مواجع لابثة في أروقة الذاكرة - شاعر المهجر والمثقف العضوي خلدون جاويد من – الوعي الكتابي وفتنته - الحلقة الرابعة من حوارنا معه في -بؤرة ضوء-

فاطمة الفلاحي
2019 / 9 / 10

• كتب وهو يعانق أنامل القلب، تفاصيل دندنات الوجع الخفية في دمه، ومَبازغ أفنان منفاه الداخلي، متمردًا على تمزق وحدة تراب الوطن ، فشقوقه لن ترْتَتَقَ، إلا بوحدة روح منزوعة المصالح .
الغربة معضلة حين يمسك بك الاستلاب وأصابع الإغتراب، فنتمزق كثوبٍ بالٍ أدمن على رتق أنفاسه الأخيرة .

تحدث عن تجربته في الدانمارك، قائلًا :
حصلت على الإقامة في الدانمارك في ظروف قاسية ، إذ جرى حشرنا جميعًا في مجمعات سكنية، وكان لزامًا علينا أن نتعايش ونلتقي كل يوم في ممرات الكامب أو في قاعة الطعام بمئآت أو عشرات الناس ومن جنسيات مختلفة ... كنت ألتقي بالديموقراطيين من العراقيين فهم في نظري الأحب مجلسًا، الأثقف، الأكثر تعددًا وانفتاحًا على الفكر والفنون والثقافة ... كانت أيامنا تقضى بنوع من الجدوى، إلاّ أنني كنت أيضا أهرب من لقاءات عادية .
• كتبت شعرًا كثيرًا أيام 1991- 1992 .
• اسهمت باصدار مجلة،
• راسلت الكثير من الصحف قرأت كثيرًا ...
واختبأت كثيرًا في حجرتي حتى أني كنت أضع أذني خلف الباب قبل فتحها لمجرد حاجتي للذهاب إلى حجرة الاستحمام .. كنت محطم الأعصاب لا أطيق اللقاءات السطحية .
الخطأ الكبير الذي تعرضت له هو أنني لم استطع دراسة اللغة الدانماركية أيام انتظاري لصدور إقامتي، وذلك لتحاشي الاختلاط بالناس المتعبين . بدأت في النصف الثاني من عام 1993 وعمري آنذاك خمسة وأربعون عامًا وقد استطعت حتى الآن إنجاز مايعادل تسعة أعوام من التلمذة، وبقي أن أواصل ستة أشهر أخرى حتى استطيع الدخول إلى الجامعة لو رغبت .
اللغة بحد ذاتها صعبة للغاية لايمكن مقارنتها بالروسية أو الفرنسية أو الإنجليزية، وإذا كانت الأخيرة أسرع نطقًا من سواها. فإن الدانماركية تنطق لكي تكتم وتوضح لكي تدغم وتقاء لكي تبلع ! أو كما وصفها أحد الأطباء الدانماركيين الذين أراجعهم بأن طريقة لفظها مثل شخص يتكلم وهو يضع في فمه قطعة بطاطا ساخنة !.
لم اذهب إلى قاعة الدرس يومًا من دون أن أعود معانيًا من الحموضة القاسية في معدتي؛ إذ كيف لي أن أجلس مع تلاميذ أفهم لغتهم عندما أقرأها ولا استطيع ذلك عندما أسمعها إلا لماما ... حبست نفسي لأيام وأشهر وسنوات ، وفي حجرتي كيما أستمع إلى الكاسيتات الخاصة باللغة وأقرأ الكتاب المرافق للكاسيت، مع المواظبة الجادة في القراءة والكتابة والتحضير والذهاب إلى الدرس وأنا غير مؤهل صحيًا للانضباط والالتزام بوقت الدراسة وظروفها، ومع أني أقر بضرورة تعلم لغة البلد المضيف ، إلاّ أني من جهة أخرى أرى أن سياسة البلدية المحلية قاسية نوعًا ما في فرض أن يتعلم أي إنسان ما حتى وأن بلغ ( الخمسين عامًا ) أي شئ خصوصًا أؤلئك القادمون من ظروف الحرب أو الديكتاتورية الجهنمية ، وأعني بذلك عامدًا ومتقصدًا في أن أرفع خطابي إلى محامي يدافع عني وعن أضرابي في أننا هؤلاء الصنف من الناس مسكونون بالوجد مثخنون بالكوابيس فكم من ليلة كنت قد تسهّدت حتى الصباح ... !كم من ذكرى قاسية قضّت مضجعي ... !كم من مناديل تحت الوسادات ...! كم من محاولة على القراءة لم تسفر إلا عن الشرود وعدم التركيز وبالتالي عدم الفهم وإعادة القراءة لعدة مرات حتى تنجز مهمة الولادة العسيرة . وقد قالها الشاعرالعبقري ابن ملاّ خريبط الخرْطَوي: " إذا كان الدماغ دماغ سز ٍ ... فلا سعيٌ يفيد ولا اجتهاد ُ " .
كم من قصيدة طرأت ليلًا لتسجل همي الصغير المتواضع لو قورن بالهموم بل مسؤوليتي إزاء وطني وناسي في أن تكون القصيدة ثمرة الأرض التي أقدس والتي هي أعز بآلاف المرات مني ومن أي شأن آخر . الشعر أثمن من العمر قاطبة وأنا مبتلى به منذ طفولتي بل منذ فقداني المبكر واغترابي بل تغربي عن البيت الأول بيت أمي التي غادرتنا إلى غير رجعة وجحيم الأب المهيمن الذي سحق هاماتنا وأرواحنا إلى غير رجعة أيضًا ...


انتظروا قادمنا مع شاعر المهجر والمثقف العضوي خلدون جاويد من – الوعي الكتابي وفتنته
_____________
*1 ارْتَتَقَ : الْتَأَمَ .