تفكيك العنف وأدواته.. (34)

وديع العبيدي
2019 / 7 / 10

وديع العبيدي
تفكيك العنف وأدواته.. (34)
(ليحفظ الله الملك!)..
(7)
المشروع الهاشمي.. إلى مشروع هامشي..
كان فيصل سعيدا بعرش سوريا/(الشام)، ولكن الحزازات الفرنسية الانجليزية، بطشت بقراءة الأرض، ونسفت الحلم الهاشمي، باستعادة المجد الأموي ، الذي أسس الأمبراطورية العربسلامية [661- 750م]، وهو المشروع الذي ابتدأ تنظيمه، بتقسيم الشام إلى خمس ولايات رئيسة، تتمتع كلّ منها بحكومة مستقلة، في إطار دولة فدرالية.
ان مفهوم الوصاية على غنائم الحرب، من المفاهيم البدائية الحقيرة، التي استورثتها بلدان، تنسب نفسها للحضارة والرقي واحترام الانسان، وحق الشعوب في تقرير وادارة نفسها. ان اقرار ما يدعى بـ(منظمة الأمم المتحدة) لصيغة الانتداب، هو، مما يستحق الادانة والتجريم، من أسس خلخلة الكيانات القومية، والتوازن الطبيعي العالمي.
فليس من المنطق العقلي والأخلاقي، تفتيت أمة امبراطورية، سادت العالم عشرات القرون، ووضعها تحت وصاية، بلد لم يكن له وجود يومها. وعلى كل من انجلتره وفرنسا، احترام قراءات التاريخ، لكي تستحق شيئا من الاحترام. لكن ما جرى ويجري، هو في حكم اللامعقول، وتعطيل العقل العربي، لصالح ثقافة السحت السائدة لليوم.
يرفض كثير من أدعياء الثقافة وطابور الامبريالية، مبدأ تحميل الغرب، مسؤولية التخلف والخراب العربي. لكن الغرب الذي احتكر السياسة الدولية منذ القرن السادس عشر، لم يفصل بين أعراض المراهقة القومية، وعمر النضج العقلي والبيولوجي، الذي لم تدركه القوى الامبريالية الانجلوميركية حتى اللحظة.
فليست المهاترات، والتعريض بكرامة البشر والطبيعة، من معالم النضج والحكمة، وانما هي من باب الاستهتار والعبث والبراغماتية الشوفونية، غير المراعية للحقوق العامة، والمنافية لمبادئ المساواة والتكافؤ والاحترام المتبادل، الأساس الذي استندت اليه المواثيق الدولية، زورا وخداعا.
وكان أولى بالشعوب وطلائعها المثقفة، التيقظ والتنبّه لذلك، وكشف الخلل أمام الناس، لاتخاذ موقف قومي، وعدم الانصياع الأعمى بيد المتلاعبين الدوليين. لكن الخيانة من جانب مجتمعات الغنائم، رسخت مواقع الاستبداد العالمي للغرب، وشرعنت سيادته، ازاء غياب السيادة المحلية العربسلامية.
هنا سيمدّ الخطاب الفوضوي لسانه، وينحى باللائمة على فيصل وطاقمه، في وقت لم يمارس هو أي دور وطني في المواجهة الدولية غير المتزنة. وإذا كان الخطاب الفوضوي، هو نفسه المعادي للحكم العثماني، وكلّ الحكومات المتعاقبة عربيا، فكيف يشرعن لنفسه، معاداة القوى الغربية والمحلية في آن واحد، خارج إطار الفوضى والتخريب المجاني، تحت يافظة اللامسؤولية.
ولم يكن فيصل سعيدا بوجوده في العراق، وهو ما سجله في مذكراته. يقول أحدهم، أن فيصل عندما كان في سوريا، جعل طاقمه من العراقيين، وعندما عمل في العراق، جعل طاقمه من السوريين. لكن الأولى القول، ان فيصل كان عربيا قوميا، استخدم عراقيين وسوريين في طاقمه السياسي، في سوريا، وفي العراق لاحقا. ولم تتمكن منه الغائلة الحدودية التي صارت مثابة فخر كثيرين اليوم، وبالمعنى ىالسيء.
أخطأ فيصل وطاقم حكمه، في مظاهر اللين والمرونة، والتي استغلها مناوئو تقدم العراق واستقراره واستقلاله، للعبث وتنفيس الأحقاد/(المظلومية)، ومواجهته برخص الكلام والنفاق، وازدواجية الوجهين وتقلب الأفكار والاراء والمواقف. فكان مسؤولا عن اتاحة المجال لفساد الاراء وتنفيس النوايا السيئة.
والعراقيون بطبعهم، لا يحبون الدولة والحكم المباشر، ويحبون السلوك غير المسؤول واللاأبالي، ولا يمتعهم شيء غير الفوضى ونسج المكائد والافتراء على الضعفاء والاغنياء، وممثلي الحكم عامة. ولعلّ أسهل مظاهر ذلك، هو اطلاق صفات سلبية، جسمية أو أخلاقية، على مناوئيهم. والمناوئ، كلّ من يقع خارج حلبة الطائفة والعشيرة والحزبية.
العراقي هو البطل عند غياب الحكومة، ومحضر الطائفة والشلة والحزب، وهو البرئ المظلوم والمفترى عليه، في ساحة الحساب والمقاضاة، ولا غرو.. ان ذلك جزء من عقلية المعصومية والمظلومية التاريخية، وثقافة (الشعيلّه) واللامبالاة الاناركية.
وهاته العقلية المريضة، وراء تجريم كلّ الحكومات العراقية المتعاقبة، وتحميلها مسؤولية ارتكاب مظالم ومجازر، بحق سكان الجنوب الابرياء. وليس من المنطق، مهما كان، ان حكومة ما تميل الى اضطهاد عناصر معينة، وهي تتحلى بالبراءة والسلوك القويم.
وبما نعرفه - كشهود عيان- من عمليات مسلحة وممارسات عدائية وعنفية من قبل جماعات مغرر بها من قبل فتاوي وعناوين حزبية وطائفية، ضدّ الحكومة ومؤسسات الدولة، فماذا ينتظر هؤلاء لو كانوا في بلد أوربي مثلا؟.. لماذا يفتح العراقيّ عينيه على وسعهما في تقريض الأخير وفضح مساوئهم، بينما يرى نفسه ملاكا طاهرا معصوما، حتى لو كان على رأس الجريمة؟..
لماذا يطلق لسانه على طوله، مزوّدا بتوربينات جنرالز موتور، في قدحه السلطة، ويصف نفسه بالخروف الضحية/ (التاريخية)؟!..
التقيت في المهجر، مختلف صنوف التخلف الاجتمثقافي من العراقيين، أختار منها للمناسبة، بشخصية لواء عسكري/ آمر استخبارات أحد فيالق العراق، وهو يتحدث عن نفسه في مجلس (نسواني) عن نزاهته وعفته وسلوكه الذي يجعله في مصاف الملائكة.
وعندما انتهى من سيرته الذاتية، وانتفخ متنفسا الصعداء، سألته عن نوع عمله وزمن خدمته ومكانه، وصارحته، أن لا توجد هاته المواصفات في ضابط مشاة عسكري برتبة قيادية، ويعمل في مجال الاستخبارات العسكرية خلال الحرب. فالجيش هو الجيش الذي يتبرأ من الآخلاق خلال الحرب؛ والاستخبارات ونشاطها، هو المتعارف عراقيا وعربيا وعالميا. ويعرف ذلك كلّ من دخل تلك المؤسسة، عاملا أو ضحية.
وعندما وضعته في الصورة، أمام حشد النسوان، ثار وانتفض، وانتقص مني وهاجمني. ولا غرابة ان كلّ العراقيين في المهجر، يمنح نفسه صفة (مظلوميّة/ مظلوميّات)، وعراقيو الداخل معظمهم من المظاليم، وفي صدارتهم جماعات الغوغاء، والراكضين في مسيرة طائفة ما، أو مظاهرات وممارسات حزب ما، أو المحاربين بأمرة القبيلة والعشيرة.. وغير ذلك.
كم هي نسبة المستقلين المحايدين فعلا في المجتمع العراقي؟.. وإذا زعم كثيرون، أنهم غير طائفيين وغير حزبيين وغير وغير، مثل هاته الايام. كم منهم لم ينقل ويروج اشاعة أو كلاما سمعه، يمس الدولة والحكومة. أحدهم نقل مشاركته ورؤيته لجثة عبد الاله المسحولة بالحبال وراء سيارة، لكنه لم يشارك في الهتاف والصياح، ولم يمسك سكينا أو عصا، لضرب الجثة أو تقطيع أعضائها. ومن طريف الطرف، ان المرأة العراقية هي التي حملت سكين المطبخ، وقطعت أعضاء معينة من جثمان ميت. ومن الناحية الدينية، ينسب أؤلئك أنفسهم للاسلام، ويتنافخون في تدينهم، والاسلام، يدعو الى حرمة الميت.
العراقي هو ابن بيئته. ليس له أن يتبرأ منها، وينسب نفسه لبيئة أكثر تحضرا، بمحض ادعائه. كل فرد مسؤول عن بيئته وتراكماته التاريخية. والانسان الحر الواعي، هو الذي يبقى في بيئته ويعمل على تحريرها من موروثها السلبي، ويرتقى بها منطقا وسلوكا. هؤلاء قلة قليلة ونادرة في مصداقيتها.
لكن الأغلبية، تطرفوا في مواريث الطائفة، وانخرطوا في احزاب دينية وغير دينية، تروج للتخريب والتشنيع والتعصب الأعمى، ومظاهر استعداء الدولة والتحضر والاستقرار.
بالنتيجة.. هل مرّ على حيطان العراق، لم تتوسخ بكتابات ومقولات وشعارات واشاعات غير حضارية ومعادية للوطن؟..
هل مات فيصل، أم انتحر، أم اغتيل. هل طلب من الممرضة البريطانية دس السم له في الحقنة ليموت، مصابا بتسمم الشرايين.. وليس غريبا أن يستحق الملوك حق الاسترحة من مسؤولية الحكم، عندما يحظون بنكاية المجتمع..
من وراء انتحار عبد المحسن السعدون؟.. من وراء جريمة بكر صدقي واغتيالات كبار ضباط العراق، بتلك الشائنة؟.. من وراء اغتيال الملك غازي؟.. من وراء مقتل رستم حيدر؟.. كم من الجرائم والاغتيالات، حصد العراق المعاصر والقاتل مجهول؟..
هل الحكومات وحدها القاتلة والمجرمة، في منظور الاناركية والباطنية وأنصار باكونين[1814- 1876م]؟..
في الغرب، المجتمعات ضحية حكوماتها. وفي الشرق العربي، الحكومات ضحية مجتمعاتها التقليدية المتخلفة والاناركية!. وليس من الصواب استخدام المعايير الغربية وتطبيقها - شيطانيا- على واقع العرب. والصحيح، هو مقلوب تلك المعايير. ولا ننسى، التصاق مجتمعات الشرق، بجذور التخلف والمواريث القبلية والباطنية، ومعاداتها لمظاهر التحديث والعمران التي ساقتها الحكومات المتعاقبة. وانتهت بنقض النظام والابتهاج بعنفوان الخراب.
لابدّ من استخدام العناوين المناسبة للمضامين المناسبة الفعلية، من غير التواء وافتراء وتزوير. وتاريخنا القديم والمعاصر، وطبيعة نشاطنا العقلي المشوّه، عامر بالالتواء والافتراء والتزوير، مما يستوجب النقد الذاتي المباشر، حتى ينضج عقلنا الجمعي التاريخي، ويتأهل لنقد ذاته، والاعتراف بتاريخ حماقاته وانحرافاته.
ولابدّ، لأجل ذلك، من اقرار، ان العقلية العربية عامة، والعراقية بالتحديد الأدق، لم تتطور وتتغير منذ القرن العاشر الميلادي. ما زال العراقيون يعيشون صراعات المعتزلة والأشعرية، والقديم والموضوع، والمخلوق وغير المخلوق، وسواها من ترهات المناظرات والمحاججات والفهلوات والبدع السطحية والهجينة.
لم تخف مجتمعات المسلمين من وزر الحكام والملوك في تاريخها، لكنها ترتعد فرائصها أمام جيوش (العلماء العملاء) المزورين والمهرطقين، الذين صادروا النبوة والرسالة وحق الطبع والنشر والتفسير والتوزيع الاسلامي، على حساب السماء والنبوة المنقطعة في ذاتها.
وإذا كان حرفش يزعم بأن (لا كهنوت في الاسلام)، فماذا يسمي الناس الجيوش العريضة والطويلة، من أئمة وأصحاب عمّة: الاقطاع العسكري المتسلط على عقول الناس وأفكارهم وضمائرهم، والمطالبين لأنفسهم بالخمس والعشر والزكاة والصدقة والفيء، وأولوية الريع في كلّ شيء، لم تنزل به وصية أو قانون في القرآن. فليست العمّة من شيء، غير الاكتناز وملء البطون.
ثمة خيانة. أساسها خيانة المثقف والعالم والفيلسوف. لدينا خراب تأسيسي من التراث العباسي، وليس بينها مؤلف نقدي/ انتقادي حقيقي واحد. ينطبق هذا في مجال الشعر/(ديوان العرب)، كما ينطبق في الفقه والتفسير والتأريخ الديني، مثله في استساخات مصنّفات التاريخ المسروقة من بعضها، بدء بمصنّفات ابن اسحق [703- 768م]، وليس انتهاء بمصنّفات ابن خلدون [1332- 1406م]، وحتى يومنا هذا.
كان فولتير [1694- 1778م] أبا التنوير الفرنسي، وكان ايمانويل كانت [1697- 1737م] أبا التنوير الألماني، وكان ديفيد هوبز [1711- 1776م] أبا الثورة الكوبرنيكية في الفكر الانجليزي. وليس من هؤلاء حرف واحد، في تاريخ الثقافة والتأليف العربي، الفاربي [872- 950م] استنسخ افلاطون [428- 348 ق. م.] ، وابن سينا [980- 1037م] استنسخ ارسطو [384- 322 ق. م.] انتقائيا. فشل الغزالي [1058- 1111م] في تقمص الفلسفة عن ابن سينا، فزندقه على باطنيته ووصفه بالمتهافت/ (هلفوت). وجاء ابن رشد [1126- 1198م] للذود عن الفلسفة، وردّ التهمة إلى نحرها/(تهافت التهافت).
وهكذا صارع العرب أنفسهم حول الفلسفة الاغريقية، دون أن يتفلسفوا، أو يحظوا بالفلسفة. وأحسن توما الأكويني [1225- 1274م] في اقتناصها من أيديهم، وتحريرهم من عورتها؛ فارتفعت أوربا بالفلسفة بيد ديكارت [1596- 1650م] ومن بعدها الفلك والعلوم؛ وانحطّ العرب في غياب الفلسفة، ومركزة الفقه، وعلوم الجهل والتجهيل والخيانة.
قل لي ماذا يعبد العرب، أقل لك أي عرب همو!..
ولكن حاذر أن تخطئ وتقول: يعبدون الله. الله لا يُفتَرى عليه، ولا يُكذّب عليه، والمنافقون الكاذبون لهم المرتبة الاولى في النار. وقد قدّم النص القرآني، أفضل قراءة تحليلية نقدية، لطبائع العرب وواقعهم الاجتماعي والنفسي والديني.
لذلك كان وقعه ثقيلا عليهم إلى اليوم، فرفضوه وفنّدوه وتطاولوا عليه، حتى التحقوا بطابور الأعداء ودعاواهم المعادية، هربا من سهام نقده ومنطقه الفاضح. ولم يستحوا.. عندما تظاهروا باسلام (التقية) ودين (الباطنية الفاطمية الموسوية)، محتكرين سدرة المنتهى، وسيادة جنان الخلد، بدل من خالقها وباريها، فانظرْ!..
(8)
ماهيّة الدولة..
الدولة الفعلية هي دولة الضمير.. أو (السلطة الأخلاقية)، ذلك أولى من دولة بلا أخلاق..
العرب لم يعرفوا الدولة.. ولم يعترفوا بها عندما أوجدت، بفعل عوامل خارجية.
ملوك سومر وضعوا أولى الشرائع والدساتير، التي يربو عددها لى الأربعين، قبل أن يظهر على الخريطة، شيء اسمه (أوربا): لا الاغريق ولا روما.
لكن شرائع سومر ودساتيرها، لم تكن سياسية، ولم تظهر فيها كلمة سياسة البذيئة. شرائع سومر وودساتيرها كانت أخلاقية: شخصية فردية، مجموعة ضوابط قيمية وقضائية ثابتة، لا اختلاف فيها ولا اجتهاد.
الدولة فيها هي دولة الفرد، قانون الفرد، ضمير الفرد.
علاقة الفرد بالحاكم، رهن ارادة وحاجة الفرد. السلطة هي الضمير الأخلاقي، وشرط الضمير الوحيد، هو مراعاة الآخرين، وعدم التجاوز على حقوق وحدود الفرد التالي. ولعلّ من السموّ بمكان، ان يوكل القضاء بالمرء نفسه.
المخطئ والمتجاوز والمخالف للقانون/ الشريعة، هو الذي يمضي للسلطة الاجتماعية، معترفا بخطأه، وعارضا نفسه للقصاص: رجلا أم أمرأة!.
ومثله، كانت الشريعة الاسلامية/ (القرآنية) شريعة أخلاقية. لم تكن شريعة سياسية ولا شريعة دولة، كما يفتريها حملة شهادات الأكاديما الغربية. الدولة بحسبهم، هي : [حاكم + شريعة + جيش].
لكن الحاكم العربي لم يكن ملكا، والشريعة لم تكن سياسية، والجيش لم يكن جيشا سياسيا ولا مؤسساتيا ثابت الأطر والمهمات، كما هي الجيوش الغربية ودولة المؤسسات الاستبدادية، ولم ينص القانون على أن الحاكم هو الدولة، ومن لا يخضع للحاكم خضوعا تاما، لا يستحق الوجود في مملكته، ولا يحظى بالمواطنة/(قانون هنري الثامن وخلفائه).
الشريعة الاسلامية والدولة الاسلامية، لا يجوز مقارنتها، وتجذيرها وفق نموذج أوربي غربي، مختلف في أسسه وثقافته جغرافيا واجتماعيا، فضلا عن حداثته. الاسلام أشاد بالروم وحضارتهم الحديدية، ولكنه لم ينقل عنهم شيئا من تراثهم السياسي والعسكري، ولم يتبن الهيكلية المؤسساتية والاقطاعية في تصنيف الدولة والمجتمع.
الشريعة الاسلامية لم تنقض التقسيمات القبلية قسرا، ولكنها جعلت العلاقة الاسلامية والروح الاسلامية، فوق العلاقة القبلية والروح العصبية القبلية. وجعل الفرد، وصيا على نفسه وخياراته ومحيطه الاجتماعي. فالشريعة الاسلامية، إسوة بشريعة بابل، هي شريعة فرد ودولة فرد:(كلكم/(كلّ منكم) راعٍ، وكلكم/(كلّ منكم) مسؤول عن رعيته!).
وقد وقع هذا المبدأ ضحية الفهم والتأويل الخاطئ من بعض السلفية، وكان من شأنه انتشار عصابات المراهقين والمستهترين، وهم يحملون عصي وسكاكين، للنهي عن المنكر. وكان أولى، بالحكماء من الناس، بضمنهم ذويهم، عقل المستهترين واعتقالهم في منازلهم، حتى يفيئوا للرشد، ولا يسيئوا للاسلام والناس.
هذا يعني، ان مجتمع بابل [1894- 1594 ق. م.] على عهد حمورابي [1810/ 1792- 1750 ق. م.]، كان على مستوى من الوعي والنضج والثقافة، أنه لا يسيء الفهم والسلوك، ولا يستغل التشريعات والمنافذ، لاملاء حاجاته الخاصة واشباع غرائزه، كما يحث اليوم، في دول القوانين والمجتمعات البرلمانية الفاسدة.
وشتان ما بين مجتمع بابل ومجتمع أعراب نجد وامتداداتها في سهل الفرات، في القرن السابع الميلادي. ويعترف النص الاسلامي بتخلف سكان البوادي قائلا: (من بدا فقد جفا). و(بدا) من (بادية): سكن البادية. و(جفا) من (جفاء وجفاف وفظاظة) مما يستنكرها خلق الاسلام.
وقد ورد في (سورة التوبة 9: 97): الأعراب أشدّ كفرا ونفاقا. والأعراب: (سكان البادية)، قال القرطبي [1214- 1290م]: أن كفرهم ونفاقهم أشدّ من كفر العرب ونفاقهم؛ لأنهم أبعد عن معرفة السنن، ولأنهم أقسى قلبا وأجفى قولا وأغلظ طبعا. يُعرف من هذا، أن البيئة لها أثر على الإنسان في عقله وفي سلوكه. وأن الجامدين على بيئة واحدة يتأخر تطورهم وتغير أحوالهم. وأن الاختلاط بالبيئات الأخرى، يؤثر على الفكر والسلوك ويساعد على التطور. وكلما كان التطور نحو الأفضل، -وهو هدى الله لعباده-، كان ممدوحًا/ (تفسيره).
وتعود قصة الاعراب إلى ضعف اعتناقهم (دين) الاسلام في البداية، وعندما حصلت معركة بدر، وكسبت غنائم كبيرة، تقدم (الأعراب) للدخول في (جيش) الاسلام أفواجا. وقد وصف هذا، بأنه طمع في المغانم، وليس ايمانا بالعقيدة. وهو مغزى وصفهم بـ(النفاق)، والنص القرآني واضح وصارم، في هذا، وفي منع الصلاة على موتاهم/(التوبة 9: 84).
فكان حماسهم للاسلام يزيد وينقص، بحسب عدد الحروب وحجم المغانم وحصتهم منها. وعندما اتبع نظام جديد لتوزيع الغنائم على الفقراء و أهل مكة ، احتج بعض المقاتلين، بدعوى كونهم أولى بها من لم يشاركوا في القتال، ولكون أهل مكة لم يشاركوا في القتال.
هاته الفئة، وحسب مواصفاتها التاريخية المتدرجة، هي التي انقلبت على أعقابها، عقب موت النبي [571/ 610- 632م]، وحاربت الاسلام فيما عرف بحروب الردّة [632- 634م]، وانتهت بهروبها من بادية نجد، نحو العراق والشام في صدر الاسلام.
ولكن زحفها خارج إطار شبه جزيرة العرب، لم يتوقف بعد ذلك، في شكل هجرات وموجات سكانية، عبر بعضها وادي الرافدين نحو اعماق ايران. وشهد تأسيس امارة نجد السعودية، ومارافقها من اضطرابات عسكرية، اندفاع مزيد من اعراب الجزيرة نحو بادية الفرات ودجلة.
وقد بذلت السلطات العثمانية منذ القرن السابع عشر، جهودا متفاوتة، لاقناع العشائر بالتوطين، وأقطعت بعضها حدودا من الأراضي الزراعية، لمساعدتها في التوطن وانتاج قوتها. لكن تلك المحاولة، ما خلت من العراقيل والازمات الطبيعية والمصطنعة.
ان كثيرا من أبناء تلك العشائر، انتهزت الظروف والمتغيرات الطارئة، لترك سكناها، والزحف نحو مراكز المدن والعاصمة، ونقل موروثها الاجتمثقافي معها، دون اعتبار لاعتبارات الحياة المدينية، ودون اجتهاد في الاستفادة من الاندماج والتلاقح الحضاري، وبشكل يقلل من اغترابها وتشويهها للحضارة المدينية، وهويتها الثقافية.
في الجانب الآخر المتعلق بظاهرة الأعراب والتطور والاندماج، لا بدّ من رصد الظاهرة (الاناركية) عند (الأعراب)، وتطرفها في نزعة الاستقلال والسيادة الذاتية الفردية والقبلية. وهذا يفسّر ضعف ميلها للانضواء تحت ثقافات وجماعات أخرى، فضلا عن رفضها الاندماج والتلاقح الحضاري، أو التخلي عن هوياتها ونظمها العشائرية العميقة، عند انتقالها لحياة الحواضر والمدن. ولعل من مظاهرها، عودة النعرات القبلية، وما يسمى (دكَه) عشائرية، لتخلخل النظم المجتمعية الأمنية داخل المدن الكبيرة، بغداد والبصرة/ (ترييف المدن).
لكن الأكثر خطورة من كلّ ذلك، هو انخراط أفرادها في المليشيات المسلحة: الدينية وغير الدينية، ومنها تشكيلات الحرس الوطني والجيش النظامي، دون تدقيق مدى أهلية المتطوعين، لشروط ضرورية، لحفظ النظام والسياق والاندماج الثقافي والهوية المجتمعية.
وعلى رغم أزلية الظاهرة في المحيط العراقي الاشكالي، عندما تذكر سجلات حمورابي، مبلغ استنزاف امكانياته الشخصية والعسكرية، وفي ملاحقة الغزوات والتخرصات البدوية على حدوده الشمالية. واضطراره احيانا، لملاحقتها حتى مغاورها الأصلية، في مرتفعات شرق الاناضول.
نجد أن العراق يعاني من تحديات أساسية وتاريخية، لم ينجح عقله السياسي من وضع برامج وأنسقة، لمعالجتها والقضاء على أصولها ومظاهرها. وما يحدث اليوم في عراق الاحتلال، في ظل انهيار النظام والمنظومة الامنية ودعاماتها المجتمعية، يكشف ويبرر، نقط الضعف والتوتر والتراكم والأحقاد الكامنة.
ترى ما علاقة بغداد (2020م)، ببغداد (1920م)؟..
لقد تطورت بغداد العاصمة، بشكل قياسي خلال فترة حكم فيصل الأول، عمرانيا وسكانيا. وفي مواقع الانترنت، تنتشي النوستالجيا العراقية، بصور ساحات وشوارع بغداد العشرينيات والثلاثينيات والاربعينيات والخمسينيات المضاهية لعواصم أوربا يومذاك!..
لقد نجح النظام الملكي، في تحقيق أمرين، هما في الأصل، من بنات التأسيس الانجليزي للعراق الحضاري: منها ترسيخ الواقع الطبقي للمجتمع العراقي: الطبقات السياسية، البرجوازية، المتوسطة، الكادحة. وفي الصعيد المقابل، تمييز العاصمة عن بقية المدن، وتمييز الواقع العمراني لمراكز المدن عن مجتمعات القرى والأرياف.
وقد ولد هذا التفاوت المزدوج، حالة من العداء والاستعداء، والعنف النفسي المكبوت داخل أبناء القرى والبوادي، ضدّ سكان المدن من جهة، وضد أبناء الطبقات الغنية البرجوازية من جهة أخرى.
ويدخل في هذا الاطار، ذلك الكره الشديد ونزعة الثأر والانتقام والايذاء، ضد عوائل الحكم والقيادات الادارية والعسكرية في البلاد. مما يدخل في باب الاناركية، وعدم التحضر، وامتداد نزعات التوحش والعنف والتخريب المقصود.
ويذكر ان هادي العلوي [1933- 1998م] تأمل في مصطلح الاناركية، واستخدمه في قراءة الـ(لَقاحية) العربية. لكنه لم ينظر إلى وجوهها السلبية، وانما طبقها ايجابيا، لما يخدم منظوره للمشاعيّة العربية.
ما هية نسبة البداوة للتحضر في المجتمع العراقي؟.. كم هي نسبة الارياف في المجتمع العراقي؟.. كم هي نسبة القبلية والعشائرية في المجتمع العراقي؟.. كم هي نسبة المدن الصغيرة/(القرى الكبيرة) مقارنة بالعمران المديني الكبير؟..
اننا نحتاج الى كم من دراسات اجتماعية وعمرانية ومجتمعية، لقياس حجم الخلل الذي يهدد الهوية الحضارية لمجتمع عراقي. أقول.. وبكل أسف.. أنه رغم انتشار المطارات والجامعات في انحاء العراق، فأن ارتياد تلك المرافق، يبدو مأساويا ومخزيا بشكل يناقض الحضارة.
ان الجامعة ملمح حضاري عمراني، يتم التفاخر بها عبر القرون، كما هو الحال في الغرب. ولكن عن أي جامعة تتحدث.. ما علاقة جامعات آخر زمن في العراق، بمفهوم ومضمون الجامعة؛ رغم الملايين البخسة التي يدفعها الطالب، للحصول على شهادة خاوية المضمون والاسم.
أما السفر عبر مطار بغداد الدولي، فيحتاج إلى حقنة مخدرة، لا يزول أثرها، إلا بعد الخروج من محيط المطار ودخول الطائرة أو مجتمع المدينة. يتساءل المرء أين الطواقم الأصلية القديمة للمطار أو الطائرات؟. ثمة تخلف وقرف وتشوّه بلا حدود، يمنح المرتاد أعمق شعور بالهزيمة والذلّ، بحيث يكره المرء أن يكون عراقيا، منتميا للا-عراق.
ما الفارق بين عراق جديد بيد فيصل الأول، وعراق جديد، بيد أعداء فيصل؟..
خلاصة.. ان الدولة منتج أوربي، تولد من مخاضات البلدانية الأوربية، عقب زوال الامبراطورية الرومانية والبيزنطية. الدولة الأوربية لم تنشأ من حاضنة المجتمع، وانما رسخت من شخصية الحاكم/ الدوق/ الأمير/ الملك. تلك الطبقة التي تطورت من شخصيات الفرسان وقادة الجيش وكبار الأغنياء والأعيان.
لكن هذا ليس منظور فيصل للدولة والحكومة والمجتمع. حكم فصل كان في ظل المنظور الانجليزي للدولة والحكم والسياسة. ولم يكن من اليسير مخالفة الطاقم البريطاني في بناء وادارة الدولة والسلطة في العراق الملكي.
أما منظور فيصل للدولة والحكومة والمجتمع، فيمتح من ثقافته العائلية والمحلية، المخالفة للمنظور الغربي والمنظور العثماني؛ وهي منظور عربي وراثي مجدد، دلالته الأولية في صياغة المملكة السورية العربي/(1920م)، التي لم تستمر. وربما، لو حظى فيصل بالتفاف شعبي عراقي، لكاتن أكثر قدرة، على تطبيق منظوره الخاص، وهو تجربة متقمة واعية، كما تكشفت عنه شخصيته، بعد فوات الأوان.
(9)
لا بدّ من تأسيس ثقافة سياسية جديدة، تناقض النموذج الغربي لولادة الدولة. أعني، الدولة التي تولد من قمة الهرم، ثم تستعرض، عبر حاشية الملك وتشكيل الحكومة وبناء مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية، المنفذة لرغبات الحاكم وأوامره، وصول لهيئة البرلمان.
والدولة لا تستطيل في الغرب، وانما يتم تهيئة الناس وتنظيمهم اقتصاديا وقانونيا ودينيا، وتوحيدهم مجتمعيا، ليتراصفوا ويلتحموا ويستعدوا، ليكونوا قادرين على حمل -(هودج)- السلطة.
فالشعب، كمفهوم سياسي، ينظمه الدستور وسلطات الحكومة، بحيث يترجم سلطان الملك ورغباته؛ انما هو العجلات والمجاديف والسيقان، التي تحمل وتدفع وتدير عجلة السلطة، في خضوع واخلاص وانصياع تام.
الشعب هو الفلاح الذي يزرع لاطعام الملك. والعامل الذي يعرق وينزف، لتوفير احتياجات الملك ورفاهه. وهو اللاقطاعي والرأسمالي الذي يدفع الضرائب وريع الانتاج، لملء خزينة الملك. الشعب موجود من أجل الملك، وليس الملك من أجل الشعب.
ولما كانت انجلتره، هي المؤسسة والمهندسة لتصميم الدولة ومؤسساتها، وصورة المجتمع وهيئاته التمثيلية والاجتماعية، المؤيدة لهرم السلطة، فقد اتبعت نموذجها السياسي الانجليزي، والذي تعتبره الأمثل والأحنك في المعمورة، لبناء العراق.
وأنا لا أشك في ذلك، ولكني لا أستسيغه. ان الدولة/ السلطة لا تقوم على أساس متصل، من الكذب والدسيسة والخداع.
السلطة بالمفهوم الانجليزي، تقوم على أساس كون المجتمع جماعات شريرة، لا بدّ من ترويضها وخداعها وترهيبها، عبر منظومة القوانين العقابية، والتنظيمات المسلحة، والقليل من حوافز المعونة المادية، لتتعلم الخضوع لارادة الدولة والحاشية السياسية والحكومة والبرلمان.
وقد سبق تشكيل المجلس التأسيسي في مؤتمر القاهرة برئاسة تشرشل رئيس حكومة بريطانيا. وقام المجلس التأسيسي بانتخاب رأس الحكومة، وقام جميع اولئك، بالتصويت للملك.
ان الذين قاموا بذلك، من انجليز ومن عراقيين، يعرفون الترتيب المسرحي، لتقديم العرض أمام الملأ. ويعرفون مقدما، ان محاولة تلك الخطوات على أرض الواقع، وبالمشاركة المباشرة للناس، سوف يؤخر العملية السياسية شهورا وربما سنوات.
وسوف تتداخل جماعات وتكتلات غير معروفة، لتقترح وتناقش وتعارض، وربما تنتهي العملية بالاستحالة، أو بقرار عسكري، يحسم كلّ شيء، ابتداء بفتح السجون واستقبال الفوضويين.
عندما وصل طقم الحكومة والملك إلى البلاد، كان كلّ شيء محسوما، مثل زواج الأمر الواقع، الذي لا يجد الأهل أمامه غير الاذعان. ولا ننسى، اطلاقا، كون العراق تحت الانتداب، وأن المندوب السامي اليهودي بيرسي زكريا كوكس، هو الحاكم الفعلي، والمهندس المشرف، على تتمة البناء، وتنظيم تتويج الملك.
بالمقابل، يجدر بنا أن ندرك، ان شخص الملك، وبقية الطقم العربي المتعاون مع الانجليز، يعرف ما يفعل. وكلّ أولئك من طقم فيصل ورفاقه، من طقم الثورة الشعبانية والتشكيل السابق للحكومة السورية، وأحيانا في عضوية المبعوثان العثماني، والعمل من أجل نيل الاستقلال والحكم الذاتي للعرب.
كل أولئك يعرفون أنهم يشاركون في تمثيلية. تمثيلية تخرجها حكومة بريطانيا. لكنها تمثيلية تؤسس لواقع وطني جديد. ويعرفون دور المخرج الانجليزي، والذي هو عدوّهم الأكبر. ولكنهم يمالئونه ويمشون معه خطوة بخطوة، حتى يصبحوا قادرين على الوقوف على أقدامهم، ويحظون بالاستقلال الناجز.
لقد ضحّوا تضحية شخصية كبيرة، ليرفعوا الوطن على أكتافهم، ويخرجوا به إلى مشرق الشمس.
للأسف، كان ثمة طوابير، ظلت تردد اتهامات الحكومة بالرجعية والعمالة للامبريالية، ليس من باب الحرص على الكرامة والسيادة الوطنية؛ وانما مدعاة لنشر الاضطرابات، وتعويق عجلة التنمية والاستقلال. وقد استمرت تلك النعرة الفوضوية، وتحملت عمليا، كل تبعات المجزرة الملكية الشائنة.
مالذي تعنيه اضرابات عمالية وطلابية، في مطلع عهد سياسي، في مواجهة مباشرة مع الاستبداد الامبريالي. أليس الأولى، الاعتبار بالمصالح الوطنية العليا، قبل الانحياز للأقليات، وتثوير ازمات داخلية، تزيد من دفع الحكومة للضعف، أو تشغلها عن المهمات الوطنية، وتستفزها لاستخدام عنف، لفرض الاستقرار، ليس إلا.
فالاضرابات العربية، والانتفاضات الاناركية، كانت ورقة بوجهين، هدفها إضعاف الحكومة المحلية، في مواجهة الخارج،وتشويه صورتها في نظر الداخل. وماذا كانت نتائج (عنتريات) الشوارع في عهد الملكية، غير دفع العراق في نفق الجحيم. ومن جحيم إلى جحيم أتعس. ومن يتحمل مسؤولية ذلك.
أليس أولى، بجماعات التحريض، ان تكون ذات نضج يليق بمصالح الوطن؟.. أم أن وظيفتها اجترار مقولات وشعارات جامدة، سواء كان مصدرها التراث السلبي، أو أفكار خارجية أناركية وفوضوية ووهمية.
بعد هدنة قصيرة مع الوحش، عادت لتكرار نفس الشعارات والاتهامات، للحكومات الجمهورية، عميلة الامبريالية. ولم تترك نعرة اثينية وطائفية لم تولغ أصبعها فيها، حتى السباق المسعور في كواليس لندن وواشنطن، وتتويجه بسقوط العراق ونظامه الوطني.
فحملة الشعارات والاتهامات بالعمالة للامبريالية، أعلنوا اليوم عن أنفسهم بوضوح.. كشفوا عن أهدافهم وخدمتهم الأساسية ووكالتهم الامبريالية والصهيونية، ومن غير ثلمة ألم، أو ندم، أو حرج، عن دورهم الفوضوي التخريبي على مدى قرن من الزمن؛ هو تأريخ تأسيس الدولة العراقية، وحقبة ظهور دولة اسرائيل، وانجاز خراب العرب الشامل، وسط جوق سياسي واعلامي، رجعي/ فوضوي/ ردّاح، معدّ سلفا، وبأقنعة وأستعارات، نجحت في التغرير بالغوغاء، وتجييش طابور رجعي عميل ومحكوم بالحديد والنار، من داخله، وبشعارات الاشتراكية والدمقراطية والتقدمية والحداثة على صعد الاستهلاك الاعلامي.
انتهت الملكية، انتهى الحكم الوطني التقدمي.. وطما الخراب والتراب على دولة العراق، العاجزة عن حماية نفسها داخليا، والعاجزة عن بناء مدرسة أو جسر، والخارجة تماما من مجال تهديد دولة اسرائيل عسكريا أو سياسيا.
ثمة فارق كبير بين ولادة قيصرية لعراق القرن العشرين، والولادة الأمريكية التخريبية لعراق الواحد والعشرين، فارق في العناوين والمبررات والتقنيات والمفاهيم، وفارق بذخ بين الممثلين ومدى مصداقيتهم وشرعيتهم في الحالتين. ولكن العراب يبقى واحدا. والغراب نفسه أيضا.
كل هذا الحديث، لا يتعلق بالعراق، ولا بالسلطة، كائن ما كانت، شرفت أم هانت. الحديث يتعلق بالمجتمع، مكوناته، فعالياته، وعيه ومستوى تفاعله مع قضاياه وحاجته الذاتية، الوطنية والمصيرية، ومدى غيابه عن الحضور.
الحكومات تأتي وتذهب. الدولة تسقط وتقوم وتستحيل.
لكن المجتمع هو المجتمع. ارادته وأماله ورؤيته للزمن والمستقبل، هي المعيار. فما هي صورة مجتمع عراقي. هل ثمة خطأ في التعبير. هل يلزم تعديل حرف أو كلمة. بالأحرى، ما مدة وجود مجتمع عراقي؟.. هل هو مجتمع بالمفرد، أو مجتمعات بالجملة، حسب سوق الجمعة.
الحكام لا يأخذون الأوطان معهم في حقيبة.. الأوطان تبقى صناديق للمجتمع بكلّ قطاعاته. الوطن العامر يستحقه أهله. والوطن الخريب يليق بأهله. الوطن لا يملكه أحد، في رصيده التجاري. ولكن المجتمع وأبناءه ومستقبله، يبقى عورة على قارعة الطريق.
لا يفرح أحد بما جرى في العراق، غير أعداء العراق. ولا يشمت أحد بشيء. أما العملاء والخونة والخدن، فلن ترحمهم ضمائرهم، إن استبقي منها شيء. ولن يرحمهم ضمير التاريخ الذي لا يموت. ولا مكان لهم في رحمة الله.
كل شيء قابل للتفسير والتبرير، إلا الخيانة.. الخيانة العظمى. وفي بطن المستقبل، ما يكفي للقضاء.
(إن كان يمكن أن يخون.. فكيف يمكن أن يكون)- السيّاب
(يتبع..