- فلسفة الاستطيقا وبنية النص - المَلَكة الإبداعية والخيال الخلاق في أنسنة الجمال - مع المزارع الثوري والأديب المترجم صباح الجاسم الحلقة السابعة من حوارنا معه في -بؤرة ضوء-

فاطمة الفلاحي
2019 / 8 / 1

• متى نفرت من سماع قصيدة تغير الأفق فيها لايوافق مع ما يوحي به النص من إمكانية توظيف اللغـــة والبلاغــة ؟ ومتى كان عندك اندماج الأفق في أعلى شهقاته حين لمست تجاوبك بين تاريخية النص وإحالته إلى الحالة الراهنة. وفــك شفراته وتحسُّس مواطن القوة فيه ؟
- حين يخون الشاعر ذائقته الشعرية بسبب من ضغوط السياسة القمعية لبلده ، تغدو نصوصه غير معبرة عن حقيقة ما يقوله من شعر كما حصل مع الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد في إحدى مجاميعه الشعرية " البائسة" والتي صدرت في مديح القائد الضرورة . وعلى غراره الفنان الرسام أيضًا – كما حصل مع الفنان العراقي فائق حسن في رسم لوحة شخصية لميشيل عفلق .. حيث كشفت الأحداث ما بعد احتلال بغداد وسرقة أغلب لوحات الرواد من الفنانين العراقيين إبقاء اللصوص على اللوحة اليتيمة للقائد المؤسس دون أي اعتبار.


• ماهي الشروط الواجبة في النص القصصي المثالي ( من اختيارك) ليجعل منه متسقًا ويقوم على خاصية التضمين والإنتماء وترتيب الأحداث؟
- ما يميز القصة هو الإيجاز وما تتركه من انطباع الدهشة ، إذ يمكن لشخصية واحدة أن تحتل مساحة القص والأحداث الهامة فيها. غالبًا ما تكون نهايتها صادمة مفاجئة وذات رؤية جمالية تفيد في العصف الذهني ومثل ما تعبّر عن موقف حياتي وحسٍّ من دفقات مشاعرية قوية.من روادها في الغرب الحديث إدغار ألن بو وفي العالم العربي برز كل من يوسف أدريس في مصر ومحـمد بوزفور في المغرب وزكريا تامر في سوريا ومحـمد خضير عراقيًا بصريًا وحنون مجيد بغداديًا وغيرهم كُثر.
تبقى لغة القصة المكثفة ودون تكرار لمفردة ما وقوة المفارقة الفنية شريطة بقاء ثيمة القصة في المقام الأول هو ما معوّل عليه في صياغة القصة إذ ينجح القاص متى ما جعل من قصته وامضة بثيمتها مشعّة بأسلوبها ودالة في فلسفتها.

يقول لوسيان غولدمان: "أن العلاقة الجوهرية بين الحياة الاجتماعية والإبداع الأدبي لا تتعلق بمضمون هذين «القطاعين من الواقع الإنساني، بل تتعلق فقط بالبنيات الذهنية...، وليست هذه البنيات الذهنية ظواهر فردية، بل ظواهر اجتماعية، وهي لا تتعلق بالمستوى المفهومي أو بالمضمون.)

• متى تكون بنية النص شاملة، فنية واجتماعية، تتهيكل ضمنها البنية الدالة فيتحقق فيها التعامل بين داخل النص وخارجه؟
- لا بد من إضاءة النص الأدبي عبر تتبّع العوامل التاريخية والاجتماعية والسياسية والاجتماعية وحتى النفسية. فالبنية الدالة لا تبقى ساكنة على أن التسلح بها ضروري بغية تحليل النص الأدبي تحليلًا اجتماعيًا وذلك عبر الفهم القائم على التفسير ورؤية العالم. من الواضح هنا أن رؤية الطبقة البرجوازية للعالم تختلف عنها بالنسبة لطبقة البرولتاريا. حيث أن العلاقة قائمة بالأساس على المبدأ الديالكتيكي أما على المستوى الواقعي فيتحدد التوجه عبر الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والفكرية والدينية. فالوعي المستقبلي ضروري جدًا انسجامًا مع رؤية العالم فلسفيا وايديولوجيا. مما يعني تركيزنا على البنية الدالة في البطل القَلِق الذي يحاول جهد الإمكان أن يؤسس لواقع يمكن التصالح معه. وإذن من هنا لا يكون البطل هو ذلك المنتصر كلاسيكيًا خاتمة كل هذا الحراك، إنما هو الإنسان الباحث عن المعنى، النافخ في الرماد ، القلق بغاية الوصول إلى تخوم الحقيقة في الأقل الممكن.
النصوص اليوم غالبًا ما تعبّر عن قلق البحث عن الحرية والتنديد بكل أشكال الظلم الاستعماري وقبلها ظلم التجهيل والجهل المعبّر عنه بالصراعات الطائفية منها والدينية والتي عززتها حرب المحتل. نحن اليوم عبارة عن منتجين للقصة والرواية والشعر بحدود الهاجس الوطني بحثًا عن الاستقلال وإعادة تأهيل الوطن المستباح من جديد. وعليه فالمعاناة قائمة يشهد عليها الواقع المعاش وسط تصارع الدول الباحثة عن مصالحها قبل أي شيء بعيدًا عن أي اعتبار آخر.

هيرت، هو واحد من أكبر جهابذة الفن قال: " مايطابق هدفًا محددًا، الهدف الذي توخته الطبيعة أو الفن عند خلق الموضوع الذي ينبغي أن يكون كاملًا في نوعه"
• دعنا نمتشق فلسفة الاستطيقا، ولأكون أكثر دقة سأبحث معك عن الجمال الفني دون الجمال الطبيعي وأرجو أن لا تعتبره قرارًا عسفيًا..معي الجمال الفني هو نتاج روحي، فكم مرة تلاقى عندك سلطان الجمال الفني ،الروحي وجمال الطبيعة وبرفقتك كومة ألوان..؟
- الجمال الفني يترافق والإنسان الطبيعي منذ بداية نشأته الأولى وتلقي معارفه وانطباعاته الذاتية. سلطان الجمال غالبًا ما يظهر في الرابط ما بين عينه وما يثير انتباهه في الطبيعة. وهذا ما حصل معي حقًا فيما اتطلع إلى النجوم وسؤال يثار في ذاكرة مراهقتي : لو انطلقت إلى الفضاء .. إلى أين انتهي ؟ وهل هناك حقًا جدار فاصل ، وإن حصل فما الذي وراء ذلك الجدار ؟ ولو تواصلت في انطلاقتي ما الذي سأصل إليه من بعد كل هذا ؟ كنت إحمقًا في بحثي عن جواب شافٍ لقلق السؤال. الطبيعة تنعم بجمالها والمرء يتعذّب بهاجس المعرفة ابتغاء الوصول إلى قناعة شافية ومستقر آمن للسلام الروحي. لذا تهادنت مع الطبيعة ومنذ يومي ذاك مضيت أرسمها وبالألوان. من بين المحاولات وأنا مقاتل في جبهات القتال فرسمت في ذاكرتي لوحةً لجنود يلعبون كرة الطائرة ، وكان القمر البدر هو البديل للكرة أما الرائي فهو أنا عبر فتحة مجموعة الفرضة والشعيرة من على مقدمة سبطانة البندقية الكلاشنكوف. أما المكان والزمن والموقع فهو منطقة الفكّة الإيرانية إثناء حرب الدفاع ضد إيران في الحرب الإيرانية – العراقية ، ولغاية اليوم لا تغيب عن مخيلتي تلك اللوحة.

انتظروا قادمنا "المَلَكة الإبداعية والخيال الخلاق في أنسنة الجمال " الحلقة الثامنة من حوارنا مع الأديب المترجم صباح الجاسم في "بؤرة ضوء"