تفكيك العنف وأدواته.. (31)

وديع العبيدي
2019 / 7 / 4

وديع العبيدي
تفكيك العنف وأدواته..(31)
السّلطة.. المطبخ..
(1)
المرأة الأمّ..
من القصص المتكررة في التاريخ السياسي، تولية أمراء قاصرين الحكم، تحت وصاية أمهاتهم. وغالبا ما يشهد حكم القاصرين نجاحات ومنجزات عظيمة. بل أن الملك القاصر، يقود معارك عسكرية أو سياسية ويتولى اصدار تشريعات أساسية وحاسمة، تؤسس لعهد من السلام والنجاح والاسقرار الطويل.
تفسير ذلك هو عامل مضاعَف، يتجسّد في شخص الأمّ.
ان وقوف الأم إلى يمين ابنها، يمنحه خصائص رجولية ناضجة، حتى لو كان دون ذلك بيولوجيا. هذا من جانب الملك. أما من جانب الأم، فأنها تصدر عن عقلية وطبيعة وخبرة أمومية متراكمة، بكلّ اخلاص واتقان، لتضعها في يد ابنها.
الرجل يتحدث مع ابنه، حديث رجل لرجل، كما لو كانا في ساحة حرب. الأم تتحدث مع ابنها، حديث أمّ مع وليدها. صحيح أنها لا تأخذه في حضنها، أو تستلقي إلى جانبه؛ لكنها تتحدث معه وهي تقدم له شاي الصباح أو تغطيه عند ذهابه للنوم، أو حين تتفقده آناء الليل والنهار، لتستطلع مزاجه.
حديث الأمّ هو حديث امرأة في الأصل؛ لكن الأم ليست أيّ امرأة: انها بضعة منه، وهو بضعة منها. هي الكلّ عنده، وهو الجزء المشتاق دائما للالتحام بأصله. لا شك أن كلا منا، كل فرد، لديه هذا الحنين العضوي النفسي والروحي والفكري الدائم، للعودة إلى الهيولي الذي نفاه خارجا.
هذا الحنين الذي تترجمه العاطفة الانسانية، و[العاطفة = مشاعر + عطف]، وما ترتب عليها من انتاج أدبي وثقافي. والانسان دائم التذكر لأمه، حتى لو كانت قاسية أو سيئة، في صورة ما. وكما أن الأم ترى ابنها في شق القمر، يرى الأبن أمه أجمل الجميلات وأرهف الحبيبات. ذلك هو اصدار العقل الباطن، وليس الخيار الارادي.
قد يعامل المرء زوجه بطريقة رسمية، لكنه لا يستطيع معاملة أمّه، إلا بطريقة حميمة يسودها الشعور والعاطفة. الأم جزء من العالم/ التكوين الداخلي للشخصية. أنها السكنى والملجأ الآمن، الذي يدخله الشخص آمنا مستسلما، دخول الفردوس. يشكّ المرء في العال كلّه، كلّ ما هو خارجي، إلا الأمّ.
وفي اللحظة التي تتعثر العلاقة بين الأبن وأمّه، تنقلب شخصية الأبن، ويضطرب النظام العام والمنظومة الداخلية للملك. كما حصل مع نيرو [37/ 54- 68م]، أو عقدة أوديب/(429 ق. م.)*. وتلك الخصوصية التي طبعت حكاما تميزوا بالقوة أو النجاح أو القسوة المتطرفة.
وفي منطوقنا الشعبي يقال: (يا بعد عمري، يا بعد أبوي)، لكن لا يقال (يا بعد أمي)!. فالأم لها منزلة روحية سماوية، لا يمكن تعويضها أو استحلالها أو استبدالها بآخر. وفي الحديث: [أماك ثم أمك ثم أمك، ثم أبوك]. سريرة كلّ رجل،الاخلاص لأمّه، وأن يحظى بامرأة، لها صفات أمّه.
فكرة الزواج، ليست المعنى والسياق السائد، انما، استكمال دور الأمّ من خلال الزوجة. والأصل في الزواج، أن يتمّ قبل نهاية سن المراهقة. فالمراهقة، هي مرحلة انتقالية، من رعاية الأم، إلى رعاية الزوجة. أما تأخر زواج الرجل، فتترتب عليه تبعات نفسية وجسمية وفكرية، تنعكس سلبا على حياة الفرد وعلاقاته بالاخرين.
وما الفوضى والاضطرابات المتزايدة، غير آثار انحراف العلاقة الاموية/ الزوجية.
ولكي لا يرسل الكلام عفوا، فأين هي المرأة التي تستحق/ تستطيع أن تاخذ مكانة الأمّ الكبيرة. أي امرأة تقبل أن تكون مرآة سواها.. ان الزوجة تأنف من تقمص دور، أو تكون مجرد قائمة أعمال. وفي مثل ذلك يقول الحكيم سليمان: (بين ألف من الرجال وجدت واحدا، وبين كلّ النساء لم أجد واحدة. المرأة الفاضلة أين تجدها!.. ان ثمنها يفوق اللآلئ والكنوز).
هذا الغرور بالحياة العصرية، والعلاقات المدنية والمرأة المتحررة، وكل طائلة الحقوق والشعارات والمفاهيم، الأوربية والغربوية المتزايدة والمتطرفة اليوم، هو صنابير سقوط البشرية، وانتهاء مجتمعات التمدن والتحضر الحقيقي.
حضارتنا هي ضدّ الحضارة الحقيقية. وتمدننا هو ضدّ المدنية الحقيقية. ثقافتنا لا تستحق أن تدعى ثقافة. وحاضرنا ليس امتدادا شرعيا ومنطقيا، لحياة أجدادنا وأسلافنا. ومستقبلنا هو الجحيم الموصوف بيوم القيامة.
لكن الانسان الفرد، جرى الاستفراد به، تحت هيمنة أنظمة التعليم والمناهج التربوية السياسية المؤدلجة من قبل، والمعولمة اليوم. حيث بجبر الاطفال على ابتلاع أدوية وعقاقير وأغذية وأعاصير وقصص ومناهج وطرائق تربية وتعليم وتحشيش ذهني ونفسي، في سن غير قادرة على حماية أنفسهم، أو التعبير عن إرادتهم في الاختيار.
علينا أن نصحو وننتبه، كآباء ومرشدين وأفراد، نتهم أنفسنا بالوعي والثقافة والمسؤولية الاجتماعية والتاريخية؛ أن أطفالنا ليسوا أطفالنا/(جبران)؛ أن أطفالنا هم أطفال المؤسسة التربوية، والمناهج التعليمية الرسمية، التي تضعها الدولة والحزب والايديولوجيا، بما يجعل منهم موظفين ومنفذين، وحرس وعساكر ومستشارين عبيد، في خدمة الملكة/الدولة.
بكلمة واحدة، ضعف والتغاء علاقة الوالدين بالطفل، في المنظور الغربي للتربية. فمنذ سني الروضة، يتم تلقين الطفل أنه كائن مستقل، ولا يحق لأحد أن يتدخل، في أموره أو يفرض عليه شيئا. بل هو مستقل عن والديه، ولا يفترض أن يقلدهما فيما يعملانه، أو ينهجان فيه، إذا كان مخالفا لمنهج المدرسة.
وأحيانا، تتخذ المدرسة ذريعة سهلة لفصل الطفل عن والديه، هي تهمة ضعف استيعاب الطفل للدروس، أو ضعف مستواه في تعلم لغة البلاد الرسمية، أو ضبط مخارج حروفها.
والسبب في نظرهم، ان ازدواجية اللغة، تعرقل الذهن وتششته عن الاستيعاب. والحلّ، توقف الوالدين عن التحدث مع الطفل بلغتهما الوطنية، واستخدام اللغة الاجنبية في محادثة الطفل. وأحيانا يتم الايعاز بمنع المحادثة أمام الطفل باللغة القومية، حتى يتحسن وضع االطفل الدراسي والنفسي.
ان الطفل المفصول عن شخصية ذويه، وعاطفة والدته القومية، ينشأ متوترا، يعيش نقصا عاطفيا ونفسيا في داخله. وقد يكون هذا الداخل هو لاوعيه/(وعيه الباطني). والنقص الداخلي هو حاضنة العنف والجفاف والانانية ومختلف الأمراض النفسية والسلوكية.
العلاج الغربي هو تعويض النقص العائلي بالعمل. الوظيفة هي العائلة وهي الجوّ العائلي، بل هي أهمّ شيء في ترببة الفرد الرأسمالي. وهذا الحديث موثق بالقانون وقانون العقوبات. فالمخالفة تعني إحالة ملف الطفل للبلدية، القسم المختص بالتعليم أو الرعاية الاجتماعية، وهو مسمى يناقض جوهره.
وعندها، تتولى دائرة رعاية البلدية، التكفل بحضانة الطفل والاشراف على حياته ودراسته، وتأشير نقاط سلبية في سجل الوالدين، بحيث يصعب استعادته، عندما يكبر ويتجاوز تلك المرحلة. فضلا عما يترتب على نفسية الطفل ومشاعره، وما يخالجه من حقد، سواء ضدّ والديه، أو عائلته الجديدة.
والأصل الذي نعنيه هنا، هو أصالة التفاعلية الأموية في حياة الطفل، والتي تكفل له التفوق والنجاح، والحظ أيضا.
ان حياة عائلية وتنشئة أسرية صحيّة لائقة، بالمنظور الطبيعي والمنطقي، غير متيسّرة حاليا، في ضوء التشريعات الغربية الحديثة، والتي تهدد مفاهيم وأوضاع العائلة وعلاقاتها الأسرية السليمة. والعلاج في أبسط تعبير، العودة إلى النظام الاجتماعي القديم، واستعادة مفاهيم العائلة وقدسية الروابط الأسرية ، وهي الأساس الحقيقي/(غير المزوّر) لبناء مجتمع وطني/ انساني سليم.
أما رأس البلاء، فهو ظهور ثقافة الحداثة والمدنية الأوربية، التي سخرت كلّ شيء، البلاد والعباد، المادة والبشر، من أجل دولة الملك، وهذا هو جوهر وإطار النظام/ المنظومة الرأسمالية، التي تقدس إلها، يدعى (المال)!.
فليحيا الانسان....
ويسقط المال ورأس المال، وكلّ ما وراءهما!.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* أوديب ملكا- مسرحية اغريقية من تأليف سوفوكليس [496- 405 ق. م.]، وهي أحد سبعة أعمال خلدت من أصل (123) مسرحية كتبها خلال حياته. سوفوكليس كان أحد ثلاثة/(أوسطهم تاريخا)، بين أسخيلوس ويوربيدس، من عظماء التراجيديا الاثنية والعالمية على الاطلاق. فضلا عن الشعر والمسرح، كان سوفوكليس مفكرا، خطيبا فيلسوفا، معاصرا لأيام سقراط وأفلاطون وهيرودت وارسطوفانيس. كما شغل مناصب سياسية وعسكرية عليا في الدولة منها وزير الخزانة وقائد الجيش، كما كان تقيا مخلصا، وقد جعل بيته، مركزا للعبادة. من مسرحياته الأخرى: انتيجون، الكترا،

(2)
المطبخ..
المطبخ أساس البيت، وأهم أركانه. بل المطبخ ركن أساسي في كل شركة ومصنع ودائرة ومتجر.
فالوضع السليم، ان كلّ مكان فوق الأرض، ينبغي أن يعتمد نموذج (البيت العائلي)، أساسا وإطارا، لتوفير حياة ونظام عمل اجتماعي ناجح ومنتج. ومن غير نظام اجتماعي سليم ومتكامل داخل المدرسة، الدائرة، الشركة، لن يخلو جوّ العمل من الارتباك والتلوث والأزمات.
المطبخ ليس مكانا، الطبخ ذهنية/ عقلية/ طريقة تفكير شمولية وعملية في آن. كيف تفكر في الحاضر، ولا تنسى المستقبل. كيف تفكر في الداخل، ولا تنسى الخارج. كيف تفكر في الضرورات، ولا تنسى الطوارئ. كيف تفكر في الحسنات، ولا تنسى السيئات......الخ.
البعض يعتبر الحداثة نموذجا في كل شيء جيد وصحيح. ويسمي خلافها بالتقليدي أو الشرقي ـ السلفي!.. وهو حكم جنائي مغرور وموتور، وقد توفرت البشرية على اختبارات كثيرة وكافية، لتدرك خطله. مآسينا وكوارثنا الراهنة، هي نتائج مباشرة للنزعة التدميرية واسس التفكير المشوّهة، لما عرف بالحداثة.
مشكلة الحداثة، هو وقوعها تحت هيمنة الدولة/(الملك)، كما في بريطانيا. مشكلة الحداثة، هو في وقوعها تحت هيمنة الرأسمالية/الامبريالية، كما في الولايات المتحدة الأميركية.
ومن غرائب التغريب، أن يخلط كتاب اليوم، بين الحداثة الفرنسية والحداثة الأميركية، بين الحداثة الالمانية والحداثة الانجليزية، بين الحداثة الغربية والحداثة الروسية. ان كل حداثة مشروع قائم بذاته. الحداثة ارتطمت بتنامي دور الدولة الأوربية، وغالبا، وقعت ضحيتها. الحداثة يقودها ويصنعها الفلاسفة والمفكرون الأحرار، وليس الساسة ورجال الدين والمال.
فكما يوجد تقسيم اقطاعي/ شعبي، عقلي/ ديني، صالح/ طالح، علينا حماية العقل العقلي والانساني بيد الفلاسفة. بيكون نفسه قال: نحتاج فيلسوفا يكون ملكا، ولا نحتاج ملكا يصادر الفلسفة. الفلسفة التي وضع أسسها افلاطون في جمهوريته، ينبغي أن تبقى، وتستمر، وتصان. الفلسفة هي أساس السلطة ومستقبل المجتمع، وليس العكس.
عندما توضع الفلسفة والفكر والعقل، عند أقدام الملوك والزعماء، لا تبقى فلسفة ولا دولة ولا مجتمع، وانما تتحول إلى مغامرة ومزاودة وانحطاط. في كل تاريخ روما كان ثمة امبراطور واحد ، يوصف بالفيلسوف*/(على مدى خمسة عشر قرنا).
تاريخيا، أسست المرأة فكرة (التوطن) و(السكنى). وتجهيز التوطن والسكنى، بما يحتاجه من عناصر القوت والمعيشة والنظافة والنظام والأمن. المرأة: (ستّ البيت)*، هي الشخصية التي تقود سفينة العائلة، هي ربّة الاقتصاد المنزلي، وربّة الاقتصاد المنزلي، وهي ربّة الاقتصاد الوطني.
يختلف عمل المطبخ عن أي عمل آخر، ذلك إذا عرفنا أن وظيفة المطبخ ليست الطبخ فحسب. وأنما هي داينمو البيت/ العائلة، ومعيار تفاضلهما من عدمهما. العائلة الناجحة والبيت الناجح، أساسه : أدارة مطبخية ناجحة.
المطبخ المنظم يعني بيتا منظما. الادارة المطبخية الصائبة، تعني ادارة منزلية موفقة. التكامل المطبخي الغذائي والتقني والذوقي، يعني المنزل المثالي الشمولي. ان جزء من صيرورة الانحراف البشري، هو انتقال السلطة من يد المرأة، إلى يد الرجل، مهما كانت المبررات.
وأنا لا آخذ بعقدة النظام الأبوي*/ الذكوري/ الاقطاعي، التي أفرزتها ثقافة عصر النهضة الأوربية، للتكفير عن عقدة احتقار الانثى ومحارق النساء الكنسية، التي ربطت الانثى بالشيطان. والضدّ يولد الضدّ. فانحاز أعداء الكنيسة لتبجيل الانثى بشكل متطرف، حدّ تجريم الرجل. ووصفه بالاقطاعي المتسلط، والذكر المغرور بفحولته.
لهذا ينبفي علينا، كشرق، أن نكون حذرين، فلا نحمّل أنفسنا أوزار الآخرين، ولا نفرض على حواسنا، تسويغ روائح المطبخ الغربي، المختلف في أسسه وتطوره التاريخي وأغراضه. الشرق هو وريث المطبخ النباتي، والغرب وريث المطبخ الحيواني. الأوربي يفطر لحم وسجق، ويتغدى ويتعشى بها، أو بصنف آخر من اللحوم.
أما نحن فلا نتقبل اللحم الكثير في الطعام، ولا نستغني عن الخبز والرز. فاللحم ليس من أركان الطبخ الشرقي. وكان دخوله من خلال المناسبات الدينية وفي أوقات متباعدة من العام. وما زالت مناسباتنا الدينية والوطنية، تشهد ولائم عامة/ شعبية، يشترك فيها الناس في تناول اللحوم/(لغرض الأجر والثواب)، لكنها لم تعرف منزليا في الأصل. وعندما تطبعها الناس، بقيت في حدود المناسبات والمواعيد الدورية.
الطعام له أثر بيولوجي نفسي وذهني، في تشكيل طبائع الأفراد وتسلكاتهم الغريزية والاجتماعية. فضلا عن الأعراض المرضية، وما يتخللها من مضاهر نفسية وذهنية. وبتلخيص مفيد: تحفز أطعمة اللحوم، النزعات والغرائز الشريرة والعدوانية لدى الفرد.
وكلما زاد الشخص نهما وشراهة لحمية، ازداد عنفا وعدوانية، وهو ما يميز الجماعات الأوربية، ونزعتها العدوانية المتأججة، واندفاعهم في كلّ صوب، تنفيسا للعنف الداخلي. ومن الطبيعي، أن تتحذ من الجماعات البدائية والضعيفة، عديمة الدول والجيوش، عدوّا وهميا، تفرغ فيها وحشيتها.
فقد تجنب الغرب الأوربي الصدام العسكري المباشر، مع الروس والصين واليابان وحتى العثمانيين. فيما بالغ وامتط وتمطى، في احتلال استراليا ونيوزيلنده وعموم جنوبي شرق أسيا والعالم العربي، وصولا إلى أفريقيا وأميركا اللاتينية. فامبراطورية فكتوريا العظيمة، قامت على محاربة طواحين الهواء، فزاد الانجليز انتفاخا.
ولذا أدعو العدوان الأوربي والغربي، بالعدوان الجبان. وهو ينطبق -ايضا- على الجيش الأمريكي، الذي يهاجم البلدان بالطائرات والصواريخ/(عن بعد/ من فوق)، كما فعل في اليابان وفيتنام وكوريا والعراق.
المطبخ ليس ميدان المرأة وووطنها، وانما هو محور انشغالها الدائم. المطبخ هو أرشيف مكتبة متكاملة، تضمّ كلّ ما يمكن احتياجه خلال عمليات الطبخ، سواء لتلبية الغذاء الأساسي، أو متطلبات الراحة والهدوء، عند مشاهدة التلفاز، أو استضافة أصدقاء، أو الجلوس في الحديقة.
المسؤول عن توفير تلك المتطلبات، على المدى البعيد، هي الأمّ، أمّ العائلة وأم البيت، وأمّ المطبخ. المرأة في البيت، تعمل لوحدها بمثابة خلية نحل متكاملة. ولا يفتكر أحد أعضاء البيت في وجود شيء من عدمه. لكنه يسعى للطعام عند عودته من المدرية أو العمل.
المرأة العاملة/ الموظفة ، تقوم بإعداد الطعام قبل خروجها للعمل. وعند عودتها تتجه لمتابعة نظام البيت ونظافة المطبخ، واستكمال الاحتياجات. فالبيت، ليس أقل من معمل أو دائرة، بما تقتضيه من إدارة وتنظيم واقتصاد وعمل ومتابعة، وتفكير شامل به طيلة النهار، فضلا عن احتياجات الغد، والتهيؤ لمتطلبات المناسبات.
لهذا يختلف تفكير المرأة عن تفكير الرجل. تختلف طريقة تفكير المرأة عنها لدى الرجل. تختلف اهتمامات المرأة عن اهتمامات الرجل. وهذا ما يعود إلى صلة الدولة بالمطبخ. أهمية فن إدارة المطبخ في طرق إدارة الدولة والحكومة.
على رئيس الدولة/ الحكومة أن يعرف كيف يفكر بعقلية أمّ المطبخ.
الدولة لا توجد للحظة، ولا تراد لمواجهة موقف بعينه، ولا هي تخص فردا أو جماعة محددة؛ لا، انها توجد لتبقى، وتكون قوية ومتكاملة في كلّ ظرف وموقف، ولصالح كلّ المجتمع والمحيط الاقليمي والعالمي. وهذا يتطلب امكانية التفكير في أكثر من اتجاه وموضوع وطريقة في وقت واحد.
ان السلطة القوية والمتينة، ليس قوية بجيشها، أو حكومتها، أو زعيمها. انما هي قوية بطاقم مطبخها المتكامل والمتوفر على كلّ الامكانات والخبرات، وتقنيات الحركة والتصرف المناسب.
قبل انشاء دولة، تحتاج إلى دائرة معلومات وتغذية شمولية مستمرة. لا تحتاج إلى موظفين وعمال وجنود ومستشارين قيد الخدمة. تحتاج لطاقم خبير ومتخصص ومتنوع الامكانات وطرائق التفكير، على أهبة الاستعداد/(في طور الاحتياط)، يراقب ما يجري داخليا وخارجيا، ويعد خططه ولوازمه وستراتيجياته الكاملة، ويعرضها أمام جهة معنية في البرلمان، أو مجلس الأمن القومي.
وعندما تطرأ أزمة، تغفل عنها الحكومة، أو يسيئ أحد التصرف، يكون التصرف البديل حاضرا، ويتولى تجاوز العيب الطارئ. عندما تفشل وجبة الرز، ثمة (المعكرونا) الجاهزة. عندما يذهب وفد للتفاوض مع طرف في الغرب، يكون ثمة وفد يقوم بنفس المهمة مع طرف مختلف، وبطريقة تختلف، ولنفس الغرض الستراتيجي.
عندما ينجح الوفد الأول، فثمة عمل يسنده ويطوره. وعندما يفشل الوفد الأول، ثمة عمل يعوضه. لا تضع بيضك في (سلّة واحدة). لا تذهب إلى المفاوضات، كأنك ذاهب للقاء فتاة معجبة بك،
في مفاوضة واحدة، ترسل ثلاثة وفود في ثلاثة اتجاهات، للحصول على حق مناقصة واحدة، واحرص أن لا تتشابه الاتجاهات ولا يجمع بينها شيء، وتجنب في ذلك كبار السماسرة والمهرجين منهم. الصين أفضل من روسيا، وألمانيا أفضل من فرنسا، وانجلتره افضل من الولايات المتحدة.
مواجهة قط صغير أفضل من ابتلاعك من قبل حوت، لا يترك لك بصيص أمل.
من قال أن أسلحتك يجب أن تكون أميركية كلها؟.
ألا تعرف أن الرشاشة التشيكية أفضل من الأميركية، والطائرات الفرنسية أفضل من الأمريكية.
والمؤكد أن أسلحة هندية أو باكستانية، أفضل من الغربية.
ما ينطبق على الأسلحة يصحّ على الأطعمة والعجلات. وما يصحّ على المواد يصحّ على الأفكار والتقنيات والأساليب.
كل البلاد العربية تجترّ هاته الأخطاء، وهي مستعدة لاستيراد الحليب من شيكاغو، والخبز من تكساس.
وبعدما أتخمت مخازنها من السلاح والغذاء الأمريكي، تحولت إلى محمية أميركية ذليلة، والحليم بالاشارة يفهم.
ألا توجد دولة مجاورة أقرب من المريخ، تزودك باكسسوارات الأفلام. لماذا لا تشجع مصر فلاحي المغرب؟.. ولماذا لا يدعم الخليج محيطه الاقليمي العربي؟..
ماذا عن تكاليف النقل والتسويق ووكالات الاعلان والترجمة. التعامل الاقتصادي الداخلي/(العربي) سيخفض التكاليف إلى النصف، وسيوطد شعبية المنتوج العربي، وبالنتيجة سوف ستتوطد الاقتصادات المحلية العربية، ويتوطد الموقع السياسي للحكومات، وسوف تتحسن العلاقات السياسيية بين العرب، لدخول الاقتصاد والثقافة كعوامل داعمة.
لتتعلم الحكومات العربية من مشاوير المرأة في التسوق، والتجهيز للمناسبات. معقولية الاسعار مع رخص تكاليف الرحلة. استهدام الباص في المشاوير البعيدة، أفضل من العربة الخاصة، أو ايجار تاكسي، في تبضع حاجات كمالية. للمرأة حكمة اقتصادية في التعامل في الماديات وحاجات المنزل والتعقل في العملة، أفضل من الرجل.
بامكان السعودية تغذية السوق اليمنية بالسلع الغذائية والتقنية التي يحتاجها أهل اليمن، وتشتي بالمقابل منتجات اليمن، وبأسعار مدعومة، لتأسيس علاقات تجارية بين البلدين، تكون قاعدة لعلاقات دبلوماسية وشعبية أخوية، توطد الأمن الاقليمي والوحدة الاجتماعية الثقافية، وليس العكس.
العربي لا يهزم عربيا، حتى في كرة القدم. وكلّ هزيمة هزيمة للجميع، بضمنهم المنتصر ميدانيا. وكلّ حرب، هي كارثة عربية اقليمية، حتى لو كان البلد الفلاني، خارج الدائرة، أو ضمن الغانمين. انظر كيف تفكر أوربا بعقل مشترك. كلّ بلد يشمل الآخرين في جواره الاقليمي.
حروب العراق لم تكن حروبا عراقية، وانما حروبا عربية قومية. حتى حرب الكويت، بغض النظر عن تفاضيلها الغامضة، هي حرب قومية. لكن الاداء العربي كان مضطربا، بعضه ضدّ البعض. ورغم وقوف العرب ضدّ العراق، فالمهزوم هم العرب. غياب العراق، خسارة للعرب. وهذا ما يكشفه اضطراب أوضاع الشرق العربي، وتفكك الأمن والوحدة الخليجية.
وايران والغرب اللذان كانا يهددان العراق/(جبهة الصمود)، يهددان اليوم منطقة الخليج والسعودية، على أرض عارية، وبلا غطاء. اميركا على البعد، تبتزّ العرب، والغرب يسمسر ببيع انواع الأسلحة المستهلكة، وايران ترسل وطاويطها في بلاد العرب، وتنشر التشيع والتفريس، وسط انشغال العرب بأزمات غياب الحكمة.
واليوم، كل بلد عربي منقسم إلى أكثر من رأي وأكثر من قيادة وأكثر من حكومة، تناقض كل منها الأخرى، وتنافق الواحدة منها الثانية. وعندما كان طارق عزيز يفاوض بيكر في جنيف، كان الجواسيس العراقيون يقفون إلى جانب أميركا في قضية الحصار والعقوبات وفرق التفتيش.
عندما كان العراق في حرب ضد تصدير الثورة الايرانية، كانت طوابير عراقية تهرب من العراق ومن الجيش وتلتحق بالجيش الشعبي الايراني، الذي يقوده الملالي وضباط المخابرات، ويحاربون ضدّ وطنهم وأبناء وطنهم، تحت عنوان معارضة النظام. هكذا تكون المعارضة التخريبية، وإلا فلا. واليوم، هؤلاء في الحكم، نكاية بالعراق وأهل العراق. انهم فرحون بسقوط العراق ونظام شوكته وانكسار مجتمعه، لتقوية أمن وحصانة اسرائيل.
انظر لهم يحتفلون ويعيثون نهبا وسلبا في بلد هو بلدهم الأم، قبل خيانتهم له. يخدعون أنفسهم بترهات المزاعم، ويتسلحون بفتاوي الملالي، ولا يعرفون أن العالم يراقبهم، وان العالم يعزلهم خارج لياقته، وأنهم لم يغنموا العراق، لا في حرب الثمانينيات، ولا في سقوط حكم البعث، ولا في تحرير داعش.
اذا كان سقوط صدام ونظامه، سقوطا عراقيا؛ فأن سقوط العراق، ليس سقوطا للعراقيين، فحسب، انما سقوط المنافقين الذين حفروا لسقوطه. العراق عندما يسقط، يسقط الجميع. وعندما يزدهر، يزهو الجميع. معادلة لم يدركها المحيط الاقليمي.
الوحيد الخاسر في سباق المهاترات السياسية، هم الناس، المجتمعات. أولئك المتخَذين ذريعة، ومادة للسمسرة والرياء السياسي، باسم الفقراء والمستضعَفين والكادحين.
المطبخ، يجب أن مطبخا وطنيا: مصريا. عراقيا. سوريا. لبنانيا. فلسطينيا... الخ. لماذا تطبخ سوريا للبنان؟.. وتطبخ ايران للعراق؟.. وتطبخ السعودية لليمن وسوريا؟.. ولماذا تطبخ مصر لليبيا والسودان؟..
مطبخك في بيتك. والشاطر هو من يشبع بطنه وشعبه، دون القرصنة على مخازن جيرانه، أو المتاجرة بالعرب ومصالحهم في لقاءات البيت الأبيض، فالسمسرة والنفاق، هو الشيء المتبقي للعرب من زوار البيت الأبيض.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* الامبراطور ماركوس أورليوس [121/ 161- 180م] امبراطور روماني قام بأعمال عظيمة، وهو آخر الاباطرة الجيدين الذين حكموا روما [96- 180م]، ومن أعماله: فرض الاستقرار في الشرق، وردّ النفوذ البارثي من سوريا، وفرض نفوذه على منطقة الخليج في عام (166م)، وارساله وفودا إلى الصين، وفي أوربا أبعد القبائل الجيرمانية على ضفاف الدانوب، نحو بلاد الغال. وهو ممن أرسل سفراء إلى بلاد الصين، وتوثيق الروابط بين أطراف العالم. وفي طرابلس العاصمة الليبية، ثمة (قوس ماركوس أوريليوس في حي باب البحر/ منطقة (ويات)، فضلا عن آثار رومانية أخرى في [شحات، صبراته، لبدة الكبرى]. قام ببيع ممتلكاته الخاصة، وتقليص انفاقه، لتخفيف محنة الشعب في مواجهة المجاعة، والتوسع في بناء المستسفيات ودور الرعاية. وهو في غيره، فيلسوف رواقي يعتقد بوجود (قوة كونية خيّرة) تحكم العالم، أفكار الرواقية في تناسق القوانين الطبيعية والأخلاقية، والعلاقة المتبادلة بين السماء والأرض. ما بين [170- 18م] كتب أورليوس (تأملات ماركوس أورليوس)، في أمور الحكم والادارة. وله مؤلف ضخم (تأملات) يضم (12) كتابا، يتضمن مفاهيم أخلاقية رواقية. ومن أفكار اوريليوس وتأملاته في الكون والحياة:
أن الفلسفة ليست وصفاً نظرياً للانهاية، بل هي مدرسة لتعليم الفضيلة وطريقة للحياة.
قلّما كان يشغل باله في البحث عن حقيقة الله، ولكنه يتحدث أحياناً كما يتحدث اللا أدريون..
فيعترف أنه لا يعرف، ولكنه بعد أن يعترف على نفسه، يقبل دين آبائه وأجداده بتقوى الرجل الساذج.
يسأل نفسه قائلاً: وماذا يعود علىّ من حياتي في عالم خالٍ من الآلهة ومن قوة تصرف شئونه؟.
وكان إذا تحدث عن (الله) تحدّث عنه تارةً بصيغة المفرد، وتارةً بصيغة الجمع.
يصلي ويقرّب القرابين للآلهة القدامى، ولكنه في خبيئة نفسه يؤمن بألوهية الكون، ويتأثر أشد التأثر بنظام العالم وكلمة الله فيه.
ويدرك كما الهندوس، ان الكون والإنسان، يعتمد كلّ منهما على الآخر.
يثير عجبه نمو الطفل من بذرة صغيرة، لا تلبث أن تتشكل فتكون لها أعضاء، وقوة، وعقل، وأماني، وكلّ ذلك بقليل من الطعام.
ويرى: أننا لو استطعنا أن نفهم الكون على حقيقته، لوجدنا فيه كلّ ما في الإنسان، من قوة خالقة مبدعة.
فيقول: إن الأشياء جميعها متشابكة بعضها ببعض، والرابطة التي بينها رابطة مقدسة....
وفي الأشياء العاقلة كلّها عقل مشترك، وثمة إله واحد، ومادة واحدة، وقانون واحد، وحقيقة واحدة، تسري في كلّ شيء... وهل يمكن أن يكون فيك أنت نظام واضح، وفي الكون كله اضطراب واختلال؟.
يعترف الفيلسوف بما يواجه الإنسان من صعوبة في التوفيق، بين الشر والألم والشقاء..
الذي يرى أن الإنسان لا يستحقه، وبين وجود قوة مدبرة خيّرة.
ولكنه يعقّب عليه بقوله: إننا لا نستطيع أن نحكم على موضع عنصر أو حادثة في نظام الأشياء..
إلا إذا رأينا هذه الأشياء كلها.
ومنذا الذي يدّعي أنه أوتي القدرة على أن ينظر إلى الأشياء هذه النظرة الجامعة؛ ويدرك علاقتها بعضها ببعض؟..
ولهذا يبدو من السخف والوقاحة، أن نحكم على العالم؛ إنما (الحكمة): في الاعتراف بعجزنا.
وفي العمل على أن نكون، أجزاء متناسقة مع النظام العام للكون. وأن نحاول استشفاف ما وراء فيزياء العالم من عقل.. وأن نتعاون معه راضين مختارين..
ومتى أدرك الإنسان هذه الفكرة، أدرك: أن العدل هو في كلّ ما يحدث!.
أي أنه يحدث بحسب منهج الطبيعة، ولا يمكن أن يحدث شيء بحسب منهج الطبيعة شراً.
كلّ شيء طبيعي جميل، في نظر من يفهم؛ وكلّ شيء يقرّه العقل العالمي العام، أي المنطق الكامن في جميع الأشياء..
وعلى كلّ جزء أن يرحب، في رضاء وابتهاج، بنصيبه المتواضع وبمصيره/(القناعة الشخصية).
و(الاتزان): هو: أن يقبل الإنسان طائعاً مختاراً، كلّ ما تحدّده طبيعة المجموع كله.).
كلّ ما يوائمني يوائمك.. أيّها الكون.
وليس شيء يحدث في الوقت الذي يناسبك، يحدث لي مبكراً عن موعده أو متأخراً عنه.
كلّ شيء تأتي به فصولك أيتها الطبيعة.. ثمرة ناضجة لي. كلّ الأشياء تصدر منك..
وكلّ الأشياء مستقرة فيك، وكلّ الأشياء عائدة إليك.
كلّ ما للمعرفة من قيمة، أنها أداة للحياة الصالحة.
ما الذي يرشد الإنسان ويهديه إذن؟.. لا شيء إلا الفلسفة..
-على أن لا تكون منطقاً أو علماً؛ بل تدريباً متصلاً على السّموّ الخلُقي دائماً: كنْ مستقيماً.. وإلا فلتُقوّم!.
ولقد وهب الله الإنسان ديموناً أو روحاً داخلية: هي عقله. والفضيلة هي حياة العقل.
تلك هي مباديء النفس العاقلة، وهي تسري في الكون كلّه.
تشرف على شكله، وتمتد إلى الأبدية، وتحتضن التجدّد الدّوري لجميع الأشياء.
وتدرك أن من سيخلفوننا، لن يروا شيئاً جديداً، وأن من سبقونا لم يروا أكثر مما رأينا.
بل إن من في الأربعين من عمره، إذا كان لديه شيء من الادراك..
قد رأى بطريقة ما، وبفضل هذه الوحدة المتناسقة، كلّ ما كان وما سيكون!.).
أن (مقدمات) ماركوس: تضطرّه أن يكون من المتزمتين، فيقول: (ليست اللذة طيبة أو نافعة).
وهو ينبذ الجسم وكلّ أعماله.
ألا فانظروا إلى حقارة الأشياء وسرعة فنائها.
إن ما كان بالأمس قطعة صغيرة، سيصبح غداً جثة أو رماداً....
وما أكثر شقاء الجسم الذي يجوز فيها!...
قلِّبها ظهراً لبطن تر أية حياة هي!.
والعقل في رأيه يجب أن يكون حصناً محرراً من الشهوات الجسمية، والغضب، والحقد..
ويجب أن يكون منهمكاً في عمله انهماكاً، لا يكاد يلحظ معه، تقلبات الحظوظ أو سهام العداوات.
إن قيمة كلّ إنسان تعدل بالضبط، قيمة ما يشغل به نفسه من الأشياء.
وهو يُسَلِّم كارهاً، بأنّ في هذا العالم أشراراً.
إن الطريقة التي يجب أن يتبعها الإنسان معهم، هي أن يذكر أنهم أيضاً بشر..
وأنهم ضحايا مهزومون ازاء أخطائهم التي ارتكبوها، مدفوعين بجبرية الحوادث والظروف.+++++++
وإذا أساء إليك إنسان، فالضرر واقع عليه، ومن واجبك أن تعفو عنه.
وإذا أحزنك وجود الأشرار من الناس، ففكّر في العدد الكثير من الأخبار الذين إلتقيت بهم..
وفيما يمتزج في الأخلاق غير الكاملة من فضائل كثيرة..
الناس كلّهم إخوة، أخياراً كانوا أو أشراراً، وكلّهم (أبناء الله): ينتسبون إليه.
الهمجي البشع نفسه، مواطن في الوطن العام، الذي ننتمي كلنا له.
فأنا بوصفي أورليوس تكون روما وطني، وبوصفي انساناً يكون وطني هو العالم كله..
تُرى.. هل هذه فلسفة خيالية غير عملية؟.. كلا. إن الأمر على عكس هذا تماماً..
ولا شيء أقوى أو أشدّ متعة من الفطرة الطيبة، إذا لازمها الاخلاص.
إن الرجل الصالح حقاً، لا تؤثر فيه مصائب الدهر. ومهما يُصِبْهُ من الشر لا يفصله عن نفسه.
هل هذا (الشر) الذي أصابك يمنعك أن تكون عادلاً، كريماً، معتدلاً، حصيف الرأي... متواضعاً، حراً؟...
ولنفرض أن الناس قد لعنوك، أو قتلوك، أو مزقوك إرباً!
فماذا تستطيع هذه الأشياء أن تفعل، لتمنع عقلك أن يبقى طاهراً، حكيماً، متزناً، عادلاً؟
وإذا وقف الإنسان بجوار نبع رائق صاف.. ولعنه، فهل يتوقف النبع عن إرسال الماء النظيف؟..
وإذا دنا منه أو رمى فيه الأقذار، فسرعان ما يلقى بها إلى خارجها، ولا يتدنس بها مرةً أخرى...
ولا تنس.. كلّما أصابتك كريهة، أن تطبق المبدأ القائل: إن ذلك ليس شقاء حلّ بك، بلْ إن الصّبر عليه صبر الكرام، هو السعادة بعينها...
ألا.. ما أقلّ الأشياء التي، إذا حصل عليها الإنسان، استطاع أن يحيا حياة هادئة مطمئنة، تشبه حياة الأرباب.
أن تبدّل الأجسام وانحلالها، يفسحان المكان لأجسام أخرى، كتب عليها الولادة.
كذلك تتبدل الأرواح التي تنتقل إلى الهواء وتتبدد... وتتوزع في عقل العالم الأصلي، لتخلي مكانها لأرواح جديدة...
لقد وجدت أنت بوصفك جزءاً من كل... وسوف تفنى في ذلك الذي أخرجك...
وهذا أيضاً هو ما تريده الطبيعة... فاجتزْ إذن هذه الفترة القصيرة من الزمن، حتى تصل هادئاً إلى الطبيعة.
واختم رحلتك وأنت راض..
وليكن مثلك، كمثل حبة الزيتون تسقط حين تنضج، وتبارك الطبيعة التي أخرجتها، وتثني على الشجرة التي حملتها.
* من ملوك الاسرة الفرعونية (19)، سيتي [1303/ 1277- 1257 ق. م.]، وهو ابن رمسيس الأول وأبو رمسيس الثاني الذي عمر تسعين عاما. وقد أحاطت به جملة أساطير، جعلت منه (الها معبودا).
* النظام العبودي فكرة سادت أوربا في أعقاب الثورة الفرنسية/(1789م)، ودعوتها للحرية والعدل والمساواة؛ واعتبار كل فرد في المجتمع حرا بالطبيعة والميلاد، على أن لا تتجاوز حريته، على حريات سواه. وكان بانخوفن قد أصدر كتابه (حق الأمّ)/(1860م)، داعية لاحقاق المرأة وتقدير دورها في الطبيعة والمجتمع. وليست حركة تحرير المرأة بقيادة الغرب، غير حق يراد به باطل، وما يشيع اليوم من كوارث اجتماعية وضياع للطفولة، وتحلل المجتمع النسوي/(لوز ويمن)، إلا مظاهر الباطل المقصود. وكان الأولى أن يشمل ذلك المساواة بين أبناء الطبقات المتفاوتة، أغنياء وفقراء وبيضا وملونين، ذكورا وأناثا. لكنها غفلت عن كل شيء والتصقت بالجانب الجندري، بشكل متطرف لا عقلاني. بينما تشتدّ نعرة اليمين العنصري والرأسمالي، ضدّ الملونين من جهة، والتفاوت الرأسمالي من جهة ثانية. أما اطلاق حملة تجريم الرجال والذكور، ونعتهم بالأشرار والابالسة، وزرع تلك العقد المرضية في أذهان بنات المدارس ونساء الشارع، فالغرض منه تهديم الثوابت المجتمعية والاخلاقية، ونشر الفوضى والاضطراب والفساد العام، الذي يتحدى منظمة الدين، ومنظومة الاستقرار والتنمية المجتمعية. ولعل شوارع المدن الرأسمالية التي تعج بنساء كاسيات عاريات، يجلن في الاسواق ويرتدن المقاهي، ويتصيدن ما يلبي حاجاتهن المادية،فليست من الحضارة في شيء، وانما، رديفة سقوط الحضارة وفساد التمدن.

(3)
شركات خاصة لادارة الحكم- بالنيابة-..
كم من ساسة العرب يجيد الطبخ، ويستطيع دعوة ضيوف، واعداد مأدبة ناجحة وجميلة.
ابسط اختبار، أن يطبخ لأعضاء حكومته، ويقوم كل منهم بوضع تقرير، يقيم فيه المأدبة من وجهة نظره، وبشكل مستقل وشريف عن أي صلة أو أثر أو مجاملة.
خلاصة تقارير اعضاء المأدبة، هي خلاصة تقييم رأس الحكومة ومدى صلاحيته لادارة البلاد. فإذا عجز عن اشباع أذواق وحاجات بضعة انفار، فليس جديرا باشباع واقناع حاجات وأذواق المجتمع.
المطبخ، ليس طعاما فحسب..
انما عقلية تفكير وإدارة ورؤية شمولية عميقة، لحاجات الراهن والمستقبل، من غير انفراط، عن الموروث.
تنبيه: من موضات الفساد الجاهز، ان يدعو أحدهم لوليمة، وفي اليوم الموعود، تجد طقما سياحيا رجالاليا أو نسائيا، يحملون الصحون والمغارف، لخدمة الضيوف، وصاحب الوليمة منتفخ مسرور مغرور، ولا يستحي أنه خدع ضيوفه، عندما اشترى طقما كاملا، طبخوا له الطعام وأهتموا بكلّ شيء، بطريقتهم. أما عقلهم، فلا يصلح للطبخ ولا الادارة والتنظيم. وهذا ما تفعله انجلتره، بتوكيل شركات أهلية أميركية، لتأدية أعمال الحكومة. وهناك حكومات عربية، اتبعت سنة الغرب. والعراق، استأجر شركات حماية أميركية، وشركات اعداد صفقات الانتخابات المزوّرة، وهي طريقة جديدة، لحفظ العقول والمشاعر، في ثلاجات التاريخ.