تحديات واخطار يواجهها التنين الصيني

حمدى عبد العزيز
2019 / 9 / 10

تصاعد واحتدام الحرب الترامبية التجارية الأمريكية مع الصين ، وبدرجة ما مع روسيا ، تجاوز مجرد الحروب التجارية ، إلي محاولة إشعال الصراعات التي يمكنها أن تؤدي إلي إنزال الضربات في الداخل ..

والمثل واضح جداً في الحالة الصينية ، وهو التحدي الجديد الذي يضاف إلي التحديات التي تواجهها الصين ..

كعادة أمريكا دائماً ..
تفتح الملفات التي ورثتها عن الإستعمار البريطاني ضمن ماورثت يوم أن انتقلت إليها ريادة المركز الإستعماري العالمي ومع دخوله مرحلته الجديدة التي بدأت فعلياً علي الأرض في أعقاب الحرب العالمية الثانية ..

محاولة لنقل الصراع إلي داخل الصين ذاتها عبر (تسخين) أحداث هونج كونج (التي كانت ملفا بريطانيا يرجع إلي سنوات حرب الأفيون) ،

ومن ثم الشروع في اللعب علي تصعيد وتأجيج الإحتجاجات الجارية في هونج كونج تجاه الوطن الأم الصين ، استغلالا للتناقضات الفعلية القائمة بين مجتمع هونج كونج العائد لتوه من عباءة الإستعمار بعلائقه الإجتماعية ونخبه التابعة ، والذي تأطرت عودته إلي الوطن الأم بشرط صنعته تلك العوامل وعوامل رئيسية أخري عديدة من بينها الشروط البريطانية الأمريكية للإعتراف بسيادة الصين علي الجزيرة ، ومنها رؤية الدولة الصينية وحزبها الشيوعي لعلاج ذلك التناقض الواقعي المترتب علي بقاء هونج كونج لحقب طويلة تحت الهيمنة الإستعمارية الغربية ، وماترتب علي ذلك من تناقض بين طبيعة مجتمع هونج كونج وتشكيلته المجتمعية والثقافية ، وبين سائر عموم المجتمع الصيني ، مما تطلب هذا الشرط التاريخي الذي يتمثل في (دولة واحدة ونظامين) كشرط للعلاقة بين مقاطعة هونج كونج والدولة الأم ..

وهذه معضلة ليست بالهينة تواجهها إلي جانب معضلات كثيرة ترتبط بطبيعة الإتساع الجغرافي للصين وتنوع أطرافها الجغرافية من حيث تأثرها بالمراحل والظروف التاريخية التي واجهتها الصين علي مر تاريخها كدولة تعرضت أطرافها الجغرافية للكثير من الإجتياحات الإستعمارية المتنوعة ، وماترتب علي ذلك من إشكالات حدودية وديموجرافية تطفوا آثارها وتداعياتها مابين وقت وآخر ، وهي ماقررت الولايات المتحدة الأمريكية إستغلاله ، وتوجيه جهودها الهادفة للحيلولة دون تحقق مبادرة الطريق والحزام الصينية وتبلورها كنظام تجاري يمتد ليصبح تأسيساً لنظام عالمي جديد ، وعولمة بديلة لتلك العولمة التي وضعت الولايات المتحدة أسسها ومؤسساتها بعد الحرب العالمية ، ثم بدأت في فرضها كنظام عالمي هيكلي مع بداية تسعينيات القرن الماضي بما يؤكد هيمنتها علي سائر النظام العالمي ومؤسساته الإقتصادية والسياسية ..

الصين التي خرجت للعالم مع بدايات هذا القرن كعملاق إقتصادي حقق مستويات من النمو والتطور الغير مسبوق في تاريخ الدول ، وهو ماجعل المراقبين لمعدلات النهضة والنمو في الإقتصاد الصيني مع منتصف العقد الثاني من القرن الحالي يعتقدون أن الصين تتقدم لإزاحة الولايات المتحدة الأمريكية من صدارة النظام العالمي ..

الصين تواجه علي أثر خروجها للعالم بمبادرة الطريق والحزام تحديات لايستهان بها ..

أولها / من المنطقي جداً أن المركز الرأسمالي الإستعماري العالمي لن يترك مواقعه بسهولة للتنين الصيني ، وهو لن يتواني عن توجيه ضرباته المتنوعة مابين الحروب التجارية ، أو التدخلات في المناطق الواقعة علي الطريق أو الحزام الصيني لمحاولة تخريب وإفساد المحاولة الصينية ، حتي علي الرغم من إعلان الصين أنها تطرح تبادل المنافع والمصالح بديلًا عن الصراعات وأنها لاتطرح مشروعها في مواجهة نظام ما ، ولاتحاول فرض نموذج ما ، ورغم أنها تطرح مشروعها في سياقات المشروع الرأسمالي ومن داخل الأسواق العالمية بوضعياتها التي هي عليها ، ولاتطرح أية أفكار لمناهضة النظام الرأسمالي أو مايظهر العداء له ، أو حتي إبداء النقد له ..

ثانيها/ وهو التحدي الخاص بالتناقض العظيم المتعلق بطبيعة المحاور والمراكز الجغرافية التي سيمر بها الطريق ، وسيمر بها من ناحية أخري الحزام ، فهي محاور ومراكز تحفل الكثير من مناطقها بالمشكلات العرقية والطائفية ، والنزاعات الحدودية التي يمكن تسعير نيرانها ، وبالتالي استخدامها ككعب أخيل في ضرب أسس عملية الطريق والحزام وإفشالها ، وخصوصاً أن هذه المناطق تتموضع جغرفيا بحرياً أو برياً علي الصمامات الأساسية لمساري الطريق والحزام (الهند - باكستان - سيريلانكا ، بورما ، مناطق بحر الصين) ..

ثالثها / أن الصين لاتمتلك من القوي الناعمة (قوي خلق القناعات) مايمكن أن تحقق به نفوذاً ثقافياً وسياسياً دولياً يكفي لاحتضان مشروعها ، وهناك صعوبة في بلورة هذه القوي علي نحو متكافئ مع طموحات الصين الجديدة لأسباب تتعلق بتأثير العزلة الجغرافية التاريخية عن العالم وبطبيعة اللغة والثقافة الصينية ..

الصين تعتمد في ذلك - إلي حد بعيد - علي قوة المصالح الإقتصادية وحدها ، فهل سيكفيها ذلك في مواجهة المركز الرأسمالي الإستعماري الذي يملك من القوي الصلبة كالإقتصاد والهيمنة النقدية علي العالم ، وعناصر التفوق العسكري) ، ومن القوي الناعمة مالايمكن تجاهله ، بل ولايمكن عدم رؤية تأثيره علي أحداث هونج كونج الجارية ..

رابعها / وليس آخرها/ هو مايتعلق بالتحديات داخل الصين نفسها ، وماذكر سابقاً في سياق الحديث عن هونج كونج ، وعن طبيعة اتساع الأطراف الصينية ، التي حفلت بتاريخ من الإجتياحات والغزوات والإحتلال، وكافة أشكال وأنواع الإستعمار الجنينية أو الكلونيالية ، وهو ماترك آثاراً واشكاليات عرقية وإثنية وحدودية علي بعض مناطق وأقاليم الأطراف الجغرافية الصينية الشاسعة ، فبالإضافة لهونج كونج هناك اشكاليات أخري مرشحة للإثارة كالتبت ، وتايوان ، ومكاو ، علاوة علي مشكلات الأنجور ، وما إلي غير ذلك من أوضاع متشابهة

، وهو مايطرح نقاط ضعف وهشاشة يمكن للتدخلات الأجنبية أن تستثمرها جيداً في الضغط علي الصين واكتساب نقاط مؤثرة في جولات الصراع معها ..

______________
حمدى عبد العزيز
31 أغسطس 2019