صناعة الأمم الحديثة واستقلالها وحريتها. الأمة العربية: لا استقلال لا حرية لا صناعة. ( وطن فى دولة أم دولة فى وطن؟).

خالد فارس
2019 / 8 / 13

1. مقاربة الثورة الأمريكية (1/3)

اتخذت الثورة الأمريكية من مشروع أمة-قومية فى دولة فتصبح الأمة هى دولة, كمقدمة وافتراض مسبق على تأسيس الامة الامريكية. من نافلة القول أنه لم يكن هناك أمة أمريكية فى الأصل, فمن أين جائت الأمة؟ الامة الامريكية وليدة الدولة الامريكية, وليس العكس. يصح القول تأسست الأمة فى دولة State Nation أو قومية فى دولة, ثم تأسست الأمة الأمريكية وأصبح للامة دولة -Nation State, لأن الدولة الأمريكية سابقة على الامة الأمريكية. أصبح الوطن الأمريكى الدولة الأمريكية, أو فى الدولة الأمريكية, الى حين.

بلغة أخرى, يمكننا ارجاع حالة الأمة أو القومية فى دولة, الى حقيقة مفادها أن الامة ليست موجودة أصلا, أو لا جوهر لها فى التاريخ, مما يضطرها الى أن تستعيض عنه فى دولة, لخلق الامة وصناعتها.
بعد التأسيس, من الممكن أن تتحول الدولة, الى دولة للقومية أو للامة Nation-State, حيث تتطلب عملية الانتقال العديد من الوسائل, منها كتابة تاريخ للأمة, أو ربما اختراع تاريخ (مثل اختراع تاريخ لشعب يهودى). ولا يعنى ذلك أنها لن تعود الى مرحلة أمة فى دولة - State-Nation, فعلى سبيل المثال, يحضرنا فى أميركا اليوم, مرحلة الرئيس دونالد ترامب, التى تعكس تأرجح البندول السياسى الأمريكى أو بندول سياسة الدولة الأمريكية, بين الحالتين.

تنشأ أمة فى دولة-State Nation, فى المناطق التى يتم احتلالها, أو أن الامة أو القومية تنشأ من واقع كولونيالى, يُستدعى تأسيس الأمة بمقتضى صناعة الدولة, وليس قبلها. وهى عملية تغيير فى أصل المكان والزمان, تغيير جوهرى فى مفهموم الانسان وتمدنه وحضارته بالعموم, أى فى سيرورة انتاج الحياة, الممتدة عبر التاريخ, أو أصله فى التاريخ. الاحتلال الصهيونى لفلسطين, على سبيل المثال, هو تكريس لمفهوم صناعة "أمة فى دولة" عبر الآليات والانماط المذكورة. تتأسس المسألة فى الجغرافيا ذات الصلة, وهى عبارة عن حدود تصنعها الظروف السياسية الكولونيالية, والتى تتسبب فى نشوء تناقضات مع القومية الأصلية, أو تنشأ على حساب أمة أو قومية أخرى. وهناك أمثلة عديدة فى العالم صنعها الاستعمار الكولونيالى, منها فى أفريقيا حيث أنشأت, أو بالاحرى اختلقت حدود, لتعريف أمم فى حدود دولة, مما أسس لصراعات حادة جدا فى القارة الأفريقية.
الامة فى دولة, كافتراض مسبق على وجود الأمم, أو لتعريف الأمم, هو ما جسدته تجربة الثورة الأمريكية. تناتج منها طبقة سياسية (مركزية دولتية) تنظر الى العالم على أنهم مجموعات سكانية, تبحث عن وسائل "لزراعتهم", أو تأسيس وجودهم ضمن أمة فى دولة. من هذا المنطلق, نجد أن "الحلول" التى وجدت أميركا ضالتها فيما يتعلق بالقضية الفلسطينة, يكمن فى تجسيد أمة يهودية فى دولة, دون أن يكون لهذه الأمة وجود أو جوهر.

من هنا يأتى اعتراف أميركا بدولة يهودية, كتجسيد لهذه الرؤية. وهذا ما تُنَظّر له أميركا بخصوص النزاعات أو الصراعات فى الوطن العربى: يقول هنرى كيسينجر "الثورة السورية: ثورة السنة على العلويين فى سوريا (الفرع الشيعى)", ويقترح كيسنجر أيضا, "منظومة فيدرالية بين العلويين والسنة.....من أجل تخفيف مخاطر الإبادة العرقية", وأن دور الولايات المتحدة هو "تطبيق نظام عسكرى كضمان للدول السنية التقليدية فى المنطقة", ويقصد بذلك الأردن, مصر, الخليج العربى. يشير كيسنجر بذلك الى أمم سنية "أردنية" "خليجية" "مصرية" فى دويلات.

من منجزات الثورة الأمريكية اعلان الاستقلال فى 4 يوليو 1776, الذى منح كولنياليو أميركا, كيان مستقل, انفصل عن الامبراطورية البريطانية, تحول هذا الكيان الى أمة دولة-State Nation, ليرعى نشأة الامة الامريكية-Nation State.

يختلف الأمر فيما يتعلق بنشوء الامة الفرنسية الحديثة, التى نشأت فى سياق مشروع فى الحرية السياسية (الانتقال الى المجتمع الحديث عبر ثورة فى منظومة: حرية اخاء مساواة), أو البريطانية فى سياق مشروع الثورة الصناعية (الانتقال الى المجتمع الحديث عبر ثورة صناعية). أما فى الحالة الأمريكية, كان لا بد من الاستقلال الوطنى وفك التبعية عن الامبراطورية البريطانية, والغاء الدور الكولونيالى و الوظيفى الريعى القائم على الاستيطان واحتلال جغرافيا الهنود الحمر و المكسيك وكولومبيا.

حتى فى الحالة الفرنسية, أو البريطانية, حدث تحول فى مشروع الثورة, بالأحرى المشروع الامبريالى الرأسمالى انتقل الى مرحلة جديدة, حيث أرادت تعميم العلاقة الرأسمالية (جنى ثرورات وتراكم رأسمالى) على "الشرق", لجأت الى العنف الاستعمارى. لن أدخل فى تفصيل المسألة هنا, لأن حالة بريطانيا وفرنسا ابان الاستعمار الكولونيالى, مزجت بين دولة فى أمة فى مستعمرات الشرق حيث تَطّلب الأمر صناعة أمم وخلق حدود على أسس كولونيالية (الوطن العربى, أفريقيا), وأمة للقومية وللوطن فى الداخل الفرنسى والبريطانى.هذا الانفصام السياسى, هو عبارة عن خلق حالة من التعايش بين نظام ديمقراطى ليبرالى فى الداخل (فى الوطن البريطانى والفرنسى) ونظام كولونيالى أستعمارى فى الخارج (خلق أمم على أساس تقسميات فى الحدود).

حمل اعلان الاستقلال الامريكى جملة متناقضات, منها, تحويل الكولونيالى الى مُواطِن له حقوق, شرعيته فى وطنية الدولة الليبرالية, ثانياً: هؤلاء الأميركان هم فى الأصل "انجليز", أى أنهم جزء من الأمة البريطانية التى تأسست قبل أميركا, لذلك فان اعلان الاستقلال هو أيضا أنفصال هؤلاء الانجليز عن هويتهم القومية (عن انجليزيتهم), ثم تَبَنّى هوية قومية جديدة لم تُولَد بعد, أو لم تنضج, ثالثاً: نجاح اعلان الاستقلال مرهون بتأسيس دولة ترعى ولادة شرعية للامة أو انضاج الامة الامريكية الحديثة, تتشكل على أساس أمة فى دولة, التى أصبحت أقوى دولة فى العالم, على أساس أنها مازالت أمة فى دولة.

اتخذت مهمة بناء الامة الامريكية مساراً يستند على عدة نقاط, منها الغاء أو تخفيف الأصول البريطانية القديمة "للبريطانيون الجدد" الذين يريدون التحول الى اميركان, وتحويل الهوية الامريكية الى هوية كوزموبوليتين (كونية) حيث أصبحت هوية لأى شخص يريد الانضمام اليها ولا تنحصر فى دين أو عرق أو أصول إثنية, مما نزع مسألة الأصل البريطانى عن هوية أمريكية تحت التكوين فى ذلك الوقت, بلغة أخرى تحويل الامة الامريكية من أصول بريطانية الى اصول كونية.
المجلدات العشر للمؤرخ الأمريكى Bancroft’s , التى تم نشرها فى الفترة من 1834 الى 1874, تطرقت وبشكل جدى الى مسألة تعدد "الاصول والمنابت", للهوية الامريكية, الغاية منها فك ارتباط الاميركى بالهوية البريطانية. يقول "أصل لغتنا التى نتحدث فيها تعود الى الهند, الدين الذى نعتقد به من فلسطين, التراتيل والتلاوات والأدعية فى كنائسنا سمعنا عنها فى المرة الأولى فى ايطاليا, وبعضها فى الصحراء العربية, وبعضها على ضفاف الفرات, الفنون من اليونان, والنظام القضائى من روما".
الغاية المرجوة من مجلدات المؤرخ Bancroft’s, يكمن فى الضرورة التاريخية لتأسيس الأمم التى تتطلب كتابة تاريخها. لجأ الى مسألة "تعدد الأصول" بمعنى أن جوهر الأمة, موجود أصلاً فى التاريخ فى تنوعه, وليس فى كونه احادياً, أراد اختراع تاريخ أمة, فلجأ الى فلسفة تعدد الاصول.

تعرض مفهوم الامة الامريكية الى استقطابات فى الوطنية. فى الجنوب الأمريكى, تمسك الساسة فى مسألة العبودية, وطالبوا بوطنية لا ليبرالية (عرقية اثنية, دينية فى أحيان), وضرورة تأسيس الامة الامريكية وحكومتها على أساس "وطنى عرقى اثنى", نقيض الليبرالية التى سادت فى القرن التاسع عشر. فى الشمال, طالب الساسة بالمجتمع الحديث والغاء العبودية, وتم تبنى الليبرالية الوطنية, أو الوطنية على أساس ليبرالى, أو كما يقال أحياناً الوطنية المدنية.

2. مقاربة الامة والحداثة (2/3).....يتبع
3. مقاربة الامة العربية (3/3).....يتبع