تفكيك العنف وأدواته.. (32)

وديع العبيدي
2019 / 7 / 6

وديع العبيدي
تفكيك العنف وأدواته..(32)
ثلاثة رسائل من العراق..
(1)
عندما سيطرت قوات الجنرال ستانلي مود [1864- 1917م] على بغداد في مارس (1817م)، وتأكدت نهاية حكم الوالي العثماني خليل باشا/ كوت [1881/ 12 يناير 1916- 8نوفمبر 1918/21 اوغست 1957م]؛ شغل ثلل من سكان العراق، بما يترقب البلاد؛ ونوع حكومة العهد الجديد، وآثارها على وجودهم ومصالحهم. ومن أعماق الارتعاب هذا، طرأت مشاورات ومناقشات فئوية، لاستقراء ما يمكن فعله.
وكلّ فئة وثلة، تعمل لحسابها، وحسب أولياتها، دون علم الأخرى، وإذا استقرأت أفكار الثانية، خاتلتها وباطنتها. فالواحدة تحث الأخرى من باب التوجس والدفع للمحذور، بحيث يصفو الجوّ لها وحدها دون غيرها. ولعلّ هذا، ما يكشف لغز تناقض الاتجاهات والتوجهات التي لخصت، تطلعات العراقيين، للخلاص من نير الانجليز.
أولا: رسالة عراقية إلى فلاديمير لينين [1870/ 1917- 1924م] قائد الثورة الروسية ورئيس الاتحاد السوفيتي.
ثانيا: رسالة إلى الشريف حسين بن علي [1854/ 1908- 1924/ 1931م] أمير مكة والحجاز، لترشيح أحد أنجاله حاكما على العراق.
ثالثا: رسالة إلى معروف الرصافي [1879- 1945م] العامل في القدس، للقدوم إلى بغداد، وأصدار صحيفة يكون شعارها (العراق للعراقيين).
هاته الرسائل الثلاثة..
1- تصدر من جهات مختلفة الواحدة عن الأخرى.
2- تأخذ اتجاها مختلفا عن الآخر.
3- تختلف من حيث طبيعة اصدارها ودوافعها المباشرة وغير المباشرة.
4- تختلف من حيث غاياتها ومعانيها المباشرة وغير المباشرة.
5- تتفاوت في فهمها للعراق: طبيعة وكيانا وظرفا آنيا مأزوما.
6- تتفاوت في اخلاصها وايمانها بوحدة العراق واستقلاله وسيادته.
7- تتفاوت في برامجها السياسية والاجتماعية لمستقبل العراق.
8- مزاعم حقّ يراد به باطل!.
لا أعتقد أن بلدا في العالم، أو الغرب تحديدا، يسوغ خداع نفسه، بستائر وأقنعة من اللغة واللعب بالكلام والمهاترة بحقوق الناس، كما جرى ويجري في تاريخ العراق.
العراق الذي وضع أسس (اللغة) وقواعدها، هو ضحية اللغة والمزاعم والأكاذيب. والعراق الذي الذي استولد بذرة (الدين)، هو فريسة الهرطقة والاستهتار الديني بأيدي التنابلة وصبيانهم. والعراق ، صاحب ريادة المعرفة والحضارة والتمدن، هو العوبة التوجيه والتربية والتهذيب على يد الصبيان والمماليك والخدن.
العراق.. العاجز من النظر إلى نفسه في مرآة حقيقية نظيفة، غير متشظية اثنيا وطائفيا وحزبيا، هو المندفع السادر نحو هاوية.. لم تبدأ اليوم، ولا تنتهي غدا.
ولعلّنا، في أواخر العقد الثاني من العولمة، نشعر بسعادة غامضة، غامرة، عندما نصادف عراقيا حقيقيا، ايمانا وفكرا وسلوكا.
فالغريب جدا، أن تكون نتيجة حقبة عامرة بحروب وحصارات واحتلالات وحروب وتصفيات أهلية، أن يتضاعف نفوس العراق من (20 - 40) مليون نسمة. زيادة كمية وخراب نوعي رجعي.
تستطيع الجهات المعنية أن تقول ما تقوله. لكن الحقيقة، هي الضحية دائما.
ما يحصل للعراق، في عام (2020م)، يستفز الباحث الأمين، وكل عراقي أصيل، أن يعيد قراءة الماضي، حسب وسعه واجتهاده، ويتساءل: هل كانت ثورة العشرين، قورة فعلا؟.. هل وجدت أحداث ومفاهيم تؤكد وجود ثورة، أي ثورة؟..
أم أن ما حصل ذلك الأمس، هو من صنف هذا الراهن المزوّر؟.. من يكذب على من؟..
تستطيع اللغة ان تنتج رواية أو قصيدة، أو مسرحا تراجيديا؟.. لكنها لا تستطيع ان تصنع تاريخا. ولا تنتج حياة جديرة بالعيش.
كل تاريخ العالم، لا يساوي سطرا من ملحمة جلجامش.
كل تاريخ الاسلام وتراث العرب الخارج من دواوين العجم؛ لا يسلوي قلامة أظفر من قيم البداوة ومآثرها. ولنا الجرأة اليوم، أن نقول: خذوا صحائفكم وامضوا، لا حاجة بنا لكم. بل نقول أكثر من هذا، نقولة قولة عمر: لا حاجة لنا بكم، وكتاب محمد لدينا!. ومن كان له إذن، فليسمعْ!..
والحكيم من يأكل ويشبع في بيته، واللئيم من يرتزق في بيوت الجيران.
علينا أن نقول (لا) كبيرة، بشسع التاريخ والراهن، لكلّ من تخذ الدين والفكرة والحزبية والكذب والتقية، مطيّة، في سبيل خراب البلدان. ويكفي العراق، خراب خمسة وعشرين قرنا!.
العراق، ليس كما قال القرصان الانجليزي عن أرض العربسلام: أرض بلا شعب، لشعوب بلا نظر!.
(2)
الرسالة الروسية..
يا أيها المسلمون بروسيا وسيبيريا وتركستان والقوقاز..
يا أيها الذين هدم القياصرة مساجدهم وعبث الطغاة بمعتقداتهم وعاداتهم..
أن معتقداتكم وعاداتكم ومؤسساتكم القومية والثقافية أصبحت اليوم حرة مقدسة..
نظموا حياتكم القومية بكامل الحرية وبدون قيد فهي حق لكم..
وأعلموا أن الثورة العظيمة وسوفيتات النُوّاب والعُمّال والجنود والفلاحين..
تحمي حقوقكم وحقوق جميع شعوب روسيالينين في 24 نوفمبر 1917م.
[وقد أُعيدت الآثار والكتب الإسلامية المقدسة التي صادرتها القيصرية إلى المساجد. وتم تسليم القرآن الكريم المعروف بـ(قرآن عثمان) في احتفال مهيب إلى المجلس الإسلامي في بتروجراد في (25 ديسمبر سنة 1917م).
كما أُعلن يوم الجمعة، يوم الاحتفال الديني بالنسبة للمسلمين، ويوم الإجازة الرسمية في كلّ آسيا الوسطى/(ويكيبيديا).
هاته الرسالة، وغيرها، من رسائل لينين الموجّهة للعالم المسلم، [ولأغراض دعائية سياسية معروفة، بما يوصف بأساليب (تصدير الثورة الاشتراكية)، وسحب الأرض من تحت أقدام الرأسمالية الغربية]؛ قد أثارت مشاعر المسلمين، في وقت، كان عرش الخلافة العثمنلية يتهدده السقوط.
كما استثار شهوات وأطماع الملالي والتنابلة، لتحقيق مغنم مجاني مزدوج. فمن جهة، يستفيدون من حكاية الدعم (المزعوم)، ومن جهة ثانية، يستغلون رقته وميله العاطفي، لاستفزاز حسّه الديني، وإغرائه بهبات الجنان، بعدما حباه الله بسلطان الزمان.
فهل كان لينين [1870/ 1917- 1924م]/(ومن بعده هتلر [1889/ 1931- 1945م])، على استعداد لدخول مواجهة عسكرية ضدّ بريطانيا، لأجل عيون التنابل، المغرورين بمبدأ: (عدوّ عدوّي حليفي!). ذلك المبدأ الذي طبّقوه مع العدوّ الأميركي (2003م)، فكسبوا مغانم مجانية، بلا خسائر مادية؛ وانما خسائر أخلاقية بلا حدود.
فمن هي الجهة وراء الرسالة الروسية؟..
لا بأس.. أن يتطوع أحدما للمناصرة في قضية وطنية تخصّ بلدا آخر، أما الاستحواذ على آلية القيادة ومصادرتَها من يد أبناء البلد : أصحاب القضية، فثمة حديث طويل ومهم في هذا المجال. وهو أمر يخصّ الشخصية العراقيّة: كيانها وحقها وسيادتها قبل كلّ شيء.
العراقي الذي ليس له ايّما حق في ايران، بما فيها الرعاية الصحية أو حق التعلم/(قوانين اللجوء وميثاق حقوق الانسان)، وهما من الحقوق الدولية المدعومة؛ كان ينبغي أن يستدرك على السيادة الايرانية في بلده؛ وعلى تسلّط الشخصيّة الايرانية الدينية وغير الدينية، على حقوقه الوطنية والشخصيّة، في حياته وبيته وموطنه.
ومن وجهة نظرية منطقية، بناء على أرضية الافتراءات المبذولة، في هذا المنظور؛ فأنّ ما يسمّى (ثورة العشرين)، ليست عراقيّة، انما هي ثورة (سيمي)-ايرانية، حصلت (بالاستعارة) في أراضي عراقية. ويحصر أصحاب هذا المنظور، عملياتها في جنوبي العراق، أو (الفرات الأوسط)، بحسب تعبيرهم. ولهذا دلالة جيوسياسية بائنة.
بالمقابل، يستطيع العراقيون/ (الجنوبيون)، من اطلاق ثورة في شمالي ايران، ويسمونها ثورة (عراقيّة).
إذن، هاته ليست ثورة ولا انتفاضة ولا حركة ولا شيئا عراقيا. وهذا يستدعي أمرين:
1- أسس وبواعث الثورة..
2- أسباب وظروف وجود جماعات ايرانية داخل حدود العراق الجيوتاريخية.
البند الأول: تاريخ المواجهة بين ايران وبريطانيا.
عودا لما سبق، فأن قيام ايران الصفوية/(1501م)، كان قرارا امبرياليا أوربيا، ممثلة في الاتفاقية البرتغالية الصفوية، وهي اتفاقية تعاون ودفاع عسكري مشترك. وقد فتحت هاته الاتفاقية، ايران، لتدخلات وصفقات أوربية وغربية متعاقبة، عقب تراجع نفوذ البرتغال الامبراطوري. كما وسمت هويتها السياسي كقوة معادية للمصالح الاقليمية/ ومنه مقول: (شرطي أميركي في المنطقة).
ان انشاء كيان امبراطوري ايراني، مدعوم من قوى دولية صليبية معادية للشرق؛ كان الغرض منه، مناهضة الامبراطورية العثمانية ومشاغلتها، عن ممارسة ضغطها العسكري، على أعماق ووسط أوربا. ويعرف القارئ جيدا، أصولية التعصب الديني لدى ايزابيلا [1451/ 1469- 1504م] وفرناندو [1452/ 1468- 1516م]، أصحاب محاكم التفتيش -سيئة الصيت-، في هذا المجال.
ولما كانت تركيا العدوّ الستراتيجي المشترك، لبلدان أوربا الغربية والشرقية على السواء، فأن العدوّ التاريخي والتقليدي المستمر للعثمانيين، هي روسيا القيصرية والسوفيتية على السواء، يومذاك، كما اليوم. وهاته هي الخلفية الستراتيجية للغزل الايراني/ الروسي تاريخيا.
حقيقة الشق الايراني/(الملالي) فيما دعي بثورة العشرين، هو امتداد لما يعرف بثورة التنباك/(التبغ) في ايران. ففي عام (1890م)، خدع الانجليز ناصر شاه، بمنحه امتياز انتاج وتجارة التبغ الايراني، وذلك خلال زيارة شاه ايران الى انجلتره، بحثا عن منحة أو قرض لحكومته. وذلك مقابل حصول الشاه على (15) ألف جنيه سترليني، ونسبة (25%) من ارباح المبيعات.
وقد حرمت هاته الصفقة تجار البازار من حقهم في ادارة موارد بلادهم، ورفع أسعار التبغ داخل ايران، وكأنها تشتريه من الخارج. وهذا يذكر باحتكار انجلتره لانتاج الشاي وتجارته في الهند والعالم. كما يعني وضع (20%) من زرّاع التبغ وتجاره، تحت رحمة شركة جيرالد تالبوت المقرب من سالزبوري، رأس الحكومة البريطانية.
وقد استدعى ذلك التفاف التجار مع طبقة الكليرك والعناصر الوطنية، أمثال جمال الأفغاني ومحمد حسن الشيرازي اللاجئ في سامراء يومئذ، وطلبوا من الشاه التراجع عن الاتفاقية، لكنه رفض. فأصدر محمد حسن الشيرازي فتوى تحريم التنباك عام (1891م): [اليوم استعمال التنباك والتوتون باي نحو كان، بحكم محاربة إمام الزمان عجّل الله فرَجَه].
وكانت الناس قد استشعرت المخاطر المحدقة بأسباب معيشتها ومصالحها، فضلا عن هيمنة الأجنبي على حياتها ووطنها، فتلاحمت الجموع، واتفقت الارادات، فأغلقت محلات بيع وتداول التاباك، وكسرت أدوات استعمالاتها في المحلات العامة.
وعجز الشاه، عن ارغام الناس على التراجع وطاعة رغباته، فتصادمت قوات الحكومة مع المعارضين. ووقع عديد من الضحايا قتلى وجرحى، مما أدى لتفاقم الوضاع واحتداد الأزمة. فاضطر الشاه على التراجع، والخضوع للرأي الشعبي. وتكلّف دفع غرامة قدرها (500) ألف ليرة لشركة تالبوت الانجليزية.
كشفت ثورة التاباك، مدى عدم شعبية الحكم، مقابل قدرة الكليرك في تعبئة الشارع ضد الحكومة، وتوجيههم في السبيل التي يريدونها. وقد استثمرت الحركة الوطنية الايرانية، انتصارها في حركة التاباك، رغم ثمنها الباهض، في تحريك الحركة الدستورية [1896- 1907م] في ايران، واصدار أول دستور في (5 أوغست 1906م).
ان الانسان الضعيف عندما يحسّ بالمظلومية والقهر، يبحث عن (جهة قوية) تنتصر له، وتتبنى مطاليبه/(قضيته)، وهو ما نهض به بعض الكليرك. لكن تحالف الكليرك التاريخي والثابت، هو مع طبقات الاقطاع والتجار الكبار، وليس مع الناس الضعفاء، الضحايا الأبدية، لثالوث [الدولة، الدين، الاقطاع].
فما حصل في ثورة التنباك، ليس الانتصار للمظلومية الاجتماعية والوطنية، والانحياز للفقراء والكادحين/(بروليتاريا)، وانما اللعب على أوتار الأزمات الاجتماعية، لتحقيق مكاسب تاريخية، شخصية وفئوية وسياسية. فدور الكليرك الستراتيجي ترسخ، في عيون [الدولة والتجار والفقراء].
لم يخرج الكليرك السياسي بلا مغانم، ولم يخرج الفلاحون بلا خسائر، وبقي تحالف الكليرك والتجار التاريخي في ايران، ليسرق ثورة الشعب الايراني/(1978م)، ويحتكرها من أيدي الناس والعناصر والفئات الوطنية القومية واليسارية، ممثلة بمجاهدي خلق: [التي اختفى قائدها مسعود رجوي [1948/ 1979- 2013م/ ؟] منذ (2013م) في غموض ملغز]، وحزب توده/(الشيوعي)/(تأسس عام 1941م)، الايراني الذي اختفى هو الآخر، وغاب عن المشهد السياسي والاعلامي.
بينما تمتلئ معاقل خامنئي [1939/ 1989م- ؟] وسجونه بالالف سجناء الرأي والسباسيين وزعماء المظاهرات الطلابية، بلا محاكمة أو أمل، أو مناشدة من المنظمات الدولية. وهو ما ينطبق على حكمهم البديل في العراق. ان السجن الايراني، هو المقبرة، لا صوت ولا خروج.
لا غرو، أن تكون المصادفة/ المراوغة التاريخية، محركا وعنصر تحكم، في الإرادة السياسية والصيرورة الوطنية، كما حصل في ثورة محمد مصدق [1882/ 1951- 1953/ 1967م] أولا، وثورة الجمهورية/(1978م). وخلافا للسائد الاعلامي، كان دور الكليرك سلبيا ومقذعا في الحالتين، وبما يعكس أنانية وبراغماتية رجال الدين النفعية الميكافيللية، وليس الاخلاقية والوطنية والشعبية.
لقد خدع الكاشاني* [1877- 1962م] محمد مصدق، بالوقوف إلى جانبه، بغرض فرض املاءاته النفعية والدينية على دولة مصدق عند نجاحها، فينسب الانتصار للكليرك، وليس للعلمانية. ولكن خذلان الكاشاني لمصدّق وانسحابه في وقت حرج، منح قوات الشاه والمخابرات الأميركية، سرعة الاجهاز على مصدق ومشروعه السياسي الوطني، بعدما ضمنوا تخلي الكليرك وأتباعهم من الشعب، عن الحركة.
في تاريخ الكليرك الايراني، والمديح الرخيص المهال عليها، ينبغي وضع موقف الكاشاني الانتهازي والخياني، في مسؤولية اغتيال مصدق وموضوع السيادة الوطنية. وقد لجأ الكاشاني، كما سواه، إلى (الحديقة العراقية) الخلفية لايران.
وبنفس المنظور، كان موقف الكليرك انتهازيا خيانيا، ممالئا للقوى الاقطاعية التجارية والامبريالية الغربية، كما تتكشف شيئا عن علاقات الخميني [1902/ 1978- 1989م] العميقة مع الأمريكان: رتشارد نيكسون [1913/ 1969- 1974/ 1994م] وجيمي كارتر [1924/ 1977- 1981م/ ؟]. وستكشف الايام والمخابرات الأميركية مزيدا من الفضائح غير المقدسة.
لابدّ من الحذر، والنظر إلى الحركات الدينية، من مبدئها الأساسي في الاحتكار: احتكار السلطة، والحركة الاجتماعية، والتفسير الديني، والنيابة الالهية. والقاسم المشترك الأعظم وراء ذلك هو: (الاستغلال)، و(استعباد) الناس، و(تكفير) ما يخرج عن طاعتهم.
عودا على زعامة المرجع محمد حسن الشيرازي [1815- 1895م] الذي هرب من مواجهة الطغيان الغجري [1722- 1925م] إلى الحديقة العراقية، ثم عمل -مع الآخرين من ملته-، في تملق الحكم الغجري، في جميع أموال العراقيين والتبرع بها لدعم حكومة بلدهم من جهة، ومن جهة أخرى، استحثوا زملاءهم من ملالي العراق، للكتابة إلى الشاه، لقبول عودة بعضهم إلى ايران.
ان الحكم الغجري/(قاجري)، المخالف للحكم الصفوي، والمعدّل له ولمذهبه الديني، منع تداول المذهب الصفوي/ (الامامي الاثني عشري). تخذ جملة اساليب توعوية واجرائية، لاستعادة الناس للطريق القويم، وعمل على الغاء كثير من الطقوس والمناسبات والبدع، ونقض المزارات والمآثر، التي اصطنعها الحكم السابق له.
وكان من ضمن نتائج تلك الثورة التصحيحية المذهبية، هروب كثير من مشايخ المذهب الصفوي الى العراق والهند. وقد شهدت الحقبة الغجرية، ازدهار وانتشار ملالي ايران في العراق، تلك الموجة التي لم تنقطع، وترتب عليها مواليد كثير منهم عبر الايام على الأراضي العراقية، حتى مقتبل حكم بهلوي [1925- 1978م].
والعراقيون الذين يمالئون هؤلاء، ويناوئون بلدهم وأهله، أولى بهم بالتعاطف مع مجتمعهم، والبلد الذي آواهم ورعاهم كما آوى بني ملتهم، منذ بواكير تلك الحركة على يد الطوسي [950- 1050م] حتى يومنا هذا. لأن للأرض حقّ على من يطأها، ويعتاش على خيرها؛ وليس رفسها، ونهب غلّتها لوضعها في سلة السارق.
عظمة الفتوى الشيرازية، قامت على الكذب. والغوغاء لا تتبع (الحق/ العقل)؛ وانما تتبع (الشطارة/ الفهلوه). والشاطر الكذاب والفهلوي، هو الذي يلوي رقاب الناس. ولو أن ناصر شاه [1831/ 1848- 1896م] ومحمد رضا شاه [1919/ 1941- 1978/ 1980م]، توفر على (شطارة كذب) وافتراء الهي، لاكتسبا شعبية، تعدم ظهور طبقة الاقطاع الديني.
حكام ايران وحكام العراق وحكام استامبول وعامة حكام العرب، لم يتوفروا على مواهب وجراءة الانجليزي هنري الثامن [1491/ 1509- 1547م] الذي حصر في يده السلطة السياسية والدينية، وأشرف بنفسه ورغباته على وضع تشريعات الدولة والمجتمع الانجليزي، مع تشريعات وتنظيمات الكنيسة الانجليكانية؛ وهذا بالتأكيد.. سرّ نجاح اسماعيل الصفوي [1487/ 1501- 1524م] في دوره.
وهذا يفرغ بالجملة، كلّ السلطان الوهمي، الذي يمنحه الغوغاء للملالي، وزعامات الكليرك الاقطاعية الملكية. ولو كان للغوغاء، ضآلة من عقل/(أولي الالباب)، لانتخبوا زعيما من بينهم، يقودهم ويسوس أمرهم، بدل تربية وتغذية (طاغية) يعتاش على نكدهم، ويحني ظهورهم للأبد.
انظر إلى حالة جنان ولاية الفقيه الايرانية.. واعتبر بتصاعد معدّلات الفقر والبؤس والمظلومية المقطوعة.. اعتبر بغياب الرأي الآخر.. وجريمة الاختلاف.. وتخوين الخارج على طاعة الفقيه.. وانظر إلى سياسة الفساد، والتحلل الاجتماعي والاخلاقي.. وتغول الملالي ووحشية العسس الايراني.. وبذخ التهم المجانية المفتراة، ضد الوطنيين والشرفاء والعلمانيين والمتنصّرين.. لقطع دابر أي محاولة للثورة أو التمرد، أو التجرؤ على تغيير نظام الفقيه/(وكيل المهدي الغائب).. والذي لا يجرؤ أحد أن يصفه، بالافتراء على ألله الحقّ والحيّ..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ابو القاسم الكاشاني [1877- 1962م] رجل دين وسياسي ايراني، ساند حركة الدكتور محمد مصدّق، في قرار تأميم نفط ايران (ا مايو 1952م) جنبا إلى جنب حزب توده، وقد عيّنه مصدق رئيسا لمجلس النواب [1952- 1953م]. ولكنه في (1 يوليو 1953م) استقال من مجلس النواب، وانسحب من تأييد الدكتور مصدق، لينقلب عليه، ليتسبب في صدور فتوى من الكليرك الايراني، تحكم على مصدّق رأس الحكومة الايرانية التي أممت نفط ايران من الشركات الامبريالية، بمعاداة الاسلام والشريعة، على خلفية تحالفه مع حزب توده. ولم تكن شركات النفط العالمية الاحتكارية، ومن وراءها من قوى امبريالية ومحكمة لاهاي التي سبق لها مقاضاة مصدق، أكثر من هذا. وهكذا قدّم الكليرك الايراني والكاشاني، خدمة ذهبية، للتخلص من الحكومة الوطنية وقرار تأميم النفط. وكان ذلك أكبر اغتيال سياسي في تاريخ ايران، لم يجرؤ أحد على تشخيصه في خانة الخيانة الوطنية الشعبية، والعمالة لقوى الاستكبار والصليبية. وهو مما يؤكد وظيفة ايران التاريخية في خدمة الامبريالية، سواء في صورة الدوة أو الدين أو التجار.

(3)
انتصار القوى الشعبية والوطنية في معركة التبغ [1890- 1893م]، والمنسوب أدبيا للملالي، سوّغه الملالي نضجا لقدراتهم الديماغوجية في قيادة السياسة على ثلاثة مستويات..
1- مواجهة الحاكم المحلي.
2- مواجهة الطاغوت العالمي.
3- القدرة على تعبئة الناس وتوجيههم، كقوة سياسية ضاغظة، وقوة عسكرية قتالية، في خدمة الملالي.
وقد سبق القول، ان هروب كليرك ايران الى العراق، كان انتقالهم من ساحة قتالية/ جهادية، إلى ساحة كولونيالية، امتداد وترسيخ للأولى. وهكذا يعيدون استنساخ أدائهم الوطني، أو تجديده ونشره في العراق، (أو العكس أيضا). وقد تكرّر ذلك مع الشيرازي والكاشاني والخميني من مشاهيرهم.
الانجليز ليسوا قتاليين وحدّيين، وانما يعتمدون على الحيلة والدبلوماسية والوساطة والطرق غير المباشرة، للحصول على أكبر المكاسب بأقل التكاليف، كما وصفهم جمال الأفغاني [1838- 1897م]. وقد سبق للانجليز تسخير كريم زند [1705- 1779م] لخدمة املاءاتهم، دون تدخل مباشر في المنطقة.
ولم يدخل الانجليز في مواجهة عسكرية مع ايران في معركة التبغ، وانما لعبت التجارة الرأسمالية الاحتكارية، دور السيادة الامبراطورية الفكتورية [1937- 1901م]، في استنساخ عادي ، للسيادة الانجليزية التجارية الاحتكارية في الهند. ولم تخسر انجلتره في صفقة التبغ، فقد حصلت على ضمانات مجزية، لقاء نقض الصفقة من جانب واحد.
ولكن الخاسر كان سلطة ناصر شاه والدولة الايرانية والشعب الايراني، الذين تكلفوا فواتير تسديد مبلغ الغرامة والتعويض. والمنتصر الوهمي الوحيد، هو فتاوي الملالي. ذلك الذي ينوء الشعب الايراني ورديفه من عراقيين وسواهم، لليوم.
وقد وفرت ظروف الاحتلال الانجليزي للعراق، فرصة بخسة أمام الملالي، لإعادة اختبار عضلاتهم، في تعبئة وتسخير الجماهير من جهة، ومنابزة الطاغوت الانجليزي من جهة ثانية. وما ذلك، إلا تكرار اعتلاج (فرية) جديدة، تجعل الغوغاء تعدو وراءها، حتى ينقطع نفسها. وذلك ماحصل.
وهنا نستعيد مقولة ماركس: (ان التاريخ إذا تكرر، فأنه يكون في صورة مهزلة). هذا يلخص دور الملالي في (ثورة) العشرين في جنوب العراق. هذا ما يفسر أيضا، منافسة الاقطاع الملائي، للحركات الوطنية العلمانية، والقوى العشائرية المدافعة عن أرضها.
بشكل واهن وهجين، اعتبر الملالي أنفسهم، العقل المفكر والمدبر، للعشائر البدوية اللقاحية الأصل، تلك العَصيّة على الطاعة والخضوع. ومن الغريب والمستهجن، أن تبلع عشائر عربية الأصول والنصول، تلك المزحة/( اسحق نقاش-شيعة العراق). لقد قدّموا أنفسهم لزعماء العشائر، بمثابة باعة صكوك الغفران [1215- 1530م]/ الكاثوليكية سيئة الصيت.
الفتاوي لم تكن أساس حركات العصيان والمقاومة في الجنوب، وانما كانت لاحقة ومتأخرة عنها بكثير، ومدفوعة من طابور المنافقين والمتلاعبين بالناس والوطن. والحشود والمهرجانات التي قادها المثقفون العلمانيون في ساحة الحيدرخانه من بغداد، لم يكونوا ببغاوات فتاوي، ولا وكلاء ملالي.
لكن، التطبيق العراقي لقيادات الملالي، لم يشق وحدة الجهد والوطنية العراقية، انما أصاب الملالي أنفسهم بالتشقق والتناحر الداخلي. فتعددت الفتاوي، وتعدّدت المراجع، واختلفت الاتجاهات. ومن يتحدث عن فتاوي المقاومة، عليه أن لا يهمل/ يتناسى، فتاوي النكوص والخضوع للاحتلال، والتعاون مع سلطات الغزو.
لا يوجد كتاب عراقي، تناول ثورة العشرين، أو أعمال المقاومة ضد الاحتلال الانجليزي، أشاد بالمواقف الوطنية والعلمانية، ولكن الغالبية طبّلت بالدور الوهمي للملالي، من أصول عراقية عراقية أو ايرانية. وفي ظل مرحلة الخنوع الراهن، ووقوع حكم العراق بيد ايران ووكلائها، زاد معيار المغالاة في دور ملالي ايران، وأفضالهم الوهمية على العراق.
من هذا المنظور/(ضدّ الصدّ)، فأن المغالاة في الافتراء والكذب، ينفي جوهر الشيء.
والمغالاة والمتاجرة في ما يسمى (ثورة) العشرين، ينفيها أصلا، ويحيل ما حدث يومها، إلى أعمال سلب ونهب وممارسات وحشية فوضوية، مما تقوم به جماعات البادية على سكان الحواضر والمدن.
بل أن تلك التسلكات الأناركية غير المنظمة، بقدر ما خدمت سلطات الاحتلال، والخنوع لتعليماتها، فقد أساءت للمقاومة الوطنية الشريفة المنظمة في أقاليم أخرى من العراق.
ولعلّ تلك الصورة، تقرّب ما حصل في مواجهة الاحتلال الامريكي[2013- 2011م]، عندما تم توريد مأفيات همجية غير منضبطة، وزجها في صفوف أعمال المقاومة الوطنية الشريفة، وتعميم صفة الوحشية والهمجية على جملة العمل الوطني المقاوم.
والذي يلخّصه النظام السياسي والاداري الحاكم والمنظومة الاعلامية، بكلمة واحدة: [داعش]. وما ادراك ما [داعش]!.. ومن وراءها..
لكن التاريخ، لابدّ أن يكشف قريبا، حقائق ما حصل، وطبيعة الأصابع والدّسائس، التي ما قصّرت في خدمة الاحتلال، والسمسرة بالبلاد والعباد؛ وانما بذلت وسعها، لتزوير تاريخ الوقائع، وتسقيط العراق والشخصية العراقية، أدبيا وأخلاقيا.
المناوئة الايرانية للانجليز، هو في نفس الوقت، عنوان ومبرر المغازلة الايرانية للروس/(عدوّ عدوّي).
ورغم عدم انكشاف تاريخ العلاقات الايرانية الروسية والسوفيتية بشكل واف، عدا القليل مما كشفته دوائر روسية/ سوفيتية في مجاله، فقد مارست ايران الضرب على وتر الروس منذ العهد الغجري، سواء طلبا للحماية، أو وسيلة لاستفزاز الغرابوة، والحصول على مكاسب وقروض مستعجلة.
وسؤالنا اليوم، بعد مرور قرن على ثورة العشرين، هو ما هي القيمة الفعلية لعملياتها، وما هو المكسب الوطني الشعبي الذي تكللت عنه؟.. بالتأكيد ليس الدولة، ولا حكمة فيصل. والحديث وارد..
لم تؤثر غمليات الثورة المزعومة، إلا سلبا على حال العراق، وأوضاعه التي ما كانت بتلك السوء من قبل، مقارنة بالفوضى والفساد والوحشية التي أسفرت عنها في مناطق الجنوب.
وفي النتيجة، فأن رسالة الملالي إلى موسكو، كانت فاقدة لمبرراتها ، لكونها لم تتضمن أي مطالبة أو موقف، بقدر تحية الثورة الروسية ومباركتها والتهليل للينين كقائد اسلامي، مأخوذ باستعادة مجد الاسلام، وصون الخلافة المطوطحة في الأستانة. ولابدّ له بالمناسبة، من اعلان اسلامه، وضمان فوزه بالحوريّات، إلى جانب الملالي، ومن فضلهم.
لقد كان مقدّرا، لرسالة من هذا القبيل، أن يكون لها شأن آخر، لو صدرت من جهات وطنية مثقفة واعية، لفعلها ولظروف تلك المرحلة. لكن تشتت الجهد السياسي، والتعمّد في شرذمته، وتمزيقه، أمس كما اليوم؛ أفرغ تلك المحاولة والمناسبة، من قيمتها الحقيقية. وساهم في تقديم العراق لقمة سائغة ورخيصة في بلعوم الأحنبي، أمس كما اليوم أيضا.
وإلا.. فعلى المطبّلين، أن يوضحوا للملأ، الفضائل الباطنية الخفية، لثورة الملالي الوهمية في العراق.
(يتبع..)