راقصات مصر في قلب السياسة

رياض حسن محرم
2019 / 9 / 8

هناك رأى لفيلسوف فرنسى يقول "إن الهواء الذى نتنفسه سياسة"، وهكذا فالطعام والشراب والهواء واللهو والثقافة والإقتصاد وجميع الأشياء حولنا هي أجزاء من السياسة، والفن هو مرآة السياسة، والفنانين "وخاصة الجنس الناعم منهم" يعتبرون مركز اهتمام الجميع، أخبارهن وعلاقاتهن ومغامراتهن، لذا فهن دائما في قلب اهتمام دوائر البحث والرصد والسياسة، الذين يدركون امكانياتهن الغير محدودة في استقطاب الآخرين أو الإيقاع بهم، ويأتي في مقدمة هؤلاء الراقصات، بصفتهن يملكن من وسائل الإغراء مالا تمتلكه الكثيرات، فكما نعرف فالتى تمتهن الرقص من الضرورى أن تكون جميلة، وذات قوام جاذب وقدرة على الإثارة، وهو ما كان له دور في دخولهن عالم السياسة والجاسوسية منذ سالومى وكليوباترا وحتى أصغر راقصة في الأفراح البلدية.
في طفولتى قرأت كتيبا للصاغ " أنورالسادات" اسمه على ما أذكر ( من سجن الهايكستب الى عوامة في النيل"، تحدث فيه السادات عن مرحلة من حياته أثناء أن كان مفصولا من الجيش وهروبه، وقصة علاقته بالمخابرات الألمانية النازية ولقاؤه مع ضباط ألمان في عوامة الراقصة "حكمت فهمى" في النيل، وذكر في ذلك الكتيّب أسماء كثيرة منها الراقصة "تحية كاريوكا" في العوامة، وكان دوره الرئيسى هو التقاط الإشارات اللاسلكية بصفته كان يعمل ضابط إشارة، وينتهى الكتيب بقصة هروب عزيز المصرى الى قيادة الجيش الألماني في العلمين وسقوط الطائرة في الصحراء، وبعد ابلاغ البدو عن تلك الطائرة وقدوم مجموعة من الضباط لمعاينها ان وجدوا بها حقيبة كبيرة مكتوب عليها حرفان يرمزان لصاحبها وهما (ع.م)، ما جعل الضباط يعتقدون ان من كان بالطائرة هو على ماهر.. الى آخر القصة.
كان ذلك يداعب مخيلة طفل مثلى، ذلك العالم السرى المختلط بالراقصات والجاسوسية وكؤوس الخمر ودخان المخدرات، بعدها قرأت كثيرا عن علاقة التنظيمات السرية بالفنانيين، وخاصة بعد قراءة رواية "البيضاء" للأديب المبدع "يوسف إدريس" التي أوغل فيها كثيرا لعالم الفتيات الأجنبيات في الحركة الشيوعية، وقرأت عما أشيع عن احدى المنظمات الصغيرة والشديدة التطرف يسارا داخل الحركة، بزعم أنها رفعت شعار " رغّب بالجنس وإقنع بالنظرية"، وفى تقديرى إن هي الاّ تشنيعة أطلقها بعض الخصوم السياسيون.
ربما كانت حركة " حدتو" هي الأوسع إنتشار في تاريخ الحركة الشيوعية المصرية، التي يذكر أن مؤسسها "هنرى كورييل" كوّن في هيكلها التنظيمى مكتبا مستقلا للفنانين يدار مركزيا، ضم بين جنباته صفوة من الفنانين المصريين منهم على سبيل المثال الفنانين " صلاح أبو سيف – نعمان عاشور – الفريد فرج – وغيرهم العشرات" ويذكر البعض من تلك الأسماء الراقصة "تحية كاريوكا"، وان كان تم المبالغة كثيرا في دورها، فلم يكن لها أدوار يسارية واضحة، وأذكر لها عددا من المسرحيات التي تهاجم اليسار ببذاءة وفجور بالإشتراك مع أحد أزواجها " فايز حلاوة" منها مسرحيات يحيا الوفد- روبابيكيا- البغل في الأبريق- وغيرها، أما عن مكتب الفنانين في منظمة حدتو فقد ساهم في دفع الحركة الفنية خطوات متقدمة الى الأمام.
من الراقصات اللائى لعبن دورا مؤثرا في العمل السياسى "بديعة مصابنى" التي ولدت في لبنان عام 1889، ونزحت إلى القاهرة عام 1919، بدأت شهرتها في كازينو بديعة مصابني في ميدان إبراهيم باشا بجوار فندق الكونتنينتال الذي كان مقراً للقيادة البريطانية، أثناء الحرب العالمية الثانية عام 1939، وكان لها علاقة بكل رجال السياسة في ذلك الوقت، لأن ملهاها الليلي كان ملتقى سهرات كبار الدولة والسياسيين، وكان أيضا ملتقى لضباط الاحتلال الإنجليزى، حيث كان الفدائيون يدخلون الكازينو بمعرفة بديعة لمراقبتهم وذلك لاصطيادهم حين الخروج سكارى، وكان تعاون بديعة معروفا مع قادة المقاومة في مصر وقتها، وقيل أنها هربت أو هربّت الى لبنان على متن طائرة خاصة قبيل انكشاف أمرها.
بالنسبة للراقصة "حكمت فهمى، التي بلغت شهرتها البلدان الأوروبية خاصة العاصمة النمساوية فيينا التي كانت تتزين جدران ملاهيها بصورة كبيرة للراقصة المصرية، فقد دعاها احد قادة الحزب النازى لترقص أمام هتلر وجوبلز في برلين، الأخير"جوبلز" أعطى تعليماته لرجال المخابرات الألمانية بتجنيدها لصالحهم، خاصة أنهم كانوا يعرفون حجم وتشعب علاقاتها مع كبار الضباط الإنجليز، وذلك في اطار ملف سري للغاية يحمل عنوان "عملية كوندور" هدفها زرع جاسوس ألماني في قلب القاهرة لمساعدة القائد الألماني روميل، وإمداده بالمعلومات عن الاستعدادات العسكرية البريطانية في معركته الحاسمة ضد جيوش الحلفاء في شمال إفريقيا، واختارت المخابرات الألمانية لهذه العملية شخصاً ألمانيًا عاش في مصر يدعى حسين جعفر أو "إبلر"، الذي استطاع تجنيد الراقصة" حكمت فهمى" لتلعب دورا خطيرا لصلح المخابرات الألمانية، وبعد انكشاف دورها تم القبض عليها ومحاكمتها وسجنت عامين ونصف العام بسجن القناطر.والراقصة "ايفيت" كانت جاسوسة لصالح الوكالة اليهودية وهى التي أبلغت السلطات الإنجليزية عن خلية "ابلر- حكمت فهمى- السادات".
أيضا الراقصة "كيتى" التي اشتهرت بأدوارها مع إسماعيل يس في عدد من أفلامه، قيل أنها أقامت علاقة مع "رفعت الجمال" الذى اشتهر دراميا باسم " رأفت الهجان" وأنه كتب عنها في مذكراته باسم "بيتى" وكانت عميلة أيضا للوكالة اليهودية وجاء اختفائها فجائيا بعد طلبها للتحقيق أمام المخابرات المصرية،ولا يعرف أين ذهبت أو كيف اختفت.
الراقصة والممثلة اليهودية الأكثر شهرة هي "ليليان كوهين" من أصول إيطالية التي اشتهرت باسم "كاميليا" وكانت فائقة الجمال، شديدة الإغراء سرعان ما وقعت في شباك الملك "فاروق" أو أوقعته في شباكها، وكانت شديدة التعصب للصهيونية، وقيل أن فاروق قد أخفاها بقصر المنتزه بالأسكندرية حين صدر قرار بالقبض عليها سنة 1948، ويذكر أن رئيس فرع الوكاله اليهوديه فى مصر تمكن من الاتصال بها عن طريق مدرب الرقص اليهودى -- ايزاك داكسون -- واستطاع فهم طبيعة كاميليا وعشقها للفن ورغبتها فى التألق السينمائى وكانت هذه بداية الخيط
لايقاع كاميليا فى شبكة الجاسوسيه وقد اعتمدت خطة الوكاله ادخالها القصر الملكى لمعرفة اخبار الملك والعرش وتحقق لها ما ارادت واصبحت كاميليا عشيقه للملك فاروق وكان طريقها مفتوحا الى حجرة نومه، وكانت نهايتها مأساوية عندما ماتت محترقة اثر سقوط الطائرة التي كانت تستقلها.. السلام عليكم.