الفن والثقافة وجها الحضارة الناصع!

طه رشيد
2019 / 8 / 20

شكل العراق حاضنة للحضارات في تاريخه القديم والحديث، وبدأ تراجعه الفعلي حين عقدت الحكومات السابقة ( وبالأخص دولة البعث ) العزم على أن تلوي عنق تلك المهرجانات الثقافية والفنية، وتحولها من رسالتها الإنسانية إلى التطبيل والتزمير لفكرها الايديولجي المنغلق ولتبييض وجهها الموشح بالكراهية والحقد والإقصاء! فأصبحت تلك المهرجانات منبرا للتسبيح باسم " القائد الضرورة "، وبفكرة " جئنا لنبقى" التي تشبه إلى حد كبير نظرية " ما ننطيها!"، وفي النتيجة لم يصمد لا القائد الضرورة ولا حزبه أمام الإعصار الذي اكتسح كل مفاصل الحياة!
واستبشرنا خيرا ب " التغيير "، وإذا بنا نصبح ضحية جديدة لنظام " المحاصصة" الفاسد، ولم ينفع صندوق الانتخابات بانقاذنا من براثن الجهل والتخلف الذي اعتمدته تلك الحكومات من أجل تحويل شرائح المجتمع المختلفة الى" قطيع" يتحرك بإشارة منها، مرة ذات اليمين، ومرة وذات الشمال. وتم تهميش الثقافة بشكل فعلي فتناوب الفاسدون على تولي شؤونها ( باستثناء فترة مفيد الجزائري القصيرة!)، وليس ادل على هذا من " مشروع بغداد عاصمة الثقافة العربية والإسلامية ٢٠١٣" الذي ازكمت رائحة الفساد أنوف الجميع!
ورويدا رويدا تم تقليص ميزانية وزارة الثقافة للحدود الدنيا، ووصلت الميزانية التشغيلية لدائرة السينما والمسرح إلى الصفر منذ سنوات! علما انها دائرة إنتاجية وليست خدمية، واختفت المهرجانات المسرحية والسينمائية والموسيقية الدولية التي تشكل مرآة حقيقية لعكس وجه الوطن الحضاري. وتم اغلاق تلفزيون الحضارة التابع للوزارة وتنسيب العاملين فيه على بقية الدوائر مقابل هذا اتخمت الوزارة بإعداد جديدة من الموظفين فتم تعيين أكثر من خمسمائة موظف جديد، في الفترة السابقة، بمؤهلات " يقرأ ويكتب"!! وأصبح الفساد سيد الموقف. ولم تكن اللجان التحقيقية التي أحيل لها عدد كبير من الملفات إلا دليلا قاطعا على ما نقول، ولكن المتهم الاساسي دائما هم الموظفون الصغار، أما "الحيتان" الكبار فلهم مَنْ يحميهم!
اليوم يتربع على كرسي "الثقافة" رجل مثقف ومتواضع وتكنوقراط حقيقي، ويحاول جهد الإمكان أن يبث روحا جديدة في مفاصل الثقافة المتنوعة، ولكن اليد الواحدة لا تصفق! وهنا لا بد للمثقفين والفنانين من تشكيل "فصيل" ضاغط على السلطات الثلاث لإقرار ميزانية معقولة أسوة بقطاع التربية والتعليم والصحة والدفاع، فالثقافة أصبحت للعالم المتمدن حاجة وليست ترفا، إذ ليس هناك مستقبل لبلد بدون نهضة ثقافية حقيقية!