فيلم ( دوك-فيل)..... فيلم يدين النظام الراسمالي العالمي..!!

علي المسعود
2019 / 7 / 2

فيلم ( دوك-فيل)..... فيلم يدين النظام الراسمالي العالمي..!!
Film Dogville

علي المسعود

السينما،هي أداة ووسيلة فعالة للتغيّر الحضاري، و هي تساهم في تغيير أفكار الإنسان ومعتقداته نحو الأفضل، وقد تعمل في الاتجاه المعاكس في التأثير، لكنها في الأخير أداة تُستخدم لأبراز عناصر الخير أو الشر، بحسب ما يريد صنّاع السينما والأفلام، ولكني اريد هنا ان أسلط الضوء عل نوعية أخرى من ألافلام ، تلك ألافلام التي تحكي لنا قصة الإنسان من مختلف جوانبه، وتفتح لنا مدارك جديدة وأبواب سرية تقودنا إلى دهاليز النفس البشرية، نعيش مع هذه الافلام تجربة فريدة قد لا يسمح لنا العمر أن نعيشها بأنفسنا، توصلنا إلى نتائج معرفية وقناعات فكرية لم نكن لنصل إليها بأنفسنا لصعوبة الطريق أو لعدم وجود الفرصة، تمضي بنا في الماضي البعيد لتغنينا عن قراءة عشرات الكتب التاريخية، تساعدنا على فهم الآخر، وعلى التواصل مع الآخر، وعلى محبة الآخر، قد يوصل الفيلم رسائل خفية تجعل العقل يفكر في الأمر من زوايا مختلفة، ويبدأ يعيد حساباته ويراجع معتقداته التي قد تكون خاطئة أو تلك التي بحاجة إلى إصلاح، وقد يثير الفيلم أيضأ بركان من التساؤل يتبعه تفكير عميق وبحث جاد حتى نصل إلى حقائق كانت غائبة عنا، الأمر الأكيد أن بعض تلك الأفلام تغيّر قد فعلاً أفكارنا نحو الأفضل. ربما كانت السينما خلال العقود الخمسة الأخيرة المصدر الأهم والمؤثر في تشكيل ثقافة الناس بفضل الموضوعات والمعالجات التي كانت تطرحها، وقوة وانبهار المتلقي بما يشاهد، ولاسيما تلك الأفلام التي كانت تتناول موضوعات جادة تهم الناس، ومن هذه الافلام، أفلام المخرج الدانماركي" لارس فون ترايير"، وهو من المخرجين الذين أصبحت أفلامهم لوحات وأيقونات محفورة بأذهاننا ولا يمكن نسيانها، إسمه الحقيقي لارس تيراير ولكنه وضع اسم فون تيمناً وتقديراً للمخرج الكبير الذي تأثر به جوزيف فون ستيرنبيرغ. اعتبر المخرج" لارس ترايير" من أكثر السينمائين والمبدعين الذين حصلوا على جوائز عالمية حيث تجاوزت جوائزه الخمس والتسعين جائزة وترشيحاته تجاوز عددها الثمانين. المخرج الدنماركي" لارس فون ترايير" قدم عددا من الأفلام البارزة والتي حققت له سمعة طيبة في الوسط السينمائي العالمي، نذكر منها: عنصر الجريمة، أوروبا، ترويض الأمواج (1996) الحمقى (1998) راقصة في الظلام (2000) و فيلمه دوغفيل ( 2003)، وهو الجزء الاول من ثلاثية يو.أس . أي ( أرض الفرص)، وكذالك فيلم ماندرلاي (2005) ، الجزء الثاني من أرض الفرص، وكذالك فيلم رئيس كل شء (2006)، فيلم عدو المسيح (2009)، فيلم منغوليا (2011) ، فيلم" البيت الذي بناه جاك" (2018)، هو مخرج مثير للجدل في أغلب أعماله ،وهو مخرجٌ موهوب، وقادر على طرح أفكار أفكار مثيرة للعقل البشري من خلال أعماله العنيفة بل وحتى المستفزة، أفلام فون ترايير هي الأفلام الأكثر إثارة للجدل في السنين الأخيرة، حيث تظهر فيها جرأة فون ترايير في الإخراج والكتابة والتصوير، فهذا المبدع إستطاع أن يعكس بأفلامه أعمق عقدنا النفسية والإنسانية والجنسية والإجتماعية، إستطاع إبرازها كما لم يبرزها مخرج من قبل في تاريخ السينما مستخدماً نصوصه في السيناريو والحوار وتكنيكات تصويره الخرافية. لارس فون ترايير فنان السينما المبدع الخلاق في الدانمارك واحد أعظم عشر مخرجين سينمائيين ربما في العالم،عُرف فون ترايير بأفلامه الصادمة للمشاهد والعميقة والجريئة.. ولعل السبب في هذا يعود الى معاناته الشخصية من عدة أمراض نفسية حيث يعاني من عدة أنواع من الفوبيا وكذالك الإكتئاب المزمن، حيث كثيراً ما كان يقطع عمله وتصوير أحد أفلامه بسبب نوبات الإكتئاب.. وكثيراً ما يصر على قيادة السيارة من الدنمارك وحتى مدينة كان للمشاركة في المهرجان بدلاً من إستقلال الطائرة نسبة لفوبيا الطيران التي يعاني منها، قام (فون ترير) في عام 1995 بالإضافة إلى المخرج (توماس فينتربرغ) بإنشاء حركةٍ سينمائية فنية سُميَت( دوغما 95)، انتهت هذه الحركة بعد 10 سنوات ولكن تأثيرها في أفلام (فون ترايير) مازال موجودا. يستخدم (فون ترايير) العديد من الأساليب السينمائية في أفلامه لخدمة قصة الفيلم، إنّ إعتراض العديد من النقاد والمتابعين على استخدامه للعديد من المشاهد الصادمة والعنيفة والجنسية في أفلامه والتي لا تخدم غرض القصة هو اعتراض ليس في محله، فهدف (فون ترير) هو إيصال مشاعر المشاهد إلى القمة، عندما تذهب لمشاهدة فيلم للمخرج الدنماركي لارس فون ترايير فتوقع أمرين: قصة إنسانية مؤثرة، وأسلوب تنفيذ غير تقليدي على الإطلاق. ولانه صاحب مشروع وهو أحد مؤسسي حركة الدوغما عام 95، وهذه الحركة التي تهدف إلى تنقية السينما من أي تلميع وتصنّع قدر الإمكان، فأحد مبادئها يقول إنه لا ينبغي على المخرج أن يجعل أحداث فيلمه تقع أمام الكاميرا، بل يجب عليه أن يذهب بكاميراه، حيث تقع الأحداث ويرصدها، وانطلاقاً من هذا المبدأ العام يمكن تصور مجموعة الشروط الفنية والتقنية لحركة الدوغما والتي تتضمن وجوب التصوير في مواقع حقيقة «أي عدم التصوير داخل أستوديو»، وعدم استخدام إضاءة صناعية والاقتصار على الطبيعية إلى آخر ذلك. ولم تقف محاولات لارس فون التجديدة عند هذا الحد، بل راح يتلاعب بذات قوانين الدوغما، التي وضعها بنفسه، في فيلمه (دوك-فيل )، والذي كان إنتاجه عام 2003، وهو من كتابة وإخراج لارس فون ترايير عام 2003 فيلمه، الذي تحدث عنه في مجلة - صوت وصورة - عدد فبراير 2004 - عن فكرة وكيفية إخراج فيلم دوكفيل قائلآ:"خطرت لي فجأة بعد يوم من انتهائي من كتابة سيناريو الفيلم، كنت اصطاد السمك في نهر موروم عندما شرعت في التساؤل بشأن كيفية أسر وتصوير ذلك المنظر الطبيعي في جبال الروكي حيث تدور أحداث فيلم دوكفيل، شعرت أن من الضروري رؤية بلدة دوكفيل كما لو كانت مرسومة على خريطة. كنت دائما مفتونا بالتخوم، الحدود الجغرافية، التي تفرضها عليك مساحة معينة أو مكان محدد، سيناريو الفيلم كان مقسما إلى مشاهد، لكن فيما بعد صرنا نسميها فصولا، وذلك نظرا للتداعيات الأدبية. المرء عادة يبني توقعات المشاهدين بشأن ما سوف يحدث ثم فجأة يحدث شيء آخر لم يكونوا مستعدين له. في الواقع لم تكن لدي أي فكرة عن كيفية تصوير الفيلم أثناء كتابة العمل. لكن قبل الشروع في تصوير الفيلم بفترة طويلة قمنا بتصوير اختباري شامل. لم أرد للفيلم أن يبدو كما لو أننا نصور على خشبة مسرح، عوضا عن ذلك، أردت للفيلم أن يتخذ أسلوبا معينا بحيث لا يمكن تأدية الحدث كما في المسرح ". ويستكمل المخرج" لارس فون ترايير " حديث عن الفيلم :" إن الإلهام الرئيسي لفيلم "دوغفيل" كان أغنية "القراصنة جيني" وهي مأخوذة من مسرحية الكاتب الألماني برتولد بريشت أوبرا الثلاث بنسات ، تصف الأغنية كيفية إساءة معاملة إحدى المدن لفتاة حتى يتم إنقاذها من قبل مجموعة من القراصنة. بعد ذلك ، سمح لها القراصنة بتحديد كيفية سداد البلدة بسبب إساءة معاملتها - بالغفران أو الانتقام؟ ".
من الناحية الأسلوبية ، يلوح ظل الكاتب المسرحي بيرتولت بريشت على فيلم دوكفيل وليس فقط لأن القصة مستوحاة من أغنية "القراصنة جيني" كما صرح المخرج، لكن بناء الفيلم على أساس مسرحي بحت ، فالفيلم تم تقسيمه الى المقدمة وتسعة فصول، ومن ثم ربطها معا ً بصوت المعلق الذي يتدخل ليعطينا معلومات توضح الزمان و الوضع العام للشخصيات و إلى أي حد ما وصلت الأحداث في تصاعدها التدريجي. يعتبر فيلم دوك-فيل في نطاق سينما الدوغما التي ابتكرها منتصف التسعينيات و تفرد بها عن غيره من صناع الفن السابع في العالم، ويعتبر واحدا ً من أكثر الأفلام إثارة للجدل في القرن الحادي و العشرين , و يعود ذلك بشكل أساسي للصدمة التي يسببها لمتابعيه على صعيد الفكرة وطريقة تقديمها بشكل غريب و بسيط يقارب المسرح إلى حد ما، فللوهلة الأولى يحسب من يشاهد الفيلم انه يشاهد مسرحية !، فالمكان الذي تجري به الأحداث مكان واحد لا يتغير ، فهو عبارة عن ساحة كبيرة فيها بعض الكراسي ، والطاولات ، والاسرة لا يوجد في هذه الساحة أي حائط ، أو جدار ، تلك الكراسي والطاولات المتباعدة تشير لبيت فلان ، وفلان من سكان القرية (الخمسة عشر) ، بل وحتى الأشجار المراد تواجدها في القرية استعيض عنها برسومات على الأرض تشير لها !.. وفُعل نفس الفعل مع التل المتواجد في القرية إلا انه كان مكانا مرتفعا قليلا .. حتى منجم الفحم الذي في القرية كان متواجدا في نفس الساحة المفتوحة وهو عبارة عن دولاب اسود مفتوح الضرفتين .. وهكذا الحال بالنسبة لكنيسة القرية !. الصدمة الأخرى التي تواجهك في الفيلم هي صوت الراوي !، من النادر إن تجد فيلما أمريكيا يعتمد على صوت راوي يقص الفيلم، الراوي كان يتحدث عن ذلك الرجل الجالس فوق المقعد الخشبي ، انه فيلسوف القرية ( توماس إديسون ) ويقوم بأداء الدور " بول بيتاني". إديسون كان ضجورا في ذلك الليل ، لذلك خرج للخارج ليشم نسمة هواء ، اديسون، هو رجل كاتب وفيلسوف ، ومفكر القرية الشاب ، يسمع صوت إطلاق نار صادر من الغابة ، الغابة يشار لها بالفيلم بذلك الظلام الذي يغطي بعض جوانب الاستديو ، يقف إديسون باحثا عن مصدر صوت إطلاق النار ، بعد لحظات تظهر الفتاة ( كرايس ) والتي تقوم بالدور ببراعة وأقتدار الممثلة "نيكول كيدمان" وهي واقفة على المكان المرتفع - الذي يعبر عن التل - ينتبه لها إديسون فيحدثها ، وتحدثه ، ومن هنا تبدأ القصة التي تقع في الثلاثينيات من القرن الماضي ، تلك الفتاة ( كرايس ) الواقفة على التل، هي هاربة من عصابة تطاردها، تطلب من إديسون حمايتها فيقبل ، بعد قليل تمر سيارة بالقرب من إديسون تسأله هل رأى فتاة هاربة فيجيب بالنفي ، زعيم العصابة - الذي لا يُكشف وجهه - يمد يده لإديسون ويناوله كارت عليه رقمه لكي يتصل به عندما يحصل على معلومات عن تلك الفتاة ، يأخذ إديسون الفتاة لمنجم القرية و يقول لها إن حمايتها في القرية لن تكتمل إلا من خلال قبول أهالي القرية بها ، واتفاقهم معه على وجوب حمايتهم لها ، وهم سكان بسطاء في قرية هادئة، تسأل الفتاة " كرايس "، عن السبيل لذلك فيقول لها انه سوف يجتمع بأهالي القرية في الكنيسة عند الصباح ليعرض عليهم الامر ولابد من إن تواجهيهم ، وان تعرضي حمايتهم لك ، وفي الصباح تعرض على أهالي القرية إن يحموها فيترددوا ، لكن يعرض إديسون اقتراحا بان توضع الفتاة في فترة اختبار تستمر لأسبوعين ، وبعدها يقرروا ما اذ يقبلوا بحمايتها أم لا ، يقبل أهالي القرية بالاقتراح ، وتقبل الفتاة أيضا ، لتكون خاضعة لذلك الاختبار في حسن السيرة والسلوك. في مكان إقامة الفتاة يعرض عليها إديسون عرضا بان تحاول كسب ود أهالي القرية - خلال هذين الأسبوعين - بعرض الخدمات لهم، للوهلة الأولى لا يقبل أهالي القرية بهذه الخدمات التي تريد إن تقدمها لهم ، لكن بعد إلحاح من الفتاة يقبل الاهالي بذلك، وتتنوع هذه الخدمات بحسب حاجة كل أسرة في هذه القرية ، فهناك رجل أعمى لا يعترف بضرره تساهم الفتاة في مساعدته، وكذلك تلك فتاة سوداء مقعدة تساهم في إدخالها للمرحاض للقيام بحاجتها ، وكذلك الحال للأسرة غير المتآلفة المكونة من امرأة أم ست بنات وصبي واحد يحضى بكل الدلال والرعاية والزوج المزارع الذي يجني محصول التفاح في كل سنة ، وغيرهم من بعد مضي اسبوعين يصوت اهالي القرية على القبول بحمايتهم للفتاة او ان يرفضوها ، فيصوت الجميع في صف حمايتها!. وتستمر الحياة في القرية مع تخصيص جدول زمني للفتاة حتى تمر على كل سكان القرية يوميا مقدمة لهم خدماتها المجانية ، لكن الوضع ينقلب بعد مجئ دورية بوليس للقرية تبحث عن فتاة هاربة، تلصق هذه الدورية ملصقا رسميا لتلك الفتاة كمطلوبة امنيا ، فيزداد حذر وخوف أهل القرية من وضع الفتاة، فيكون لهم اجتماع بعد مغادرة دورية البوليس ، ويكون الثمن لهذا الخوف والحذر والرعب هو تخصيص ساعات أكثر تخدم فيها الفتاة أهل القرية ، تقبل الفتاة بذلك بدون أدنى تردد ، تلك الساعات تعني انه لم يعد هناك وقت ترتاح فيه الفتاة ، ولم يعد لديها وقت كذلك لتلتقي بحبيبها إديسون الذي يعترف بحبه لها ، وتعترف بحبها له، أصبحت الفتاة في مقام الرقيق والعبد، فنتيجة لحاجتها للامان، والحماية يتم استغلالها ، لتقوم بأعمال كثيرة فوق طاقتها ، وفوق وقتها المحدود، وعلى حساب راحتها ، وتتعرض هذه الفتاة للاغتصاب، وللاستغلال الجنسي، وتصبح حياتها بائسة ومؤلمة خاصة كلما أتى البوليس باحثا عنها ، يتعذر أهالي القرية بالخوف للطلب من الفتاة خدمات أكثر وأشق ، تصبح حياة الفتاة جحيما لا يطاق فيعرض عليها إديسون الهرب ، فتخبره أنها لا تملك مالا أجرة الركوب للشاحنة - السيارة الوحيدة في القرية - التي تنقل حصاد التفاح للمدينة ، فيقوم هو بمساعدتها بالمال ، تعرض الفتاة على سائق الشاحنة الشخص الضعيف والطيب- إن ينقلها ، ويهربها للمدينة ، فيقبل ، ويخبئها مستلقية في الشاحنة بين صناديق التفاح مغطاة بقماش، بحيث لا ترى شيئا ، فجأة تتوقف الشاحنة فتتوقع أنها قد وصلت ونجت ، يُخرج السائق صندوقين بجوار الفتاة ويستلقي بجانبها ، ويخاطبها بان هناك نقطة تفتيش أمامنا ، وان المال الذي أعطته إياه لا يلبي تكاليف تهريبها تقول له: أنها لا تملك غيره ، ولا تجد شيئا لكي تقدمه ، لكن السائق يرد عليها " بل يوجد وهو جسدك ! "، فيغتصبها - بعذر سداد تكاليف تهريبها - بعد إن ينتهي ينطلق بالشاحنة من جديد وتتوقف الشاحنة مرة اخرى ، فيكشف غطاء الشاحنة لتسمع الفتاة صوت سائق الشاحنة يخاطب أهالي القرية الملتفين حول الشاحنة قائلا : لقد وجدتها في الصباح هنا حيث حاولت الهرب ، وها أنا أبلغ عنها!. مأساة الفتاة لا تتوقف عند هذا الحد ! بل المال الذي حاولت الهرب به كان مسروق !، قد سرقه إديسون من أبيه ، وأُتهمت هي به ، والدليل محاولتها الهرب !، لم يعترف اديسون بجريمته ليُسقط التهمة عن الفتاة حتى يبقى في وضع الشريف والنظيف ، ليستطيع حمايتها !، لذلك تعاقب الفتاة بتقييد قدمها وربطها بقرص صلب من الحديد كبير الحجم، وسلسلة طويلة بحيث تتحرك في مساحة محدودة ، لتجرها كلما أرادت التحرك ، خوفا من هربها من جديد ، ويتم استغلال واستخدام الفتاة كما كانت في السابق للقيام بالأعمال ، بل بطريقة أكثر قسوة ، وتفقد الفتاة كل مقاومتها ، بل تصبح هدفا لجميع رجال القرية الذين يأتون لمكان إقامتها ليلا ، ويفرغوا شحناتهم بها والمزايد على هؤلاء هو الفيلسوف إديسون فهو يحاول إن يتقرب من الفتاة بحجة الحب والغرام فترفض ممارسة الجنس معه رغم حبها له ، لأنها متعبة ، فيغضب وينفجر قائلا : لماذا أنا لا دونا عن رجال القرية أجمعين ؟! ، تجيبه : "خذ ما تريد مثلما يأخذه رجال القرية الآخرين!".
يستخدم إديسون في الصباح الكارت الذي أعطاه إياه زعيم العصابة - والذي لم يتخلص منه حسب ادعاءه السابق لحبيبته - ، ويتصل مرشدا عن الفتاة ، تأتي سيارات كثيرة تُعبر عن قوة العصابة التي هربت منها هذه الفتاة، وهنا تحدث المفاجأة، وهي أن زعيم العصابة ذاك ما هو إلا والد الفتاة ! ، وسبب هروب الفتاة منه أنها لا تريد إن تصبح مثل أباها ، وريثة للإجرام ، وهي وإياه دائمي الجدال في كون الناس جميعا بسطاء ، وضعفاء ، ولا يستحقوا هذا الإجرام والقسوة !. كان رأي الوالد يقول : يجب إن تكون لديك القوة ، والقسوة لتحمي نفسك في هذا العالم الذي لا يعترف بالضعيف ، ويجب إن تتحلي بأكبر قدر من الصلابة ، وعدم اللين ! ، يناقش الأب ابنته ، ويطلب منها ماذا تريد إن يُفعل بأبناء القرية ؟، فتطلب منه - بعد فترة تفكير - إن يقتلهم جميعا ، وان يبدأ بتلك الأم القاسية ، وابنها الوحيد ، وبناتها الأربع ، وان يترك إديسون لها ، فهي التي تقتله، وينتهي فيلم "دوك-فيل" بأن أمرَت كرايس أفراد العصابة، التي يتضح أن زعيمها ما هو إلا والدها، بقتل أهالي البلدة جميعاً، إلا الكلب الذي لم يهدأ نباحه، وعن حقّ اعترفت له به كرايس دوناً عن الأهالي القتلى الآن بالرصاص: "فهو غاضب لأني ذات مرة سلَبتُه عظمَته ". انه فيلم فلسفي مؤثر، هو الفيلم الأكثر أدبية في تاريخ السينما ، ولغة الفيلم قريبة جدًا من لغة الأدب ، وأنت تشعر عندما تشاهد هذا الفيلمً، إنك تقرأ رواية. حين يقسم المؤلف روايته إلى عدة فصول ، في تسعة أجزاء ومقدمة وكل قسم له عنوان يلخص في الواقع القصة، ولأن كل رواية لها راوي أو حكيم، يقول المخرج لارس فون ترايير: "في هذا الفيلم أردت للراوي أن يكون إنجليزيا لأنني لم أرغب في إخفاء حقيقة أن من يقوم بتأويل أحداث الفيلم صوب الولايات المتحدة هو راصد من الخارج"، التجربة الجديدة التي يقدمها لارس فون تراير في هذا الفيلم تتمثل في تصويره للبلدة بالكامل داخل أستوديو واحد. أرضية الأستوديو سوداء وجدران البيوت مرسومة على الأرض بالطبشور الأبيض. ليس هناك جدران حقيقية، بمعنى أنه عند مشاهدة مشهد صور داخل غرفة في أحد البيوت، بين هذه المنازل الافتراضية ، كتبوا أسماء الشوارع. حتى المدينة بها كلب يدعى موسى، و مرسوم على الأرض ، وكتب بجانبه كلب. لذلك كل شيء في هو افتراضي افتراضي باستثناء سكان المدينة. عدم وجود جدران يجعل من الممكن أن نرى جميع الناس في المدينة ، ونستطيع رؤية بقية سكان المدينة في خلفيات اللقطات، سواء كانوا يمشون في الشارع أم في بيوتهم. مما يجعل الفيلم يبدو وكأنه مسرحية مصورة. بالإضافة إلى ذلك، الراوي القصصي الذي ينقل المشاعر الداخلية والشخصيات ووصف المشاهد. صوت الراوي جميل للغاية ويروي القصة بطريقة جميلة، ويواصل المخرج " فون ترايير" تفسيره لديكور وطريقة التصوير "في الحقيقة اريد من المشاهدين أن ينسوا عدم وجود منازل أو ما شابه، فوجودها يجعلهم ينشغلون باستكشافها والتأمل فيها، لكنهم في حال اختفائها يركزون على الأشخاص بشكل أكبر". وفي إجابة لترايير عن رده على من يرون ان هذا الفيلم ليس سوى مسرحية مصورة سينمائيا، أجاب "أعتقد انه من الخطأ الكبير ان نقسم الأعمال الفنية إلى أفلام أو مسرحيات أو قطع أدبية، لأنها جميعا تأتي من مصدر واحد، فجميعها أنواع من التظاهر، وكلها حكايات تروى، وهذه التعريفات لا تفعل شيئا سوى أنها تحد من إمكانات أي شخص".
الفيلم مصور بكاميرا رقمية «غير سينمائية» جوالة توحي حركتها بالعشوائية وهو أمر متكرر في أفلام تراير، طريقة الأستوديو هذه أعطت الممثلين مساحة أكبر من الحرية، وحملتهم قدرا أكبر من المسؤولية، ذلك لأن اللغة السينمائية البصرية في هذا الفيلم اعتمدت على ثلاث مكونات رئيسية: التمثيل، والإضاءة، والموسيقى. طريقة الأستوديو أيضاً خدمت غرض الفيلم لأنها تؤكد نظرتنا للقرية كوحدة واحدة. فبسبب إلغاء الحواجز و الجدران أصبح المشاهد ينظر إلى كل حدث يحدث في أي بيت من البيوت على أنه جزء من القرية. بمعنى آخر، بسبب هذا الأسلوب اكتسبت الأحداث صفة جماعية، وتقلصت صفتها الفردية!. أثار فيلم المخرج الدنماركي لارس فون ترايير، "دوكفيل" الكثير من الاستياء ووجهت له اعنف الانتقادات من قبل النقاد الأميركان الذين لم يروا فيه هجوما على سياسات بلدهم وأبناء شعبهم فحسب، بل اعتبروه اعتداء على الانسانية جمعاء، فيما رأى فيه آخرون عملا إبداعيا جاء على يد عبقري مثل" فون ترايير. فيما يأتي استعراض لرؤية بعض النقاد بشأن هذا العمل، إحداها للناقد السينمائي والكاتب بصحيفة "الاندبندنت انتوني كوين" الذي رأى ان العمل لا يحمل اي جاذبية تذكر يمكنها ان تشجع محبي هذا المخرج على مشاهدة فيلمه هذا، والفيلم - بحسب كوين - الذي تدور حوادثه في فترة الكساد الاقتصادي في أميركا وفي مدينة تقع وسط جبال روكي وتمتلئ بمناجم الفحم، هو في واقع الأمر فيلم مصور على خشبة مسرح، استخدمت فيه الطباشير لرسم وتحديد منازل القرية وبعض قطع الأثاث البسيطة مثل سرير وكرسي وطاولة، وهي قطع وضعت لتكسر حدة فراغ المسرح فقط"؟، ونقاد أخرون وجهوا سهام النقد الى المخرج الدنماركي " لارس فون ترايير" والذي خاض حربا مع النقاد الذين يستنكرون أن تكون أفلامه عن الشعب الأميركي، والحياة الأميركية مع أنه لم يزر أميركا ولو لمرة واحدة. وهو في المقابل يصر على أنه قادر على صنع أفلام عن أميركا من دون الحاجة إلى زيارتها، وقد رد المخرج الدانماركي على ذالك: " فيما بعد تكوّنت لدي فكرة أن أجعل أفلامي تدور في الولايات المتحدة، ربما بسبب النقد الذي وجّه إلى فيلمي راقصة في الظلام وما قيل عني بأني حققت فيلما عن بلاد لم أزرها قط، رغم أنني أجد صعوبة في فهم ذلك.. بل وأجرؤ أن أقول أنني أعرف عن أمريكا من خلال وسائل الاتصال المتنوعة أكثر مما كان الأمريكان يعرفونه عن المغرب عندما صوروا فيلما بعنوان ( كازابلانكا) في إحدى استوديوهات هوليوود. في الوقت الحاضر ليس صعبا الحصول على معلومات عن أمريكا، و من مصلحة وخير الأمريكان أن يروا ويتعرفوا على نظرة الأجنبي، الذي لم يزر أمريكا قط، إلى بلادهم. فيلمي (دوكفيل) يدور في روكي ماونتن، الموقع الذي، بالنسبة إليّ، يرمز إلى الولايات المتحدة ، الدوك-فيل ليس فقط عن بلدة صغيرة ، ولكن عن المجتمع الأمريكي بأكمله أو حتى المجتمع البشري بأكمله. تمثل النعمة الطبقات الدنيا في المجتمع والأشخاص الذين لديهم قلوب نظيفة ولا يخشون التضحية ومساعدة الآخرين. يمثل سكان المدينة ورمزًا للطبقات الوسطى ، أو حتى فوق المجتمع (وربما حتى بلدان مثل أمريكا) الذين لا يفكرون إلا في أنفسهم وحياتهم (أو في مصالحهم الوطنية الخاصة) وقد ابتعدوا عن جدرانهم الافتراضية. هذه المجموعة مع كلبهم تستعمر أشخاصًا بلا مأوى مثل كرايس ، وحقيقة أستمر المخرج ومنذ فيلمه «راقصة في الظلام» مروراً بـ«دوكفيل» ثم بعد ذالك الفيلم الذي تلاه ( موندرلاي) ، في تعرية النظام الراسمالي في امريكا. لذا يعتبر فيلم فون ترير بمثابة إهانة وانتقاد لاذع ليس لأميركا فقط، بل لجميع النظم والقوانين الرأسمالية في العالم. هناك مشاهد رائعة للممثلة "نيكول كيدمان" في الفيلم مثل مشاهد الاغتصاب المتعددة التي تعرضت له من رجال القرية، في تلك المشاهد والتي صورت بأكثر من كاميرا كانت معبرة عنها تماما وعن معاناتها ، وهناك لقطات قريبة جدا لوجه كيدمان الذي يكاد يتفجر من الالم والشفقه على هولاء الناس، ايضا هناك المشهد الذي تسلتقي فيه كيدمان بحافله لنقل التفاح وهي تنتظرهروبها من القريه، من المشاهد المؤثرة أيضا، مشهد كيدمان وهي تسحب في عنقها تلك العجلة الحديدية الضخمة والتي ربطها أهل القريه في عنق كريس لمنعها من الهرب والذي هو من المشاهد المؤلمة جدا بمرجعياته المسيحية (غريب أن يذكرك مشهد سينمائي بألم السيد المسيح بهذا الوضوح). إنّ استغلال (كرايس) من قِبل ذكور البلدة، والأحاديث التي تدور حولها والمعاملة السيئة التي تلقاها، كل هذه الأشياء، تعود بالسوء والضرر على القرية والعقاب الذي سوف تلقّاه سكانها، أراد المخرج (فون ترايير) أن يرينا أنّ كل حديث أو فعل سواء كان صغير أو كبير تقوم به، فإنّك مسؤول عنه، كما أراد أن يظهر الطبيعة البشرية الشريرة (كما هو الحال في العديد من أفلامه)، فأي إنسان مهما كان طيباً ويريد الخير للآخرين، سرعان ما سيتحول عند إعطاءه السلطة إلى قوةٍ شريرة تطمع بالمزيد وتستغل الأضعف كلما أتيحت لها القوة، هذه هي وجهة نظر (فون ترايير) في هذا الفيلم على الأقل. الكاتب- المخرج" فون ترير" يريد أن يقول إنه لا يوجد مكان للإنسان. لا توجد حضارة هنا. إنها غابة هنا وعليك التضحية بالباقي حتى لا تقع ضحية لها. هذا القانون هو الطبيعة والحضارة ليست سوى كذبة. ومن خلال هذا الصراع يلقي فون ترايير الضوء على السؤال عن الشر في الطبيعة البشرية، هل هو متأصل أم دخيل عليها؟؟. المخرج لارس فون ترايير يتحدث بهذا الخصوص قائلأ: "الشر قد ينبت في أي مكان بمجرد أن يحظى بالظروف المناسبة، مشكلتي الكبرى مع هذه القصة هي في محاولة تفسير موقف كريس المتغير في النهاية. لاشك أن أهالي دوكفيل يصيرون متطلبين وقساة أكثر فأكثر، مع ذلك أجد صعوبة في تعليل سبب تحولها"، كرايس تمثل المرأة الطيبة، السمحة الطبع، لكن هذا لا يعني أن قلبها من ذهب. الغطرسة- وهي الكلمة التي تتردد كثيرا في الفيلم- تعني رفض مناقشة الأمور وتحليلها، وهذا هو سبب جعلي الأب يتهم كرايس بالغطرسة، وبإحساسها أنها أسمى من أهالي البلدة الذين لا يستطيعون التمييز بين الصواب والخطأ. في فيلم فون ترايير ابرز معالجته السوداوية للامور والتي تتعدي حدود الواقعية نفسها الي عالم اسود ومظلم وهو عالم قرية دوغفيل، المدينة التي تبدو من الخارج ملونة ولطيفة ومن داخلها يكمن شر وسواد وقسوة، لارس فون ترايير رسم لنا تلك الصورة بشكل واضح وصادم و باسلوب فني رائع ، وبالرغم من أن رسالة الفيلم غير واضحه بشكل كامل فهي بأحد شقيها نبذا للاديان والسلطة الفوقية التي تمارسها على الانسان وهي شهادة مليئة بالاحباط من البشر ومنجزهم الانساني ، وعلى الرغم من أن أمريكا بلد كان من دواعي فخره تاريخيًا في توفير المأوى للمهاجرين المضطهدين، فإن هجوم فون ترايير عليها بسبب استعبادهم وإذلالهم . يبقى فيلم " دوكفيل" فيلم غير تقليدي و رؤية سينمائية مثيرة للجدل، لآن "دوكفيل" بطبيعتها القاسية و صخورها السوداء حقيقة الإنسان المعاصر اللاهث وراء مصلحته الخاصة دون اعتبارات أخلاقية , و ما إزالة الديكورات و الجدران من مسرح الأحداث سوى إزالة للفواصل الوهمية بين البشر الذين تجمعهم صفات واحدة من الأنانية و الانتهازية ، أما الفيلم بشكل عام، فانه يعطي نظرة شديدة السوداوية لمصير الإنسان واقعه الراهن وكفاحه نحو عالم أفضل يقبل الجميع دون تمييز. والفيلم مثقل بالرمزية ، والرمزية هنا تشمل حتى عنوان الفيلم ( دوك- فيل ) وفيل تستخدم في الاشارة الى الاماكن الوهمية مع الاشارة الى نوعية معينة ، وهنا اشارة واضحة الى الكلب موسى الذي كان طوال الفيلم مجرد خطوط مرسومة على الارض تشير الى الكلب، ولكن في النهاية وبعد السقوط المريع للقيم الانسانية، يصبح الكلب حقيقيا و يبدأ بالنباح ، وكأن الكاتب- المخرج يرسل لنا رسالة تحذيرية مفادها (ويل لليوم الذي تموت فيه الانسانية والكلاب تحل محل الكائنات البشرية).
يلاحظ المشاهد أنّ (فون ترايير) قد أعطى أهميةً لكيفية سرد القصة بصرياً أكبر من الأداء والعواطف، ورغم اللغط الذي سببه الفيلم ، لكنه حصد الكثير من الترشيحات لنيل جوائز في كبرى المهرجانات أبرزها مهرجان كان السينمائي و مهرجان الأفلام الأوروبية ، بينما نالت جوانبه التقنية و خاصة على صعيد السيناريو أعلى درجات الثناء و التقدير. من المؤكد أن المخرج / الكاتب لارس فون ترير في فيلمه المستفز (" دوك فيل") أراد أن يقول بشكل لا لبس فيه ، وبأسلوب تجريبي. إن الشر الملازم للبشرية ، وسيجد أولئك الذين يبحثون عن الرمز السياسي إدانة قاسية للولايات المتحدة وكل النظم الر اسمالية في العالم. هذا الشريط السينمائي يحذر السلطة و الناس الظالمين من أنه إذا سقطت قوتهم وفلتت زمام الامور من أيديهم ، سيكون انتقام المظلومين منهم شديدا وقاسيا وأمثلة التاريخ البشري تؤكد تلك الحقيقة. وضمن هذا الاطار، هو قصة عالمية في تصوير المشاعر الإنسانية، وكانت نهاية الفيلم هي تتويج لفلسفة الكاتب - المخرج في القوة والاخلاق، ومن يملك السلطة هو الاحق في وضع القانون والتصرف به !!.. انه فيلم فلسفي بعمق ، وفيلم مؤثر بحق ، ويؤكد إن السينما ليست أبهارا بصريا فقط ، بل هي في الأساس قيمة عقلية ، ومتعة روحية ، تخاطب الروح والوجدان !.



علي المسعود
المملكة المتحدة