وثائق مؤتمرات الجبهة بوصلة للرفاق للمرحلة الراهنة والمستقبل

غازي الصوراني
2019 / 7 / 15


ردم الفجوة بين وثائق الجبهة وواقعها :
منذ أن أطلقت بيانها السياسي الأول في 11/12/1967 ، الموجه للشعب الفلسطيني والأمة العربية، والداعي لممارسة النضال الوطني التحرري والاستمرار فيه حتى الانتصار بالرغم من كل الصعاب ، تميزت الجبهة الشعبية بمصداقيتها وصلابة موقفها ووضوحه في كل المنعطفات السياسية، عبر الدور المميز الذي لعبته وما تزال، في مسيرة النضال الوطني الفلسطيني سياسياً وعسكريا وجماهيريا، ليس فقط من كون الجبهة الشعبية قدمت أكثر من ثلاثة آلاف شهيد منذ انطلاقتها حتى الآن وعشرات الآلاف من المعتقلين والجرحى على مذبح قضية شعبنا الوطنية، بل أيضا ، لأن الجبهة كانت – ومازالت- قادرة على استكشاف المستقبل وإعطاء التحليل العلمي والدقيق للأحداث والتطورات التي تشهدها ساحات العمل الوطني والقومي والأممي بصورة جدلية ومترابطة.
إن الجبهة الشعبية، بالرغم من كل ما رافق هذه المسيرة المليئة بالانجازات والالتواءات والانكسارات، والمطبات السياسية وغير السياسية، استطاعت الحفاظ على دورها ، وعلى أدائها ، انطلاقاً من إيمانها العميق بمبادئها ورؤيتها ودورها ليس في مجابهة الاستحقاقات الراهنة في كل لحظة بما في ذلك الوضع المأزوم الراهن فحسب بل في الإسهام الثوري في صنع وبلورة معالم المستقبل الذي تتحقق فيه أهداف وأماني شعبنا وامتنا العربية في التحرر والديمقراطية والعدالة الاجتماعية بآفاقها الاشتراكية.
وفي الوقت الراهن، فان الوضع الفلسطيني بات يقض مضاجع الجميع، وباتت الجبهة الشعبية أمام أسئلة مستجدة، تدعوها لإزاحة وتجاوز مشكلاتها الخاصة ، وهي قادرة للنهوض بدورها الطليعي في جبهة اليسار والتيار الديمقراطي النقيض لقوى اليمين في حركتي فتح وحماس .
ولعل المهمة الملحة التي يتوجب أن يتصدى لها عموم أعضاء الجبهة في هذه المرحلة ، هي مهمة ردم الفجوة بين القضايا السياسية والفكرية والتنظيمية كما أقرتها وثائق المؤتمرات الوطنية من ناحية ، وبين الواقع السياسي والفكري والتنظيمي من ناحية ثانية ، ففي ظل موازين القوى الدولية والعربية المختلة لصالح التحالف الإمبريالي الصهيوني وموقفه النقيض للحد الأدنى من ثوابت وأهداف شعبنا الوطنية ، بات واضحاً ، أن التصوّر الصهيوني يتمسك بلاءات خمسة هي: لا انسحاب من القدس، لا انسحاب من وادي الأردن، لا إزالة للمستوطنات، لا عودة للاجئين، ولا للدولة الفلسطينية المستقلة، الأمر الذي يفرض على الجبهة الشعبية أعباء ومسئوليات كبرى ارتباطاً بدورها في المرحلة الراهنة عموماً ودورها المستقبلي الطليعي على وجه الخصوص، وهذا يتطلب إسهام الجميع في مناقشة القضايا المطروحة بكل مسئولية ووعي – من اجل بلورة الأسس الفكرية والسياسية والتنظيمية التي تكفل نهوض الجبهة ، بما يمكنها من تحديد رؤيتها ومهامها ووحدتها الداخلية للمرحلة القادمة بدقة .
ذلك إن صحة الوظائف السياسية والتنظيمية والفكرية والاجتماعية والجماهيرية للجبهة تتحدد في ضوء مدى تأسيس تلك الوظائف على رؤية صائبة ، وأن تصاغ بدورها انطلاقا من قراءة واعية وموضوعية لكافة المتغيرات السياسية والمجتمعية والفكرية ، سواء على الصعيد الفلسطيني أو العربي أو الدولي ، وهنا بالضبط يتجسد المعنى الحقيقي للأعباء والمسئولية الملقاة على عاتق كل عضو من أعضائها، وصولاً إلى النتائج المأمولة التي ستمكنهم من تحقيق عملية النهوض بالجبهة صوب دورها الطليعي المنشود، الأمر الذي يستوجب الوقوف والتأمل والنقاش العقلاني الهادئ أمام الكلمات والمصطلحات والمفاهيم المطروحة في وثائقها –تاريخياً وراهناً- ، بما يضمن الوصول إلى بلورة الرؤية الموضوعية الشاملة للقضايا السياسية والفكرية والتنظيمية، كضمانة لمسيرة الجبهة في نضالها الراهن والمستقبلي لتحقيق أهداف شعبنا في التحرر الوطني والديمقراطي .
إن هذه الدعوة للنقاش الموضوعي الجاد ليس الغرض منها الغوص في غياهب اللغة والمفاهيم كما قد يذهب البعض بالتفسير ، بل لأعلى درجة من النزاهة والاستقامة الأخلاقية لجميع الرفاق فيما يقولون ويفعلون، أي المطابقة الخلاقة بين النظرية والممارسة، بكلمة محددة أن يلتزموا بمصداقية عالية في تطبيقهم المبادئ والأفكار التي آمنوا بها، حتى لا ينحرف النقاش عن جوهره ليصبح بحثاً ودفاعاً عن هذا الموقف أو ذاك ارتباطاً بموقف مسبق.
فإذا كان هدف الرفاق في الجبهة، الدخول إلى المعرفة الموضوعية في كافة القضايا والمهام الملقاة على عاتقهم، فالأولى بهم أن يتفحصوا أولا ، سلامة سلاحهم على هذا الصعيد أي الأدوات المعرفية المستخدمة، ونقصد بذلك الماركسية ومنهجها المادي الجدلي، ذلك إن نجاحهم في تأدية مهمة أرادوها لأنفسهم هو رهن تحديدها بدقة، وإذ يواجهون اليوم مرحلة جديدة ، فيجب أن يبقى ماثلا في أذهانهم أنها من طبيعة تراكمية وتكاملية قادت وتقود إلى حصيلة إجمالية لا يجوز رؤيتها بمعزل عن عناصرها المكونة، ومن هذا المنطلق يمكن تقييم وثائق ومؤتمرات الجبهة عبر مسيرتها ، فالمؤتمر الوطني –في هذه المرحلة أو في المستقبل- ليس إلا جزأ من عام هو مسيرة الجبهة، ولكن يمكن النظر إليه كعام قائم بذاته، يتكون من خاص أول، هو الوثائق، وخاص ثاني، وهو الأهم ارتباطاً بالنقاش الواعي المعمق لتلك الوثائق , وبناء عليه ، فإن جميع الرفاق أمام مهام متصلة ، تتحدد قيمة كل واحدة منها فيما يسبقها وما يليها من مهام.
وهنا تأتي أهمية تحديد مفهوم المؤتمر ووظيفته ، وإنجازها على قاعدتي: تراكم الحلقات وتكاملها، إلى جانب النقاش الموضوعي للأفكار بعيداً عن آية مواقف مسبقة، بما يمكن الجميع من تجاوز المخاطر التي تهدد أي مؤتمر قادم.
انسجاما مع كل ما تقدم فأن منطق الأمور، أن ينطلق جميع الرفاق في نقاشهم للوثائق المطروحة –في المؤتمرات الوطنية أو الفرعية- من فكرة مركزية وجوهرية مفادها أنهم جميعاً سيتعاطون مع هذه الوثائق لكي يبلوروا معاً نصاً واضحاً للجبهة الشعبية يعكس صورتها الحقيقية والشاملة ، كما هي في الواقع والماضي وكما يجب أن تكون عليه في المستقبل ، لا نصا يمثل رأي هذا الرفيق أو ذاك ، هذه الجهة التنظيمية أو تلك، في فترة أو أخرى.
ولذا ، فأن البداية الصحيحة لنقاش أي مسألة كانت، تكمن في الاتفاق أولاً على ماهية المنهج السليم للنقاش ولإدارة الحوار ، وهذا ليس اختصارا للوقت ، بل الشرط الذي لا غنى عنه لكي يذهب البحث والنقاش صوب جوهر القضايا ولا يغرق في التفاصيل بما يضمن، تحقيق هدف المؤتمر ووظيفته التي تتحدد في استشراف الخطوط الرئيسية للمستقبل انطلاقا من الحاضر والماضي ، عبر وثائق تعكس ضرورات الواقع ورؤية المستقبل في آن واحد، خاصة وأن أي مؤتمر للجبهة ، في هذه المرحلة، سيعقد في ظل حقبة انتقالية بين مرحلتين تاريخيتين نوعيتين، مرحلة الحركة الوطنية بكل أطيافها المحمولة بالهوية الوطنية من ناحية ومرحلة صعود التيار الديني _ حماس وبروز وانتشار هوية الإسلام السياسي، من ناحية ثانية، وبالتالي لا مجال لاستقامة القول بـ"الحزب الطليعي" وفي آن القول بـ"الحزب متدني المستوى فكرياً".
وفي هذا السياق ، لابد من التذكير بأن الأزمة الوطنية العامة، التي وصلتها القضية لا يمكن أن تحال بالكامل إلى عجز القيادة التاريخية عن الوفاء بالتزاماتها في تحقيق الأهداف المعلنة، ، بل أيضا عجز "المعارضة التاريخية" و"المعارضة البديلة" في أن تصبح البديل الذي طالما قال: أن في برنامجه الدواء الشافي، فأتى الواقع ليقول إنه لم يشكل البديل التاريخي المطلوب .
وفي هذا الجانب فإن البداية معروفة، وهي أن نكون –في الجبهة- غير ملتبسين، وأن نكون شيئاً حقيقياً وموحدا في الداخل أي ديمقراطيين فعلا وواقعيين ثوريين سياسياً وأيديولوجياً فعلاً في نفس الوقت.
وبالتالي فإن القول بدور تاريخي للجبهة الشعبية ليس إلا فرضية على جميع الرفاق واجب إثباتها عبر التفاعل والتطابق الجدلي بين النظرية كما بلورتها وثائق مؤتمرات الجبهة وبين الممارسة النضالية والسياسية والمجتمعية والجماهيرية.
وإذا جاز لنا تلخيص كل ما تقدم نستعيد مفاصل رئيسية:
1- ضرورة مغادرة الذهنية التي تتعاطى السياسة بنوع من الانفعال.
2- الحاجة دائماً لرؤية ونظرية صراع تقود سياسات العمل والممارسة.
3- وعي واحترام قانون التراكم والتكامل والمراجعة والفحص الدوري.
4- مغادرة ذهنية القطع.
5- الالتزام بمبدأ النزاهة الفكرية والأخلاقية وضمانته الوعي والديمقراطية.
6- تجذير المسائل والعودة بها إلى جذرها الفكري والتاريخي.
- ويمكن المضي بالاستنتاجات الأساسية نحو:
7- القيمة المطلقة للعقل والنظام المعرفي والمنظومة الفكرية (هويتنا اليسارية الماركسية تحديداً).
8- الخصوصية الفلسطينية وتوزيعها سلباً وإيجاباً بين خصوصية القضية وخصوصية الشعب والمجتمع ارتباطاً بالبعد القومي العربي وحركة التحرر العربية.
إن ما تقدم ، يتطلب من الجبهة ترسيخ الأسس العلمية الصحيحة لبناء حركة ثورية صحيحة تطرد كل مظاهر الأزمة الفكرية والتنظيمية والسياسة ، بما يمكنها من مواجهة هذه التحولات السريعة المعقدة على المستوى المحلي و القومي والعالمي، و إلا فإن مسيرتها التحررية الوطنية الديمقراطية ستضل الطريق، إذا لم نلتزم بصورة واعية وخلاقة بعيدة عن الجمود، بالأسس التي يقوم عليها الحزب الثوري وهي تحديداً أربعة أسس :
1) الأساس التنظيمي .
2) الأساس الأيديولوجي.
3) الأساس السياسي .
4) الأساس الكفاحي بكل مضامينه التي يتوجب أن تجسد بوعي عميق وإرادة صلبة جوهر الأسس الثلاثة السابقة.
فإذا تعرضت هذه المبادئ لأي شكل من أشكال التعطيل أو الرخاوة، فلا معنى لذلك سوى تعريض الحزب بهذه الدرجة أو تلك لحالة من الركود أو التراجع والشلل ومن ثم الخضوع للنزعات الانتهازية والشللية المدمرة لأفكار الحزب ومبادئه وفاعليته .
فإذا كفّت أيديولوجيا الحزب عن الاستجابة لما يرغب ويفكر به الرأي العام ويعبر عن مصالح الجماهير الشعبية وطموحاتها فإن الحزب يفقد تأثيره تدريجياً فلا حركة ثورية بدون نظرية ثورية.


الجبهة الشعبية ومفهوم الحزب السياسي الثوري:
إن الحزب السياسي الثوري ،ليس المنظم والقائد والطليعة للجماهير فقط ،بل إنه أساساً "مُدخل" الوعي لها.
وفي ضوء ما تقدم فإن عقد المؤتمر الوطني، أو المؤتمرات الفرعية ، ليس مجرد "فشة خلق" وإنما "جزء من سياسة حل "، يبقى السؤال المفتاحي حاضراً في كل لحظة: ما الذي نريده كحزب من المؤتمر؟
ما نريده من المؤتمر، محطة لإعادة النظر في فهم إدارة الصراع ضد المشروع الصهيوني من جانب، وأبعاد ومضامين وأشكال أدائنا تجاه ذلك الصراع من جانب آخر، وبما يُؤَمّن القدرة على استثمار ما تملكه الجبهة من مخزون أو أرصده نضالية راسخة في ذهنية قسم هام من أبناء شعبنا، يضاف عليها ما تملكه من رؤى ومواقف سياسية ومنطلقات فكرية هي الأكثر تعبيراً –من حيث المصداقية- عن طموحات الأغلبية الساحقة من شعبنا، لكن نجاح هذا الاستثمار مرهون بإزالة كل العقبات التي تحول دون بناء الحزب الثوري كاولوية تعلو على كل ما عداها من تحالفات او تجمعات ديمقراطية أو يسارية، إذ أن الشرط الأول لنجاح أي من هذه التحالفات أو الأطر مرهون بعملية استكمال عناصر البناء الحزبي الداخلي في هيئات ومراتب الجبهة -بصورة ديمقراطية- تنظيمياً وفكرياً وسياسياً .
وارتباطاً بهذا، تأمين البني الحزبية الملائمة بمستوياتها المختلفة كحوامل كفؤة، لترتقي شكلاً ومضموناً وأداء إلى مستوى شروط وأهداف المشروع الوطني وبتاريخيته وحاضره وآفاقه المستقبلية، فالمؤتمر في كل الأحوال ليس من وظيفته ملاحقة السياسات الجارية، وإنما تحديد النواظم العامة لحركة الواقع السياسي ارتباطاً بمستوياتها المتنوعة.
إن الاستنتاج بأن فرضية الفوضى الفكرية، وغموض المفاهيم واضطرابها، كظاهرة سائدة اليوم على الصعيد الوطني –والقومي- العام، هو صحيح، فقد عجز أو تراجع اليسار ولم تتقدم الليبرالية، وأجهضت الثورة ولم يبنى نظام، بل تزايدت الفجوة –خاصة في الساحة الفلسطينية- حيث نشهد (رغم الخروج الشكلي من الانقسام عبر إعلان الشاطئ-غزة /نيسان 2014) انقساماً نوعياً من خلال استمرار الصراع على المصالح الفئوية بين فتح وحماس رغم اقتراب الأخيرة (بسبب أزماتها) من البرنامج السياسي الهابط لحركة فتح، وبالتالي استمرار التفكك والتراجع في بنية الحركة الوطنية الفلسطينية عبر هوية وطنية أفرغتها القيادة المتنفذة في م.ت.ف وفتح من مضامينها من جهة وهوية الإسلام السياسي التي نمت بقوة في ظل انحسار وتراجع دور القوى الوطنية واليسارية خصوصاً من جهة ثانية والذي ما كان ليوجد لولا تخلف تسبب في تفاوت وفجوة تعني إعادة إنتاجهما إننا أعدنا إنتاج تخلفنا.
من هنا كانت أهمية المراجعة واستعادة المبادرة فكرياً وتنظيمياً ، لتفسير ما حدث وتقديم أطروحة صائبة لأسئلة مطروحة وفراغ ذهني يخطئ من يظن أن العدو لا يحاول سده بأطروحة فكرية فاسدة، والحال هذه فإن المراجعة الجادة ومن ثم تكريس وتعميق وعي الرفاق بأطروحتنا الفكرية الماركسية، ليست ترفاً كما يتوهم البعض، بل ضرورة لا غنى عنها في معركة فكرية مشتعلة، هي جزء لا يتجزأ من الحرب الشاملة التي شنها ويشنها العدو الصهيوني الإمبريالي وتابعه النظام الرسمي العربي، لتكريس فكرة الهزيمة نظرياً ونفسياً بعد صناعتها عملياً.
وفي هذا السياق، لابد –أثناء المراجعة النقدية الجماعية- من البدء بعملية تشخيص وتحليل مظاهر ومكونات وتفريعات الأزمة الراهنة وصولاً إلى العلاج الفعال، الذي يضمن ويحقق إزاحة عواملها وتصفية آثارها ، بما يمكن الجبهة من الانتشار والتوسع في أوساط الجماهير الشعبية في الوطن والشتات عبر التأسيس والالتحاق في النقابات والمنظمات الجماهيرية والجامعات والمؤسسات والمصانع والمزارع ، في إطار جهد مخطط ومتصل من اللجان أو الدوائر التنظيمية والفكرية وغيرها من الدوائر ، يهدف إلى مزيد من القوة والتماسك والوحدة الداخلية لحزبنا ، واستكمال أسس النهوض والبناء التنظيمي والفكري والسياسي وصولاً إلى التطابق والتفاعل الجدلي بين مبادئ ووثائق حزبنا من ناحية وممارساته الفعلية على الصعيديين التحرري والديمقراطي من ناحية ثانية، بما يمكننا كخطوة نوعية لاحقة من تأسيس واستنهاض التحالف اليساري الماركسي، الكفيل – مع عوامل أخرى- بفك الاستقطاب القائم بين السلطة من جهة ، وقوى الإسلام السياسي من جهة أخرى، ومن ثم إتاحة مساحة أوسع لحزبنا في أوساط الجماهير تعزز دورنا المستقبلي عبر التفاعل والالتحام الجدلي بين العاملين الذاتي ، الحزب ، والموضوعي المتمثل بالواقع المأزوم من حولنا.
ذلك إن استمرار كل هذه التعقيدات والهبوط السياسي ومظاهر المعاناة والبطالة والفقر في المرحلة الراهنة تؤكد على أن آفاق المستقبل مفتوحة أمام الجبهة، كحزب ماركسي ملتزم بالقضايا الوطنية التحررية والمجتمعية للطبقات الشعبية برؤية قومية، كما تؤكد أيضاً على الحاجة الموضوعية للوجود الطليعي الفعال للجبهة في الساحة السياسية، ولكن رغم انفتاح هذه الآفاق، ورغم نضوج الظروف الموضوعية من حولنا (التي باتت تستنجد بنا كقوة يسارية) إلا أننا لم نتفاعل كما ينبغي مع هذه الآفاق أو الظروف، وظل العامل الذاتي (الحزب) قاصراً أو متردداً أو رخواً، رغم كل نصوص وثائق حزبنا التي توضح دون أدنى لبس، مدى التزامنا المبدئي في الاندماج والدفاع عن مصالح الطبقات الشعبية وكل الفقراء والمهمشين ، بما يحقق أعلى درجات الوعي الثوري ، كطريق وحيد لكي يتولى أبناء وكوادر الكادحين والفقراء مسيرة الحزب وقيادته.
وهنا بالضبط تتجلى الأهمية القصوى المترتبة على طرح سؤال الأزمة الراهنة وكيفية تفكيكها ومجابهتها والخروج منها صوب النهوض ؟ إذا أردنا الإجابة على هذا السؤال، يجب أولاً أن نؤكد على أن اليسار الذي نعنيه هنا هو اليسار الماركسي في بعده القومي (ضمن الخصوصية القطرية في كل بلد) الذي يستهدف – على الصعيد الإستراتيجي، الإسهام في الثورة القومية التحررية الديمقراطية ، وإقامة مجتمع اشتراكي عربي، الأساس فيه تحرير الوطن والمواطن. تحرير الوطن من الاغتصاب وكل أشكال الاحتلال أو السيطرة الأجنبية، ومن التخلف والتبعية والاستغلال الخارجي، وتحرير المواطن من كل أشكال الاضطهاد الوطني والاستغلال الطبقي ومن الاستبداد ومن كل ما يحول دون الارتقاء بنوعية حياته وتحقيق ذاته.

الجبهة الشعبية والبعد القومي العربي للصراع :
إن الحاجة الموضوعية لاستنهاض اليسار ورص صفوفه وتقوية بنيانه في فلسطين وكل أقطار الوطن العربي، تبرز كضرورة ملحة في الظروف الراهنة المحكومة بكل عوامل الهبوط السياسي والتراجع الاجتماعي مع كل مظاهر القلق والإحباط، التي باتت تشكل مساحة واسعة في الذهنية الشعبية في بلادنا كما في كل البلدان العربية، وبالتالي فإن هذه الحاجة الملحة لنهضة اليسار عموماً ، والجبهة الشعبية على وجه الخصوص تزداد إلحاحاً في الظروف الراهنة للمجتمع الفلسطيني. إذ تتصدر الساحة السياسية مجموعتان تختلفان شكلاً رغم جوهرهما الواحد : مجموعة الرأسماليين المنضوين تحت لواء السلطة أو أنظمة الحكم، ومجموعة الرأسماليين المنضوين أو المتنفذين في قيادة حركة الإخوان المسلمين (رغم القاعدة الشعبية الفقيرة والبرجوازية الصغيرة لهذه الحركة). أي أن الساحة السياسية العربية مسيطر عليها عملياً من جانب قوة واحدة (عبر برنامجين: اليمين "العلماني"، واليمين الديني) وهى الرأسمالية الطفيلية والكومبرادورية بالتحالف مع البيروقراطية الحاكمة وكلاهما محكومان –بهذه الدرجة أو تلك- لقاعدة التبعية والتخلف، كما أن كل منهما لا يتناقض في الجوهر مع الإمبريالية والنظام الرأسمالي.
إن هذه القوى الرأسمالية بجناحيها " الوطني " و" الإخوانى " – في كل بلدان الوطن العربي - وكذلك القوى الرأسمالية خارج هذين التيارين، لا تملك في الواقع مشروعاً وطنياً أو قومياً. نقيضاً للنظام الامبريالي الرأسمالي، كما أنها لا تملك أيضاً مشروعاً تنموياً وطنياً ، فالتنمية عندها هي ما تأتي به قوى السوق المفتوح والمبادرات العشوائية للقطاع الخاص المحلي الكومبرادوري الذي لا يستهدف سوى تحقيق الربح حتى لو كان على حساب دماء الطبقات الشعبية، إلى جانب نشاط المستثمرين الأجانب الذي لا يتفق ومتطلبات الاقتصاد الوطني والقومي بقدر ما يتفق واستراتيجيات الشركات المتعددة الجنسية الكبرى في تحقيق أكبر ربح على الصعيد العالمي في إطار تطبيق مقولة الاستيلاء على فائض القيمة لشعوبنا من ناحية وإبقاء شعوبنا أسيرة لآليات التخلف والتبعية والاستغلال من ناحية ثانية، في مقابل حرص القوى الإمبريالية على تقديم كل مقومات القوه لدولة العدو الإسرائيلي تكريساً لدورها ووظيفتها في خدمة الأهداف الإمبريالية والنظام الرأسمالي العالمي.
وهنا بالضبط يتجلى دور الجبهة الشعبية في العمل الاستراتيجي الجاد من أجل الإسهام الفعال في وقف انحراف قيادة حركة التحرر الوطني وإعادة توجيه مسارها التحرري الديمقراطي في إطار إستراتيجية التحرر القومي العربي الأشمل ، وذلك مرهون بشرط ضمان وضوح رؤيتنا وبرنامجنا المرحلي المرتبط بتلك الإستراتيجية، فبالرغم من كل متغيرات المرحلة السابقة ، وعلى قاعدة المكانة التاريخية للجبهة ، بوصفها رمز للاستمرارية التاريخية لمسيرة شعبنا في نضاله من أجل تحقيق أهدافه الوطنية والديمقراطية ، فإن الجبهة الشعبية هي الأكثر مسؤولية إزاء المستقبل بمعنى إنها الأكثر تأهيلا لإخراج التجربة الفلسطينية من مأزقها التاريخي، إن ثمة دور تاريخي واجب الجبهة أن تؤديه تجاه القضية الوطنية والقومية العامة أولا وتجاه نفسها ثانياً، انطلاقاً من رؤية إستراتيجية واضحة تقوم على إنهاء الوجود الإمبريالي والصهيوني في بلادنا ولتكون فلسطين جزء من المجتمع العربي الاشتراكي، ما يعني مقاومة كل أشكال ومظاهر الاستسلام لميزان القوى الراهن، كما للوجود الصهيوني، وبالتالي النضال مع كافة القوى اليسارية والتقدمية العربية من أجل تغيير هذا الواقع العربي المهزوم، ليصبح الصراع ضد الوجود الصهيوني صراعاً عربياً – إسرائيلياً يستهدف تحقيق التحرر الوطني والقومي وينهي كل أشكال التبعية والخضوع والتخلف على طريق التطور والحداثة والعدالة الاجتماعية والوحدة.
إن المرحلة الراهنة بكل محدداتها ومتغيراتها العربية والإقليمية والدولية تشير بوضوح إلى أن آفاق النضال القطري الفلسطيني بدون ارتباطه ببعده القومي، شبه مسدودة، بعد أن بات واضحاً أن الخيار الذي قام على أساس أنه يمكن أن يحصل الفلسطينيون على دولة مستقلة عبر طريق التسوية الذي سارت عليه القيادة المتنفذة وأوصلها لاتفاقيات أوسلو كان وهماً، قاد إلى النهاية التي نعيشها، أي تراجع المقاومة وتوسع السيطرة الصهيونية على الأرض، وأيضاً انفصال قطاع غزة عن الضفة الغربية، وتفكك النظام السياسي الفلسطيني ومعه تفككت أوصال المجتمع الفلسطيني الذي يبدو أنه ينقسم إلى مجتمعين، أحدهما في الضفة والآخر في غزة، في ظل أوضاع تشير إلى أن البنية والنهج – المتحكمان- بدرجة واسعة في صيرورة الحركة التحررية الفلسطينية، يعانيان من أزمات مستعصية مرتبطة إما باليمين السياسي / فتح أو اليمين الديني / حماس أو بكليهما معاً، وهنا بالضبط تتجلى مهمة الجبهة في إدراك طبيعة المرحلة والقوى المؤثرة فيها، ومن ثم – وهذا هو الأهم– العمل على استنهاض وبناء أوضاعها الذاتية بحيث يصبح التطابق والتفاعل بين هويتها الفكرية وسياساتها -الوطنية والقومية والأممية- ودورها النضالي، التحرري والديمقراطي قائماً ومنسجماً بما يضمن تمايزها في الفكر والسياسة والممارسة المجتمعية ، بعيداً عن كافة المواقف التوفيقية أو الانفعالية من ناحية ، ونقيضاً سياسياً وديمقراطياً لقوى اليمين في كل من السلطة الفلسطينية والتيارات الدينية من ناحية ثانية.

الجبهة الشعبية ورؤيتها الموضوعية لحركتي فتح وحماس:
إن الوضع الفلسطيني الآن يفرض علينا المراجعة الجدية الهادئة والمعمقة لكافة الأفكار التي طُرحت خلال العقود الثلاث الماضية ، بعد أن بات الحل المطروح مذاك ، أسيراً للشروط الأمريكية الإسرائيلية ، في ظل ما وصلت إليه أوضاعنا الداخلية ، وفي ظل الاعتراف العربي الرسمي المتزايد بالوجود الإسرائيلي.
فبالرغم من أن الجبهة ، قد أشارت مراراً في سياق رؤيتها للحل المرحلي، إلى أن حق العودة هو الجسر الذي يربط حقنا الوطني في الاستقلال وتقرير المصير وحقوقنا التاريخية في فلسطين، ومدخل لبناء دولة ديمقراطية واحدة كحل ديمقراطي شامل للصراع في فلسطين وحول فلسطين، كما التزمت في طروحاتها السياسية التكتيكية أو المرحلية بثوابت الإجماع الوطني، كما وردت في إعلان القاهرة سنة 2005، ووثيقة الوفاق الوطني 2006، ودعت دوماً إلى إعادة بناء م.ت.ف، وشَدّدت على الوحدة الوطنية "من أجل توفير الحماية العربية والدولية ونقل ملف القضية إلى الأمم المتحدة من خلال عقد مؤتمر دولي برعاية الأمم المتحدة وعلى أساس قراراتها التي تستجيب لحقوق شعبنا الوطنية في العودة وتقرير المصير وإقامة دولتنا الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس".
إلا أن ما وصلت إليه قضيتنا في المرحلة الراهنة من تراجع خطير، ليس فقط بسبب الوضع العربي الرسمي التابع والخاضع للسياسات الأمريكية ، وليس بسبب احتدام الصراع الداخلي بين فتح وحماس وآثاره الضارة على قضيتنا ومستقبلها فحسب، بل أيضاً ، وهذا هو الأساس بسبب الموقف الدولي عموماً والموقف الأمريكي خصوصاً ، الداعم بلا حدود للدولة الصهيونية باعتبارها الحليف الاستراتيجي له في المنطقة العربية والإقليم الشرق أوسطي.
ونتيجة لكل هذه المعطيات يمكن القول بأن شعبنا الفلسطيني لمس بـ "المحسوس" في هذه المرحلة البالغة الخطورة ، أن لا حل وسط مع الدولة الصهيونية، فهي لن توافق على قيام دولة فلسطينية كاملة السيادة على الأرض المحتلة عام 1967 ، خاصة وأن قيادة م.ت.ف استمرأت – انطلاقاً من مصالحها الطبقية – السير في المفاوضات العبثية مع العدو طوال 18 عاماً مضت، انتقلنا عبرها من قاع إلى قاع أشد عمقاً وانسداداً ، وهنا بات شعبنا –في ظل حالة تراكمية من القلق والإحباط- بسبب استمرار الصراع بين حركتي فتح وحماس (على الرغم من اقتراب وتقاطع حركة حماس مع برنامج السلطة ورئيسها أبو مازن)، كما أن اللاجئين من أبناء شعبنا في الوطن والشتات ، باتوا يشعرون بأن تقارب أو تقاطع حركة حماس مع البرنامج السياسي الهابط لرئيس السلطة وحكومته المسماة بحكومة الوفاق الوطني قد تركهم بعد أن استغل دورهم النضالي وشهداءهم، وبالطبع فإن الأمر بالنسبة لأبناء شعبنا في الأراضي الفلسطينية عام 48 بات أكثر سوءاً.
من هنا، وفي سياق الدعوة للحوار الوطني و لـ "الوحدة" الوطنية، والمصالحة، وهي دعوة نعتقد أن الجبهة الشعبية من أصدق الحريصين عليها من أجل وحدة الصف الفلسطيني على ثوابت الحد الأدنى، لكننا لابد من أن نطرح هذا السؤال: هل الجبهة معنية لأن تصبح طرفاً في حوار يستهدف التوصل إلى وثيقة تتضمن استجابتها للشروط الأمريكية الإسرائيلية وخارطة الطريق؟ أم أنها معنية بالنضال من أجل التمسك بالثوابت الوطنية والوحدة الداخلية التي تضمن حق الاختلاف والتعدد –كأولوية راهنة وعاجلة- خاصة وأنها تمتلك رؤية وبرنامجاً سياسياً يختلف جوهرياً عما تطرحه كل من حركتي فتح وحماس؟
لقد قامت صيغة م.ت.ف على أساس تحالف قوى مختلفة بهدف تحرير فلسطين. وإذا كانت قيادة حركة فتح تعتبر أنها القائدة لأنها "فجرت المقاومة"، "أطلقت الرصاصة الأولى"، فقد انبنى القبول بقيادتها وبهيمنتها على فكرة أننا نمرّ بمرحلة تحرر وطني تتعايش مؤقتاً مع قيادة "البرجوازية". وبالتالي فقد قبلت الجبهة التعامل مع هذه القيادة، رغم أنها لم تستطع وقف آلياتها للسيطرة على القرار السياسي. لكن ظل هدف التحرير هو الموحد والمبرر لهذه العلاقة التي تكونت في إطار م.ت.ف. رغم أن القيادة المهيمنة انتقلت من السعي لتحرير فلسطين إلى الحل المرحلي وفق أوسلو ثم إلى القبول باتفاقات وآي ريفر وشرم الشيخ وتفاهمات "ميتشيل" و"تينيت" وصولاً إلى " خارطة الطريق " و "رؤية بوش " و"باراك أوباما" دون أي أفق للتقدم صوب الحل العادل، بل المزيد من التكيف مع بناء المستوطنات والجدار ومصادرة الأراضي والتوسع الصهيوني في الضفة الغربية ، وكل هذه الخطوات أو التراجعات الخطيرة تمت بالتوافق والتكيف بين قيادة م.ت.ف والبلدان العربية الرجعية والتابعة .
في ضوء ذلك نسأل مجدداً ، هل ظل مفهوم مرحلة التحرر في ظل القيادة الحالية لـ م.ت.ف والأطراف النافذة فيها صحيحاً ؟ وهل ظلت التقاطعات مع هذه الفئة هي ذاتها؟ إن الوضع الراهن يفرض إعادة نظر جذرية فيه من جهة، وفي القوى التي قادته من جهة أخرى. فهل ظلت قيادة السلطة معنية بالتحرير؟ لقد أصبحت سلطة وتمارس على هذا الأساس، ومصالحها الخاصة هي التي باتت تحركها وليس القضية الوطنية. واعترفت بالدولة الصهيونية متنازلة عن 80% من فلسطين وأكثر.. وهي خاضعة للولايات المتحدة والدول المانحة ومربوطة مالياً بها ، وهي أيضاً – كما أوضحت الجبهة في العديد من أدبياتها- على استعداد للتنازل عن مبدأ العودة كجوهر قضية اللاجئين ، وهي مستمرة في سياسة التفاوض التي أعطت الدولة الصهيونية كل الوقت من أجل إكمال السيطرة على الأرض وإكمال الجدار والتحكم بالضفة الغربية، وسمحت –بوعي مع سبق الإصرار- بتشكيل أجهزة أمنية هي في خدمة الولايات المتحدة والدولة الصهيونية.
أما بالنسبة لحركة حماس، ويمكن أن نتحدث طويلاً عن حماس، لكن يمكن القول بأنها تحمل مشروعاً آخر، يرى الأمور من زاوية أصولية دينية تفرض عليها موضوعياً ، أن تخضع لمنطق أيديولوجي يُغَلّب العقيدة على ما عداه، بحيث تسعى إلى إحلال هوية الإسلام السياسي محل الهويتين الوطنية والقومية ، وكل ذلك في سياق ترابطها العضوي المباشر وغير المباشر مع شرائح وفئات كمبرادورية ومالية وعقارية وطفيلية ، فهي إذن ، في الجوهر لا تختلف عن الطبيعة الطبقية لقيادة م.ت.ف، وان اختلف الشكل السياسي الظاهري بينهما ، بهدف استمرار الصراع والتفاوض علناً وبشكل مباشر، كما هو الحال مع قيادة فتح و م.ت.ف، أو سراً أو بشكل غير مباشر ، كما هو حال حركة حماس، التي يبدو أن الفرصة باتت مهيـأة لها -إذا ما أقدمت على تلك التنازلات- تحت غطاء الإسلام السياسي المعتدل، وعلى قاعدة فقهية تقول إن الضرورات تبيح المحظورات بما يحقق هدف الولايات المتحدة وإسرائيل في إسدال الستار على م.ت.ف لحساب ما يسمى بـ "مشهد الإسلام السياسي المعتدل" إذا ما بقيت أوضاع القوى الديمقراطية واليسارية والقومية على ما هي عليه من جهة وإذا ما توفرت مقوماته وعناصره الخارجية وفق مقتضيات ومصالح النظام الإمبريالي من جهة ثانية.
نستنتج من كل ذلك ، أن التجربة السياسية الفلسطينية والمفاوضات العبثية منذ مدريد وواشنطن وأوسلو وصولاً إلى "اتفاق الشاطئ نيسان2014"، أوضحت فشل تلك السياسة، بسبب استنادها إلى وعود أو أوهام الولايات المتحدة الأمريكية إلى جانب أوهام عملية التفاوض العبثي مع دولة العدو الإسرائيلي في ظل نظام عربي ودولي شبه مرتهن لسياسة العولمة والتحالف الإمبريالي الصهيوني، حيث بات واضحاً أن الحل المرحلي -في ضوء هذا الارتهان- أو ما يسمى بالدولة القابلة للحياة، لن يحقق سوى "دولة" فاقدة لمقومات السيادة الفعلية ، ارتباطاً بقبولها الإكراهي بما تقرره الدولة الصهيونية مدعومة من قبل الإمبريالية الأمريكية، ما يعني بوضوح تخلي هذه "الدولة" عن حق العودة وتقرير المصير والاستقلال الكامل.
وبالتالي فإن موقف الجبهة الشعبية الواضح الذي عبرت عنه في المادة الاولى من النظام الداخلي الذي ينطلق من الحقوق التاريخية في فلسطين التي تفترض استعادة فلسطين بإنهاء الدولة الصهيونية. هذه هي المسألة الجوهرية رغم ضخامتها، أو رغم التشكيك الذي يطالها لأن ميزان القوى الآن لا يساعد على تحقيقها. فنحن من يجب أن يعمل على تعديل ميزان القوى لكي تصبح ممكنة. وميزان القوى ليس مرتبطاً كلياً بالوضع الدولي، بل مرتبط بقوى الشعب وما تفرضه من تحولات ثورية ديمقراطية. إلى جانب الترابط مع نضالات الشعوب وقوى اليسار على وجه الخصوص.

الجبهة الشعبية وأولوية النهوض الذاتي:
إن ما ترتبه الإمبريالية والصهيونية للمنطقة عموماً ولقضيتنا الوطنية على وجه الخصوص ليس قدراً لا يرد، حتى في ظل النجاحات والانجازات النوعية والكبيرة التي حققها الحلف المعادي، فهذا الواقع لن يكون أبدياً ونهائياً، وبهذا المعنى فإن الحركة الثورية الوطنية والقومية وبالاستناد إلى طبيعة المشاريع المعادية وتناقضها الجذري مع حقوق ومصالح شعبنا وامتنا، قادرة على الفعل والمجابهة وبما يؤسس لمرحلة نهوض جديدة أكثر نضجاً وأكثر استجابة لحركة الواقع الموضوعية والذاتية وطنياً وقومياً.
إن المرحلة تتطلب عقول وسواعد الجميع، كما تتطلب الإرادة والتصميم على استمرار الكفاح ومواصلة العمل لنقل مشروعنا الوطني التاريخي إلى مستوى التحقيق المادي الملموس.
هذه هي النقطة التي يجب أن ننطلق منها، وهو الأمر الذي يفرض الربط بكلية الوضع العربي، أي بالنضال العربي ككل، شرط أن يكون النضال الفلسطيني في طليعته ، انطلاقاً من أن الصراع هو صراع الطبقات الشعبية في الوطن العربي ضد السيطرة الإمبريالية بما فيها الدولة الصهيونية كونها أداة في مصلحة الشركات الاحتكارية الإمبريالية.
وفي هذا الجانب ، فإن استكمال عملة النهوض الذاتي ، السياسي والفكري والتنظيمي والجماهيري والكفاحي للجبهة ، من أكثر المهام الداخلية إلحاحاً تمهيداً لإعادة بناء قوى اليسار الماركسي ووحدتها.
وهنا يتجلى دور الجبهة الشعبية لكي تكون قادرة على تأطير كل المناضلين الجديين، وفق رؤية تطرح للنقاش ، تقوم على :
1) أن الصراع هو صراع الطبقات الشعبية العربية ضد السيطرة الإمبريالية الصهيونية، والنظم الكومبرادورية التابعة. وهنا يجب أن يتحدد دور الطبقات الشعبية الفلسطينية في إطار هذه الرؤية/ الإستراتيجية.
2) أن لا حل تاريخي وعادل في فلسطين إلا عبر إنهاء الدولة الصهيونية في إطار الصراع العربي العام. وأن البديل هو الدولة الديمقراطية العلمانية بحقوق متساوية لكل مواطنيها .
3) إعادة بناء العلاقة مع الطبقات الشعبية الفلسطينية في كل مناطق تواجدها انطلاقاً من هذه الأسس، وتوحيد نشاطها من أجل النهوض بالنضال من جديد، وتفعيل نشاطها ضد الاحتلال بمختلف الوسائل الممكنة.
ذلك أن الضياع في تفاصيل الوضع اليومي لن تقود سوى إلى التأخر عن البدء من البداية الصحيحة، وربما الفشل النهائي الذي سيفرز بدوره مزيداً من الفرص لقوى اليمين السياسي والاجتماعي للتمدد والانتشار، ما يعني إمكانية توفير المزيد من عوامل التراجع التنظيمي والجماهيري بالنسبة لليسار عموماً وللجبهة بشكل خاص، وهو أمر يرفضه أعضاءها وأصدقاءها بصورة كلية واثقين من إمكانية تجدد دورها الطليعي في هذه المرحلة وفي المستقبل ارتباطاً بالتزامها بالأسس السياسية والفكرية والتنظيمية التي تُؤمن بها وتناضل من أجل تحقيقها.
أخيـراً.. إن مهمة الفكر هي توضيح المسار الواقعي، بمعنى وعي الواقع، ولأننا معنيون بالنشاط الواقعي، من الضروري تحديد التصور البرنامجي الذي يشمل الأهداف السياسية المرحلية والإستراتيجية، المتعلقة بتطور مسار حركة النضال الوطني التحرري والديمقراطي، الأهداف التي يتوقف على حلها تطور مجتمعنا الفلسطيني عموما والطبقات الشعبية خصوصا في سياق النضال القومي، وهذا ما حاولناه في العديد من وثائقنا وأدبياتنا وبخاصة وثائق مؤتمراتنا ، ولعل هذه المسألة الأخيرة هي التي تحدد جذرية نشاط حزبنا وثوريته، وهي بالتالي التي تحدد الفارق بين الثوري والإصلاحي، الواقعي والمثالي في الرؤية الماركسية المتطورة المتجددة أبداً، ولهذا ندعو دائماً للمراجعة والنقد للوثائق وللممارسة على السواء، مستلهمين تلك التجربة الزاخرة للجبهة، في إطار النضال الوطني العام حيث قدمت أروع الأمثلة في ثباتها وتمسكها بحقوق شعبنا الوطنية والتاريخية ، وفي التزامها في الدفاع عن قضايا الفقراء وكل الكادحين والمضطهدين طوال مسيرتها التي قدمت فيها آلاف الشهداء والجرحى والمعتقلين ، وهنا تتجلى أهمية القراءة الجادة لمحطات مسيرة الجبهة كما سجلتها وثائقها الصادرة عن مؤتمراتها السبع منذ عام 1968 حتى العام 2013 ، وهي محطات غنية بالعبر والدروس المحفزة لشبابنا الوطنيين عموماً ولأعضاء الجبهة خصوصا، من اجل ترسيخ انتمائهم والتزامهم، وتعميق وعيهم ، وتفعيل ممارساتهم النضالية على طريق تكريس تطوير وتجديد بنية ومنطلقات ومواقف الجبهة، وممارساتها النضالية ، الكفاحية والسياسية والفكرية والتنظيمية ، استناداً إلى العلاقة الجدلية والعضوية بين أهداف النضال الوطني التحرري الفلسطيني وأهداف النضال الثوري التحرري القومي الديمقراطي من ناحية ، وبين الأهداف الأممية الإنسانية من ناحية ثانية ، وفق أسس ومبادئ النظرية الماركسية ومنهجها المادي الجدلي كتجسيد خلاق لمقولة لينين " لا حركة ثورية بدون نظرية ثورية"، إذ أن هذا هو الطريق الذي يضمن مزيداً من الوعي لرؤية ومواقف الجبهة وممارساتها الكفاحية والسياسية والفكرية والتنظيمية ، وبما يضمن أيضاً ، تفعيل وممارسة الحوار الداخلي بدرجة عالية من الموضوعية والحس العالي بالمسئولية ، بروح رفاقية ترتقي بالدافعية الذاتية ، ومن ثم الجماعية ، الهادفة إلى تطوير وتجديد بنية الجبهة لتتبوأ مكانتها وموقعها الريادي الطليعي اليساري ، في إطار النضال الوطني التحرري والديمقراطي من أجل تحقيق أهداف شعبنا في الحرية والاستقلال والعودة ، وفي إطار النضال الاجتماعي من اجل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية بآفاقها الاشتراكية.