القيادة وتحديات جيل الالفية

محمد مهاجر
2019 / 8 / 14


ان الذى يميز جيل الالفية اكثر من غيره هو تعدد وتنوع اهتماماته ومقدرته الفائقة على الحصول على المعلومة الصحيحة إضافة الى سهولة التواصل. لذلك فان من المنتظر ان ينظر الناس بعين النقد الى أدوار القادة في القرن الماضى والتي ستضمحل أهمية بعضها, كمثال لذلك القائد المعلم والمدرب. لقد درج بعض القادة في الماضى على احتكار المبادرات و ادمان التوجيه المستمر وتنفيذ بعض الاعمال بأنفسهم, لكن اغلب هؤلاء كانوا فاشلين. وخير مثال لذلك ديكتاتور العراق السابق صدام حسين الذى كان ينفذ الاغتيالات بنفسه, ومع ذلك تخلى عنه اقرب المقربين اليه حينما تكالبت عليه المصائب

عند البحث عن صفات القائد الناجح فاننا بلا شك سنستبعد الدكتاتور والمتعالى. ان الدكتاتور هو في الحقيقة يدى العكس لكن يمارس البلطجة, فهو يمسك بيده كل السلطات, ولا يفوض الا من يطيعه طاعة عمياء. وهو يسعى الى اتهام البعض بالتقصير لكى يجعلهم يشعرون بالذنب ومن ثم ينزعون الى العمل على التكفير عن خطاياهم. والدكتاتور لا يثق في المرؤوسين لذلك يستخدم الطرق الملتوية لجمع المعلومات عن الذين يخالفونه الراى. وبالتاكيد يستخدم هذه المعلومات عند الضرورة من اجل الابتزاز والترويع.

ان القائد المتعالى ما هو الا شخص يصنع لنفسه مكانة زائفة وهيبة مصطنعة. وقد يبذل المتعالى جهدا كبير في تثقيف نفسه وتطوير قدراته. لكنه يفعل ذلك لا لكى يستفيد من علمه الاخرين, ولكن من اجل الاحتفاظ بكرسى القيادة. ولأنه يخشى من زوال المجد الزائف فانه عادة ما يبخل بالمعلومات على مرؤوسية ولا يهتم بتدريبهم وتاهيلهم ويحاول ابعاد الناجحين منهم وحرمانهم من الترقى. وهو يقترح الخطط الكثيرة ويخلط الأوراق لكى يربك الناس. وعلى الرغم من حديثه الكثير عن خطط البناء والاصلاح فانه لا يكلف نفسه عناء إعادة قراءة ما كتبه ناهيك عن الاشراف على التنفيذ او التأكد من ان الاخرين قد نفذوا أفكاره فعلا

ان القائد الحق هو من يحمل في قلبه وعقله رسالة نبيلة ويسعى الى الغايات السامية والاهداف الكبيرة. مثل هؤلاء القادة لهم رؤية واضحة حول قضايا شعوبهم ويمتلكون مزية الثبات على المبادئ والدفاع عنها بشجاعة وبسالة وصمود نادر يتحدى كل العوائق والصعاب. ونذكر منهم على سبيل المثال نلسون مانديلا ومالكولم اكس وجون قرنق. واذا تحدث احد هؤلاء فان الكل يصغى, ليس بجوارحه فقط انما بروحه وقلبه. والقائد من هذا الطراز يفوض الناس وان لم يعبر عن ذلك صراحة. هم يثقون به وهو يثق بهم. منه يتعلم الناس ويلهمون. القائد الحق هو من يهتم بالمبادئ لانه يعلم انها الأساس الذى تنبع منه كل العمليات والمهام وطرق العمل ومن ثم تظهر النتائج. واذا كانت المبادئ فاسدة فان النتائج ستكون فاسدة كذلك. ولان القائد الحق يؤمن ايمانا راسخا بالمبادئ فانه يوطن نفسه دوما على التضحية من اجل مبادءه. والتاريخ يزودنا بكم كبير من سير الابطال الذى ضحوا بارواحهم من اجل المبادئ

ان السودان في امس الحاجة الى القادة من النوع الأخير, وربما هو حسن الحظ, فقد بان للناس ان الاراذل في العهد البائد هم الذين تسنموا كراسى القيادة على حين غرة. لقد كسب الشعب السودانى نعمة الإطاحة بهم ومن ثم التوفر على فرصة كافية للتمحيص. ولا غرو فان كل من اتصف بشمائل مغايرة لهم لهو افضل منهم. وجمال الذهب لا يظهر الا في وضح النهار


ان الاحصائيات تؤكد ان ثلثى سكان السودان تقريبا هم من الفئة ما دون الاربعة والعشرين عاما, اى ان الغلبة لجيل الالفية. وهذا الجيل قد توفر على التكنولوجيا الحديثة فنال حظا وافرا من المعلومات والمعارف وحنكة في طرق البحث والتحشيد والمناصرة. هذه محمدة قد يستفيد منها القائد الناجح الذى وفر لنفسه مقاعد للعمل والتفاعل مع الشباب وصنع شهرة في شبكات التواصل الاجتماعى. وفى نفس الوقت قد يعانى من الإهمال والتجاهل القائد الجيد الذى لما ينتبه للتاثير الكبير لهذه الشبكات على الجيل الجديد. عونا على ذلك فان هنالك رؤى جديدة أصبحت تتبلور لجيل الالفية حول مفاهيم قديمة وراسخة مثل مفاهيم الحرية والفضيلة والمشاركة والتضامن. وكمثال على ذلك فان بعض القضايا قد تحصل على تضامن واسع النطاق لانها استخدمت التكنولوجيا الحديثة فروج لها بشكل فعال, وهو تضامن قد يفوق بكثير ذلك الذى تحوز عليه القضايا المثارة بواسطة الوسائط التقليدية