حول كتيب - مرض اليسارية الطفولى في الشيوعية- للينين

رياض حسن محرم
2019 / 7 / 14

صدر هذا الكتيب (240 صفحة من القطع الصغير) في إبريل عام 1920 عقب الإنتصار المظفر والنهائى لثورة أكتوبر الإشتراكية العظمى متناولا ردود أفعال بعض الأحزاب الشيوعية في أوروبا وبالأخص في المانيا وهولندا وانجلترا، وجاء هذا الكتيب على صورة رؤوس مواضيع وأسئلة دوّنها لينين بنفسه وتطوّع بالإجابة عليها لتقريب فكرة الكتيب لذهن المتلقى.
الأسئلة ورؤوس الموضوعات:
1- بأي معنى يمكن التحدث عن الأهمية العالمية للثورة الروسية؟
2- أحد الشروط الأساسية لنجاح البلاشفة
3- المراحل الرئيسية في تاريخ البلشفية
4- في النضال ضد أي من الأعداء داخل حركة العمال نمت البلشفية وصلب عودها وتمرست؟
5- الشيوعية «اليسارية» في ألمانيا. الزعماء-الحزب-الطبقة-الجماهير
6- هل ينبغي أن يعمل الثوريون في النقابات الرجعية؟
7- هل يجب الاشتراك في البرلمانات البرجوازية؟
8- هل من الصحيح القول: لا مساومة أبداً؟
9- الشيوعية «اليسارية» في إنجلترا
10- بعض الاستنتاجات
ملحق:
1- انشقاق الشيوعيين الألمان
2- الشيوعيون والمستقلون في ألمانيا
3- توراتي وشركاه في إيطاليا
4- نتائج غير صحيحة من مقدمات صحيحة
5- رسالة فاينكوف.
بداية يؤكد لينين أنه نتيجة لإنتصار الكبير لثورة أكتوبر التي أدت الى فشل لأحزاب الإشتراكية الديموقراطية المكونين للأممية الثانية وهزيمتها مقارنة بما حدث في روسيا، ونتيجة لذلك انزلق معظم قادة تلك الأحزاب الى مواقف شيفونية متطرفة والإنصفاف خلف الأحزاب البرجوازية في الحرب العالمية الأولى تحت شعارات تقديم الجانب الوطنى على الجوانب الطبقية، بينما كان الموقف المبدئى للحزب الشيوعى الروسى البلشفى هو الانسحاب من تلك الحرب وحماية أرواح الجنود الروس المشاركين فيها، وهو ما أدى الى التسريع بنهاية الحرب.
لقد أدت تلك المواقف الى شعور لينين بحاجة القوى الثورية العالمية الى الإتحاد معا للتصدى لخطر الإمبريالية ومواجهة الأفكار اليسارية المتطرفة، والحاجة الى أممية جديدة، حيث تم إعلان الأممية الثالثة في مارس 1919، آنذاك كانت رياح الثورة تهب بقوة على أوروبا فأعُلنت الجمهورية السوفييتية في بودابست في 18 مارس 1920، وفي ميونيخ في اول أبريل من نفس العام، كما هبت موجات من الإضرابات في النمسا وإيطاليا وبريطانيا كادت تعصف بحكوماتها ولكنها كانت في الحقيقة موجات ثورية هبّت سريعا قبل نضوج الوضع الثورى أو اكتمال بناء أحزاب الطبقة العاملة، ومن هنا كان سعى لينين والحزب الشيوعى البلشفى هو تقديم العون النظرى لهذه الأحزاب ليكتمل رسوخها على أرض صلبة، ووضعت الأممية الثالثة شرطا لإنضمام أي حزب الاّ يقل عدد أعضائه عن 1000 عضو، فانضمت الى الأممية أحزاب شيوعية منها الحزب الإشتراكى الإيطالى وأحزاب من بلغاريا ويوغوسلافيا والنرويج والسويد والحزب الشيوعى الألماني بعد انشقاقه عن الحزب الديموقراطى بالإضافة الى الحزب الشيوعى الفرنسي وعشرات الأحزاب الشيوعية.
لكن معظم هذه الأحزاب الجديدة لم تكن متمرسة في العمل الجماهيرى بما فيه الكفاية فاندفعت في مغامرات سياسية فاشلة، ففي المانيا قفز الحزب الشيوعي الألماني سريعاً الى انتفاضة غير ناضجة وكارثية في برلين، وصمد نظام السوفييتات في المجر فقط لأربعة أشهر، وفي بافاريا لم تدم به الحياة أكثر من ثلاثة أسابيع، وسرعان ما تحول المد جزراً، وكان لابد من استخلاص الدروس والتحليل العميق لأسباب ذلك الفشل، والنتيجة كانت كتيبّ "الشيوعية اليسارية: مرض طفولي" الذي يعُد واحداً من أهم كتابات "لينين" ومدرسة في استراتيجية وتكتيك الحزب الثوري. واستند لينين في كتيبّه إلى خبرة البلاشفة عبر أكثر من عقدين من الزمان، خلال فترات كانت الحركة فيها تتقدم ثم تتراجع، وذلك للمساهمة في إرشاد الثوريين نافذي الصبر في الأحزاب الشيوعية الجديدة، كما شدد لينين أيضاً على الحاجة إلى المرونة التكتيكية، و"المساومات" في بعض الأحيان للوصول إلى وضع أفضل يسمح بكسب أكبر عدد أكبرمن العمال للثورة.
كتب لينين" إن "السياسة علمٌ وفن لا يهبطان من السماء… والبروليتاريا إذا أرادت أن تنتصر على البرجوازية، يجب عليها أن تنشئ لنفسها ومن عندها "ساسة طبقيين" بروليتاريين"، كما جادل لينين أنه طالما بقيت لدى الجماهير أوهام في النظام البرلماني فعلى الحزب الشيوعى خوض تلك التجربة معها لتحريرها من هذه الأوهام، و أكد لينين أيضا على ضروروة البقاء في النقابات الرجعية والنضال من داخلها وعدم عزل الحزب عن جماهيره العمالية، وكتب لينين يقول ( إن الامتناع عن العمل داخل تلك النقابات يعني ترك جماهير العمال التي لم تتطور بما يكفي تحت تأثير الزعماء الرجعيين).
لعل أهم ما يميز المواقف اليسارية الطفولية هو الالتزام الحرفي بكتابات روّاد الماركسية الكبار وخصوصا ماركس وانجلز ولينين، والتعامل معها كدوجما بغض النظر عن ملائمتها للحظة والمرحلة التاريخية الحالية، وكذلك الإهمال الشديد للتكتيكات المختلفة (لاسيما تكتيكات البناء في مراحل الردة والثورة المضادة) وإحلال الأهداف الاستراتيجية النهائية وشعاراتها محل التكتيكات المختلفة المتناسبة مع طبيعه المرحلة.
أن هناك دوماً ميول يسارية متطرفة في كل التنظيمات الثورية أثناء الثورات ، وفي حالات الصعود وتقدم الثورة تظل هذه الميول محكومة بالضغط الجماهيري العارم وبالمزاج الثوري السائد والذي يُحُجم من نموها بالقدر التي تنغرس فيه التنظيمات الثورية في أوساط النضالات الجماهيرية والعمالية المختلفة أثناء الثورة.
ولكن تبدأ المشكلة في التأزم، و"تزداد الميول اليسارية المتطرفة، بعد انهيار الحركة الثورية بشكل مباشر وخاصه بعد هزيمتها المرحلية حيث يترك القمع العنيف للثورة المضادة بصمة قوية في عقول كل المشاركين فيها" ( الاقتباس من كارل ماركس).
فبعدما تسُحق الثورة أو تتراجع بشكل كبير ماذا قد يكون أكثر إرضاءاً للنفس ودفعاً للاكتئاب من طرح متجاوز من خلال الإعداد لانتفاضة أو ثورة جديدة مثلاً كمهمة فورية وملحة؟
عملياً تدفع الفترة الرهيبة التي تلي هزيمة الثورة أو تراجعها الكثير من الثوريين إلى العمل الدعائي المجرد، بالأخص مع تراجع فرص النشاط العملي على الأرض، وهكذا من الممكن أن تتطور لدى بعض الثوار نزعة يسارية متطرفة قولاً وفكراً بعد تقلص مسئولياتهم العملية والتنظيمية بسبب الظروف الموضوعية.
وكلما ازداد الثوار انعزالاً، كلما قلت الفرص الحقيقية لتصحيح تكتيكاتهم بواسطة الطبقة العاملة أثناء النضالات الجزئية، وتزداد بالتالي الشعارات المتطرفة جاذبيةً وبريقاً. فحينما يغيب الجمهور عن تلقي ما يقوله الثوريون، ما الذي يمكن أن يمنع الثوريين من تبني أكثر الشعارات الثورية تطرفاً وبريقا ؟ وبالتوالي تزيد هذه الشعارات المتطرفة والبعيدة عن الأوضاع الحقيقية للصراع الطبقى وموازين القوى من ابتعاد الجماهير والعمال عن الثوريين لندور بذلك في حلقة مفرغّة من محاولات النهوض والإنتكاس مجددا.
إن علينا الآن في فترة الركود والردة والتفكك التي نعيشها حاليا في مصر أن نعمل ببطء ولكن بانتظام وثبات، أن نتقدم خطوة بخطوة، وأن نكسب بوصة تلو الأخرى وكادر ثورى تلو الآخر بصبر وأناة، والاّ ننزعج بشدة من عدم قدرتنا على التقدم السريع الى الأمام، بل حدوث مزيد من التراجع أحيانا، وأن نحافظ على المبادئ الاشتراكية الثورية، ولكن علينا أيضاً أن نطور الشعارات والتكتيكات لتتناسب مع طبيعة المعركة التي نخوضها ومزاج الطبقه العاملة وظروفها الآنية، ولتكن معركتنا ضد ميول التطرف اليسارية هى معركة ضد التشاؤم والإحباط ومعركة ضد نفاذ الصبر ومعركة ضد ضيق الأفق والتصلب. السلام عليكم.