوساط الشعبية أصبحت مشوهة خاصة مع تنامي الفضائح مثل الماستر مقابل المال، أو النقطة مقابل الجنس، أو مقابل شراء كتيبات تفرض على الطلبة فرضا، وسلوكات مشينة في حق هذه الفضاء أبطالها أساتذة وموظفون.. وما خفي أعظم!! زد على ذلك مساعي متواصلة للدفع التعليم الجامعي إلى الهامش، وتحقير خريجي الجامعات العمومية بكونهم الأكثر عرضة للبطالة نظرا لقلة فرص الشغل ومحدوديتها، واتهامهم بعدم تملك الكفايات الأساسية التي تخولهم ولوج سوق الشغل، على الرغم من توفرهم على شواهد عليا تثبت عكس ذلك.. مما يعطي إنطباعا بأن الجامعة لم تعد سوى إدارة محلية، ينطبق عليها ما ينطبق على "المقاطعة" فلم تعد فاعلة في الصراع الإجتماعي، ولم تعد الجامعة محطة للنقاشات والمستجدات التي تفرزها الظروف والتحولات الراهنة في الساحة الدولية والوطنية، وإنما فضاء لتبادل القبل والتفاخر في الموضى، وبيع الحشيش!!
إن غياب الشفافية والحكامة داخل الجامعة، وغياب منطق الإستحقاق وتكافؤ الفرص، يجعل الطلبة الأكفاء عرضة للإقصاء والقتل الرمزي لطموحاتهم وتطلعاتهم، ويصبح هم العديد منهم الحصول على الشواهد ومغادرة الجامعة.. بل والوطن أيضا.
فالأطر الجامعية في نهاية المطاف مسؤولة تجاه الجامعة وتجاه المجتمع وتجاه الحضارة الإنسانية والتاريخي، ولا يقمون بمهام مجانية أو تطوعية وإنما تدفع لهم رواتب نسبيا سخية من الميزانية العامة للدولة، أي من عرق الشعب وتعبه، لذلك يجب عليهم أن يقوموا بعملهم بما يساير واجبهم المهني، وأن يعوا بفضائل هذه المهنة الشريفة، التي تبني الأجيال وتعدهم ليكونوا رجال الغد وحاملي المشعل، ويجب أن يفهموا أن الجامعة ليست فضاء للإسترزاق والإستوزار، فنحن نريد جامعة منتجة وفاعلة، جامعة بمقدورها أن تنتج النخب الضرورية لتقدم البلد، وليس مؤسسة برلمانية جديدة، يكفينا بأس وبؤس البرلمان الذي لدينا!!

(*) https://www.maghress.com/essanad/246