عن سلطنة عمان .. وتنظيم الأسرة

رياض حسن محرم
2019 / 7 / 3

حدث ذلك في منتصف التسعينات تقريبا من القرن الماضى في سلطنة عمان أثناء عملى هناك، أعلنت السلطنة تبنيها لفكرة تنظيم الإنجاب بالتعاون مع منظمة اليونيسيف، وللعلم فإن عمان ليست من الدول الخليجية الغنية، وقد تم إكتشاف النفط فيها كآخر دول الخليج وفى نطاق محدود فكانت نهضتها متأخرة، ربما لهذا السبب فهى تتحكم الى درجة كبيرة في توظيف هذا الدخل النفطى، ولعلها سبقت دول أخرى وتقدمت عليها في التطور في مجالات عدّة على رأسها الرعاية الصحية، لذا فقد كان تبنيها لتنظيم النسل رائدا في دول الخليج، جاء ذلك بتبنى وزير صحتها النابه ذو الفكر المتفتح الدكتور / محمد على موسى "بعد أن خلف الدكتور مبارك الخضورى" الحاصل على بكالريوس الطب من جامعة القاهرة لتلك الفكرة، واستطاع اقناع السلطان قابوس بها، كان الدكتور موسى قد أحدث ثورة كاملة بوزارة الصحة بدئا من تعميم اللامركزية وتقسيم السلطنة الى عدد من المناطق وافتتاح مديريات للصحة بها (استعان في ذلك بالدكتور / فوزى جاد الله أستاذ الصحة العامة بطب الأزهر)، وتدشينه لبرامج نوعية على درجة عالية الأهمية كبرنامج الصحة المدرسية ( استقدم له كدفعة أولى 18 طبيبا من مصر تم توزيعهم على مناطق السلطنة) وبرنامج إستئصال الملاريا الذى تم بموجبه استئصال الملاريا في السلطنة ( استقدم له خبراء عالمين في الملاريا كالدكتور / محيي الدين فريد والدكتور / حسن مشعل) وافتتاح معاهد متخصصة للتمريض والمراقبين الصحيين والمثقفات الصحيات وغيرها، ولعل كان برنامج تنظيم النسل آخرها، حيث تم تدشين ذلك البرنامج في احتفال كبير بفندق "قصر البستان" في نوفمبر 1994وحضره ممثل خاص للسلطان قابوس، وجميع قيادات وزارة الصحة، بالإضافة الى وفود من عدد من الدول العربية (اثناء انعقاد الحفل حدث صدام حضارى بين الوفدين التونسى والعمانى حول استخدام الإجهاض كأحد وسائل تنظيم الأسرة)، وتخفيفا لوقع كلمة " تنظيم الأسرة" أو " تحديد النسل" على المتلقى العمانى من الجنسين تم استبدال تسمية البرنامج في عمان الى "المباعدة بين الولادات" وفلسفة البرنامج هو أن تباعد السيدة بين الولادة والأخرى من سنتين الى ثلاث سنوات، وطلب منّا وزير الصحة عدم الحديث فى أي جوانب أخرى حول البرنامج ( كالمناقشة حول دور الدين) والإكتفاء بذكر الفوائد الصحية التي تعود على الأم والجنين والأسرة من تطبيق البرنامج، وإنهاء المناقشة سريعا بلباقة.
أعود لحديث سريع عن السلطنة، فقد تولّى السلطان قابوس الحكم عام 1970، (من خلال إنقلاب قصر سلمى على والده السلطان سعيد بن تيمور بواسطة الإنجليزومساعدة أحد القيادات العسكرية " سعيد بن سالم")، بينما البلاد غارقة في حرب داخلية وانقسام حاد، كان على رأس تلك التحديات الحرب في الجنوب التي تقودها "الجبهة الشعبية لتحرير ظفار" ذات الطابع الماركسى – القومى، التي أحرزت إنتصارات عديدة وأصبح السلطان "سعيد بن تيمور" لا يسيطر إلاّ على مدينة "صلالة" بينما إنضمت معظم القبائل الجنوبية الى الجبهة، وفى المنطقة الداخلية كان تمرد الأئمة ما زال قائما بقيادة الإمام "غالب الهنائى" متخذا من مدينة " نزوى" قبلة ومركز أساسى للمذهب الإباضى (الذى هو المذهب الدينى الرسمي في سلطنة عمان ويتبعه القيادات السياسية الكبرى بما فيهم آل سعيد ومفتى عام السلطنة، تواكب ذلك مع هجرة مضادة من الساحل الشرقى لإفريقيا حيث كانت السلطنة تحتل أجزاء كبيرة " حيث إنتقلت القيادة االسياسية الى منطقة زنجبار لفترة زمنية طويلة"، وحدث أن قامت ثورة فى تلك المناطق ضد المحتلين العمانيين " عام 1964" الذين فرّوا عائدين ومعهم أعداد ضخمة من أبناء تلك البلاد الذين إكتسبوا الجنسية العمانية بطريقة أو أخرى، وكان معظمهم "بما فيهم العمانيين القادمين من تلك المناطق لا يعرفون العربية"، في ظل هذا الموقف المتفّجر حاول السلطان قابوس السيطرة عليه من خلال حماته الإنجليز الذين إستخدموا سلاح الجو في مواجهة خصومه، بينما تدخل شاة ايران بجزء من قواته البرية الى جانب قوات الحرس السلطانى العمانى المشكلة حديثا، مع بعض الإمدادات العسكرية من الأردن، بينما لم يتدخل أحد لدعم الثوّار اللهم الاّ بعض المتطوعين اليساريين من دول الخليج كالبحرين والكويت ومساعدات لوجيستية من جمهورية اليمن الجنوبى لنجدة الجبهة الشعبية، وفى النهاية استطاع السلطان قابوس وجيشة القضاء على آخر رموز المعارضة اليسارية في العام 1975 بعد استخدامه للقوة الرديفة، وطرحه لبرنامج مصالحة عام يشمل جميع الفرقاء.
استطاع السلطان قابوس أن يعمل على سلسلة من الإنشقاقات عن الجبهة الشعبية لتحرير ظفار وعمل على ضم المنشقين وتقديم جوائز ومناصب عليا لهم، كان على رأس هؤلاء المنشقين "يوسف بن علوى بن عبد الله" الذى عين قائما بأعمال وزير الخارجية " منذ ذلك التاريخ وحتى الآن"، والدكتور / سلامة حافظ رجب الذى عيّن وزيرا للزراعة، "بينما زوجته الروسية الأصل دكتورة / أنّا رجب تعمل بوزارة الصحة"، وكثيرين في وظائف مهمة منهم دكتور أحمد عبد القادر الغسانى وخليفة المعولى بوزارة الصحة وعشرات غيرهم، وبالنسبة لممثلى الأئمة فقد تم تخصيص مبالغ مالية كبيرة لهم كمعاشات وتم تعيين آخرين منهم سفراء في الخارج وولاة في الداخل، أما العائدين من زنجبار والساحل الإفريقى فان معظمهم كانوا يتقنون اللغة الإنجليزية وعدد لابأس به منهم قد تلقى تعليما عاليا أهلّهم لشغل وظائف رئيسية خاصة في وزارات الاقتصاد والصحة ودواوين الوزارات، نأتى الى طائفة أخرى مهمة وهم الشيعة، الذين يتغلغلون في معظم مناطق السلطنة الاّ أن نسبتهم العددية كانت محدودة وينتمى معظمهم الى قبيلة اللواتيا وهم نسبيا يحظون بدرجة أعلى من التعليم "حصلوا على شهادات عليا من ايران والعراق"هيأتهم لشغل وظائف عالية بمختلف الوزارات، وحتى الأقليات البؤرية الصغيرة كالبهائيين كان لهم نصيب أيضا.
قبل أن يبدأ التطبيق العملى لبرنامج " المباعدة بين الولادات" تمت عملية تدريب واسعة لجميع الفئات المشاركة في المشروع وعلى رأسهم طبيبات النسا والولادة، وتميّز هذا البرنامج التدريبى بالجديّة والسخاء، شمل هذا البرنامج جميع الفئات تقريبا بدئا من الطبيبات والممرضات وضباط الإحصاء وفنيي المختبرات والأشعة والمثقفات الصحيات، وغيرهم، وكان التدريب يتم بواسطة خبراء أجانب في فنادق العاصمة "مسقط" ويتم صرف مالغ للمتدربين (pocket money)، وتفنن بعض المتدربين الوافدين في الحصول على المال، وتم بداية توفير مخزون استرتيجى من وسائل منع الحمل من الحبوب والإبر واللوالب وملحقاتها، وكان على رأس الجهاز التدريبى الدكتورة / ياسمين جعفر مديرة دائرة الآمومة والطفولة بالوزارة والدكتور/ على جعفر مدير الشئون الصحية.
استعرضت هنا سريعا الظروف التي أحاطت تطبيق برنامج المباعدة بين الولادات في إحدى الدول الخليجية الصغيرة التي لم يتجاوز تعداد السكان بها في ذلك الوقت مليوني نسمة. السلام عليكم.