صفقة القرن ، - الحرية - مقابل المال !

عبدالله صالح
2019 / 8 / 28

القضية الفلسطينية كانت ولاتزال من أحدى أهم القضايا الساخنة والشائكة على الساحة السياسية في منطقة الشرق الأوسط خصوصا والعالم بشكل عام . فمنذ الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين عام 1948 وتشريد الملايين من الفلسطينيين وإقامة الدولة الإسرائيلية وما تلتها من حروب دموية، منذ ذلك الحين والعالم منشغل بإيجاد صيغة سلمية لحل هذه المعضلة .
اتفاقيات أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية عام 1993 وتوقيع معاهدات الصلح بين كل من مصر والأردن من جهة والحكومة الإسرائيلية من جهة أخرى ثم إقامة " السلطة الوطنية الفلسطينية "على أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة وظهور تيارات الإسلام السياسي فيها كحماس والجهاد الإسلامي وانتفاضة الحجارة وانسحاب إسرائيل من قطاع غزة ثم فرض الحصار عليه من قبل إسرائيل، كانت من ابرز المحطات التي رافقت تطور وسير هذه القضية.
كل الجهود التي بذلت لحد الآن في تطبيق قرار مجلس الامن المرقم 242 الصادر في نوفمبر عام 1967 وما اعقبها من قرارات أخرى وجميعها تدعوا الى احترام سيادة الدول والانسحاب من الأراضي المحتلة وعودة اللاجئين، باءت بالفشل لحد الآن، ومجمل هذه الاتفاقيات أُفرِغَتْ من محتواها خاصة من قبل الجانب الإسرائيلي.
مجيء دونالد ترامب الى رئاسة أمريكا حرك هذه القضية باتجاه يختلف عن جميع المسارات التي سبقتها، فقد اكد صراحة بأن أمريكا لن تتخلى عن إسرائيل وستزيد من دعمها لها ماديا ولوجستيا. هذا الدعم لسياسات الحكومة الإسرائيلية هو باتجاه ترسيخ المزيد من سياساتها الرجعية في المنطقة من جهة والعبث بحياة الفلسطينيين، تارة بقتلهم بشتى الذرائع الواهية وتارة بتهديم منازلهم وتارة أخرى ببناء المستوطنات في أراضي الضفة الغربية من جهة أخرى . هذه السياسة رافقتها قطع مساهمات أمريكا المادية عن منظمة الاونروا ( وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين ) ثم اعتراف ترامب بالقدس كعاصمة لدولة إسرائيل والقيام بنقل سفارة بلاده اليها والاعتراف بهضبة الجولان المحتلة كجزء من أراضي دولة إسرائيل. وسط هذه الأجواء، قامت إدارة ترامب بطرح "حلٍ" للقضية بعنوان " صفقة القرن " والتي تعتبر "خطة سلام" تقوم على أساس إجبار الفلسطينيين لتقديم تنازلات لمصلحة إسرائيل، بما فيها وضع مدينة القدس الشرقية المحتلة، وحق عودة اللاجئين. يتولى مسؤولية إتمام هذه الصفقة صهرترامب ، برنارد كوشنر.
تتضمن مفردات هذه الصفقة دمج إسرائيل بالمنطقة وجعلها شريكا في مواجهة الاخطار التي تهددها والمقصود منها الخطر الإيراني بالدرجة الأولى، ثم التطبيع العلني الكامل مع إسرائيل، هذا الشرط يتم تنفيذه قبل اية عملية للسلام، الدولة الفلسطينية ، في هذه الصفقة ،أما أن تكون كونفدرالية مع الأردن أو دولة مصغرة في قطاع غزة ، الحل الاقتصادي، وفقا للصفقة ، يجب أن يسبق الحل السياسي وذلك بتوفير مليارات الدولارات من خزائن الدول العربية لانعاش الاقتصاد الفلسطيني شريطة أن تكون تحت اشراف سلطة الاحتلال الإسرائيلي ثم انهاء ملف اللاجئين.
الرؤية الامريكية لمجمل القضايا على صعيد العالم تتميز بالتركيز على الجانب الاقتصادي بالدرجة الأساس ، ألا ان هذا الجانب هو بدوره جزء من منظومة متكاملة سياسية ، اقتصادية واستراتيجية.
هذه القضية العادلة والمتمثلة بمصير الملايين من البشر ممن حُرموا من التعريف" الوطني " وفقا لسياقات النظم البرجوازية، أي ان الفرد يجب أن يُعرّف على أساس انتماءه "الوطني ". هؤلاء الفلسطينيون أصبحوا لاجئين في دول عربية أخرى وفاقدين لاية هوية تمنحهم حق الإقامة والسفر ومجمل الحقوق الفردية وأبسط حقوق المواطنة وينظر اليهم في تلك البلدان والتي تسمى بـ"العربية " نظرة دونية كـمواطنين من الدرجة الثانية، ناهيك عن أماكن تجمعهم في المخيمات التي تفتقر الى ابسط أنواع الخدمات بالإضافة الى تحولها ، ومنذ أن احتلت إسرائيل أراضيهم، مسرحا لعمليات عسكرية أما من قبل إسرائيل وحلفاءها المحليين الذين ارتكبوا مجازر مخيمي صبرا وشاتيلا في لبنان عام 1982وأما نتيجة الصراع بين الفصائل الفلسطينية نفسها كما حصل في مخيم عين الحلوة 2017.
ان من يدعون انفسهم أصحاب هذه القضية وفي مقدمتهم منظمة التحرير الفلسطينية لم تتمكن لحد الآن من الدفع بهذه القضية نحو الحل، منظمة يستشري فيها الفساد المالي والإداري في ظل تزايد الصراعات بين أطرافها، كما وتُستغل من قبل الحكام في الدول العربية من جهة والإمبريالية العالمية من جهة أخرى ، سياساتها تَسير وفقا لمصالح تلك الدول بحيث أصبحت القضية الفلسطينية شماعة لتمرير سياسات لا تمت الى أصل القضية بصلة وذلك تحت غطاء " القومية " تارة و " الإسلامية " تارة أخرى .
أما الحكومة الإسرائيلية وبالأخص اليمين الإسرائيلي، لم يخفِ نواياه في تصفية هذه القضية وإخضاع الطرف الآخر للأمر الواقع. صفقة القرن الامريكية باختصار خارطة طريق لتمرير هذه السياسة وانهاء هذه القضية وفقا لمصالحها وذلك في أجواء جيوسياسية تمر بها المنطقة بحيث أصبحت مجمل الأنظمة العربية أما مؤيدة لتلك الصفقة أوتقف موقفا خجولا ازاءها أو تلتزم جانب الصمت.
ان حل هذه القضية، في الظرف الراهن، وفقا لقيام دولتين منفصلتين ، دولة إسرائيل ودولة فلسطين يعتبر حلا ممكنا ومؤقتا ، أما الحل النهائي فسوف لن يكون الا على يد أصحاب القضية الحقيقين أي الطبقة العاملة والكادحين في كلتا الجهتين . إن غياب دور هذه الطبقة هو الذي افسح المجال للبرجوازية في كلا الطرفين للتلاعب بمصير الملايين من البشر. الطبقة العاملة هي التي من مصلحتها ومن واجبها كنس الأوهام القومية والدينية وقيام دولة تديرها هي بحيث تكون هذه البقعة من الأرض موطنا للجميع على حد سواء واحلال وإرساء الثوابت الإنسانية فيها . لذا فان الطبقة العاملة الإسرائيلية والفلسطينية مدعوة اليوم الى توحيد الصف والنضال من اجل تحقيق مجتمع اشتراكي ينعم فيه الجميع بالعيش والحرية والمساواة ، مجتمع لا مصلحة فيه لاحد في اضطهاد احد أو طرده من دياره.