تفكيك العنف وأدواته.. (29)

وديع العبيدي
2019 / 6 / 30

تفكيك العنف وأدواته.. (29)
العرب أمة عظيمة..
(20)
فكر باطني تخريبي منافق..
يقول بيان لمحفل المشرق الماسوني الفرنسي لعام (1904م)/ ص237: ان الماركسية واللاقومية هما وليدتا الماسونية، وكل من كارل ماركس وفردريك أنجلز، هما من ماسونيي الدرجة الحادية والثلاثين، ومن منتسبي المحفل الانجليزي، وقد أدارا الماسونية السرية، وأصدرا البيان الشيوعي العالمي*.
كيف ينظر ماركس للماسونية؟.. كيف يمكن فهم شخصية ماركس؟.. هل هو ديني أم ملحد؟.. هل اليهودية، عنده كما عند غيره، دين أم ثقافة أم عرق؟.. هل هو أوربي أم أشكناز؟.. جده كان حاخاما، وأبوه بروتستانتيا من أصل يهودي، فأين يكون هو؟.. يهودي يعيش في أوربا، وألماني يعيش في لندن، ويفكر في نيويورك.. من عائلة غنية ومتزوج من بارونيس، مدير الماسونية السرية، ويعيش عيشة كفاف وشحاذة على نفقه رفيقه ابن الصناعي.. شبكة حروف متقاطعة لا تتشابه.. مثل طلسم.. ما مبرر غموض معقد، لشخص يريد تغيير العالم..
وإذا كان وراء الماسونية أشخاص عاديون، وهي تضم ملوكا وحكاما بين أعضائها، فهل خضع الزعماء لها، أم الماسونية وقعت تحت هيمنة الملوك والزعماء.. وكيف ينضوون تحتها، وأهدافها الدفينة، هي قلب أنظمة حكمها ونشر الاضطرابات في مجتمعاتها.
الماسونية فرية، أو وهم، اختلقها الغرب، لاسناد مقولة الاغريق: (اليهود وراء كلّ جريمة!). وفي أحسن الأحوال، تكون مؤسسة (قناع)، يعمل من ورائها منظرو الفاشية في تخريب العالم، والهيمنة عليه.
ولم يعتد اليهود الردّ على مهاجميهم أو يكيلون لهم الاتهامات، لذلك لم يصدر ما يفند أو يدعم جملة الدعاوى المنسوبة للماسونية أو اليهود، بما فيه عائلة روتشيلد.
يقول المؤرخ الانجليزي، طعنا في شخصية ماركس، وتفنيدا للدعاوى الشيوعية: أن معظم مؤسسي المنظمات والتنظيمات الشيوعية وقياداتها التاريخية هم من اليهود. منهم ماركس وانجلز ولينين.
عندما اصدر لينين صحيفة اسكرا/ شرارة/(1900م)، كان أربعة من أصل ستة، في إدارتها من اليهود.
في مؤتمر بروكسل /(1903م) للمنظمات والاتحادات العمالية والاشتراكية، كان أغلبية الحضور [43 من أصل ستين] من اليهود.
وعند تاسيس الحزب الشيوعي الروسي، كان (371 من أصل 388) يهودا.
وفي أول مجلس شيوعي يتشكل بعد نجاح ثورة اكتوبر/(1917م)، كان [447 من أصل 547] يهودا. وفي عام (1951م) كان المجلس الشيوعي يتكون من سبعة عشر عضوا، بينهم اربعة عشر من اليهود.
في الثورة الألمانية لعام (1918م) كان الدور البارز للشيوعية روزا لوكسمبورغ [1870- 1919م]. والثورة الشيوعية في هنغاريا عام (1919م) كانت بقيادة اليهودي بيلاكون. وفي رومانيا كانت سكرتيرة الحزب الشيوعي يهودية/(انا باوكر). وفي بولندا قاد الحركة الشيوعية أربعة يهود [مينك، سكريزفسكي، مودزيلفسكي، برمان].
الحزب الشيوعي الفلسطيني، لدى تأسيسه/(1919م)، أسسه جاك شابيليف وروزا كارنبورغ/(ابراهيم الشريفي: الشيوعية المحلية)، كل أعضائه من اليهود الروس المهاجرين.
وفي تأسيس الحزب الشيوعي لسوريا ولبنان/(1924م) كان لليهودي البولوني جوزيف بيرغر واليهودي الليتواني الياهو تيبر دور في التأسيس الحزبي والتنظيمي.
في الحزب الشيوعي العراقي كان أمين المكتب السياسي اليهودي يهودا صديق. وكان اليهودي يوسف زلوف مسؤولا عن عمال بغداد، قبل أن يصبح مسؤول التنظيم في البصرة. ومن المسؤولين اليهود في الحزب الشيوعي العراقي: [حزقيل صديق، موشي مراد كوهين، يوسف زلخه، ساسون دلال، موشي مختار، ابراهيم شاؤول].
وفي مصر تشكلت الحلقات الشيوعية الأولى بيد يهود روس: [أفجيدرو، ناداب]. وتأسست الحركة المصرية للتحرر الوطني/(حدتو: واجهة شيوعية) من قبل اليهودي الايطالي هنري كورييل. وأسس اليهوديان: هيلل شفارتس وايلي شوارتز منظمة ايسكرا الشيوعية. وفي (1920م) تأسس الحزب الشيوعي من قبل اليهوديين: جوزيف روزنتال وهنري كوريل.
وفي العراق نشرت صحيفة القاعدة السرية/(ع11- 1953م): [ان الشعب العراقي يرفض بإباء، أن يحارب الشعب الاسرائيلي الشقيق]. وكتب الشيوعي العراقي الكلداني فهد/(يوسف سلمان يوسف)/[1901- 1949م]: [مرحبا بانشاء دولتين عربية ويهودية في فلسطين. واشترط لهما الاشتراكية والتحالف ضد الرجعية الدينية العربية].
وفي كتاب (أضواء على القضية الفلسطينية) اصدره شيوعيون عراقيون، ورد في اخره: [فلتسقط الحرب بين العرب واليهود في فلسطين. فليحيا التعاون والتحالف بين الوطنيين والدمقراطيين العرب واليهود، لاحباط خطط الاستعمار والرجعية. ولتحيا الصداقة العربية اليهودية].
وحول حرب (1948م) اعتبرها الحزب الشيوعي السوري اللبناني: [مؤامرة رجعية دينية استعمارية، هدفها بذر الخصومة والعداء بين الشعبين العربي واليهودي].
وعند تنصيب خالد بكداش [1912- 1995م] على رأس الحزب الشيوعي السوري اللبناني، ارسل فرج الله الحلو الى تل أبيب للتنسيق، واستقدم اليهودي ليخمان ليفنسكي كمستشار للقيادة.
وفي المغرب ظهر زعيم الحزب الشيوعي علي يعته [طنجه/ 1920- 1997م] في عيد رأس السنة لعام (1994م) وهو في محفل يهودي، يستمع للحبر اليهودي الكبير، مرتديا طاقية الرأس اليهودي التقليدية.
نقولا حداد [1878- 1954م] ا لكاتب اللبناني/ المصري، يميز اليهود الى ساميين واريين، كناية عن اليهودي الشرقي واليهودي الغربي. ويرى ان: [الصهيونية اخت الشيوعية، بل أمها. لأن اليهود الذي قلبوا الحكم القيصري كانوا كلهم يهودا ما عدا لينين]*. وأن ستالين فطن لمحاولة اليهود السيطرة على البلاد، فوضع حدا لهم، امثال: غروميكو وفتشنسكي.
ويتساءل الكاتب: هل يعرف الامريكان أنهم يناهضون الشيوعية، ويخدمونها بتأييد تل أبيب؟.
ويرى الكاتب السوري كرم خليل*: ان تسعة من أصل اثني عشرفي اللجنة المركزية للحزب الشيوعي أيام لينين هم يهود. وأن أم لينين وزوجته يهوديتان. وفي عام (1936م) ضمت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي (56 من أصل 59) يهودا. وبقية الثلاثة كانوا متزوجين من يهوديات، ومنهم ستالين نفسه.
كانت روسيا من أوائل الدول اعترفت بقيام دولة اسرائيل، وأبدت استعدادها للتدخل لحمايتها، معلنة أن اسرائيل وجدت لتبقى. وترفض بحث أي فكرة تتعرض للكيان الاسرائيلي. ولذا تتدخل لحفظ التوازن في شرق المتوسط. ويرى كرم خليل ان اليهود طوّروا اليهودية من (دين) إلى (منظمة سرية). وان الصهيونية تتكون من (82%) اشكناز أوربيين/(غير ساميين).
ويرفض الشيوعي العربي الاسرائيلي عصام مخول*مصطلح (اليسار الصهيوني)، لكون الصهيونية حركة يمينية رجعية ولدت من رحم الامبريالية. ويرى :التقت الحركة الصهيونية بكل تياراتها على ثلاث فرضيات تتناقض مع كل ما هو يساري وعلمي ومع التحليل المادي التاريخي للمسألة اليهودية:
فرضية وجود شعب يهودي عالمي. أمة عالمية واحدة فريدة! لا تسري عليها القوانين الموضوعية أو التعريفات المختلفة.
وفرضية أن اللاسامية واضطهاد اليهود على أساسها تشكل ظاهرة ابدية، خالدة، ولا تاريخية، ناتجة عن مجرد وجود اليهود بين الأغيار من الشعوب الاخرى، ولذلك لن يتحقق اندماجهم بالشعوب التي يعيشون بينها.
وفرضية ان حل المسألة اليهودية، يكون بسلخ اليهود عن مجتمعاتهم، وتركيزهم في دولة يهودية في فلسطين، على اعتبار أن فلسطين كانت إقليم الدولة العبرية القديمة . وهي مهمة تاريخية تؤديها (حركة تحرر قومي عالمية) عابرة للحدود والدول، متمثلة بالصهيونية المعاصرة/(أميل توما)*..
مؤكدا ان اليسار المناهض للصهيونية رفض دائما هذه الفرضيات جميعها ودحض أسسها، وفنّد منطقها، وفضح طابعها الرجعي، ودورها التضليلي، ومنهجها غير العلمي و اللاتاريخي. ويؤيد المفكر الماركسي اللينيني وولف إيرليخ في كتابه "قوة الفكرة" أن النشاط الصهيوني يشكل جزءا لا يتجزّأ من الاستراتيجية الامبريالية الكونية.
وممن أكدوا دور اليهود في تأسيس الشيوعية العربية: فؤاد كرم، الرفيق رائد صاحب كتاب (اعترافات شيوعي عراقي)/(ص45)، وفي (ص72): ان اللجنة المركزية لحزبنا تتسلم المخصصات الشهرية من اسرائيل والاتحاد السوفيتي. وفي (ص9) يقول: ان اسرائيل تعمل على تدعين حزبنا، أكثر مما يعمل الحزب نفسه!/ (سودانيز اونلاين).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* محمود حسن جناحي- الصلة بين اليهود والشيوعية.. حقائق وأرقام- موقع شخصي على الشبكة:http://maqalati.com/56.htm
*https://sudaneseonline.com/board/472/msg/مؤسسوا-الأحزاب-الشيوعية-في-الوطن-العربي-يهود-1398695830.html مكتبة عمر صديق-
* نقولا حداد- مجلة الرسالة ع 799- مقال: (اليهودية، الصهيونية، الشيوعية)..
* كرم خليل- الحوار المتمدن- ع5477 في 31 مارس 2017م- (الشيوعية والصهيونية.. الولادة من خاصرة اليهودية).
*عصام مخول- الحوار المتمدن-ع 4167- في 28 يوليو 2017م.
* عصام مخول: مواليد حيفا (1952م)، عضو الحزب الشيوعي الاسرائيلي، وعضو البرلمان الاسرائيلي/(كنيست) عن (حدش) للفترة [1999- 2006م]، اكاديمي متخصص في علم الاجتماع، ويعمل على تطوير العلاقات بين (حدش) والاحزاب الشيوعية في الخارج.
* أميل توما [1919- 1885م] من مواليد حيفا، ناشط سياسي، أسس نادي (شعاع الأمل)، و(اتحاد نقابات وجمعيات العمال العرب) الذي تحول إلى نواة (مؤتمر العمال العرب). في (1943م) اسس (عصبة التحرر الوطني) بالمشاركة مع توفق طوبي وأميل حبيبي، وانتخب توما امين السر. في (1944م) اصدر اتحاد نقابات العمال العرب في حيفا جريدة (الاتحاد) المستمرة في الصدور، وكان اميل توما صاحبها ومحررها المسؤول. في (1947م) حضر في مؤتمر الأحزاب الشيوعية في بلدان التبعية البريطانية في لندن، مندوبا عن عصبة التحرر الوطني. عارض قيام دولة اسرائيل واعتبره مشروعا امبرياليا، لضرب حركات التحرر الوطنية العربية. وعارض قرار الامم المتحدة رقم (188) في (29 نوفمبر 1947م) لتقسيم فلسطين. في نكبة (1948م) تعرض للتهجير الى لبنان، لكنه تمكن من العودة إلى حيفا لاحقا وانتظم في الحزب الشيوعي الاسرائيلي عام (نوفمبر 1948م)، لكنه عوقب بالتجميد حتى عام (1965م) نتيجة مواقفه المناوئة لاسرائيل والتقسيم. شارك في معهد الاستشراق الروسي [1965- 1968م] في قسم التاريخ، برسالته الموسومة (مسيرة الشعوب العربية ومشاكل الوحدة العربية). في (1971م) أسس رابطة الاكادميين العرب. في (1975م) كان سكرتير لجنة الدفاع عن الأراضي العربية، إلى جانب صليبا خميس. في (1984م) شارك في جنيف، في اللقاء الدولي حول القضية الفلسطينية للمنظمات غير الحكومية، بدعوة من الامم المتحدة، وانتخب في لجنة التنسيق الدولية. كان اميل توما عضوا في المكتب السياسيللحزب الشيوعي الاسرائيلي، وعضو في الامانة العامة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة. في (1986م) أنشأ الحزب الشيوعي الاسرائيلي معهد اميل توما للدراسات الفلسطينية/ الاسرائيلية. في (2004م) اطلقت بلدية حيفا اسم (اميل توما) على شارع في (حي النسناس). صدرت مؤلفاته الكاملة في اربعة عشر جزء. ورأيه في القضية الفلسطينية يقومم على بنود: انسحاب اسرائيل لما قبل حدود 67. اقامة دولة عربية فلسطينية في اراضي (1967م) عاضمتها القدس الشرقية. حق عودة اللاجئين، حق تعويض لمن لا يعود لفلسطين. ضمان السلام لحدود اسرائيل، وقد تم تبنيه لاحقا من عدة اطراف اقليمية.

(21)
خنجر مسموم في قلب العروبة..
بعض المصادر ، تعتبر المصلح الالماني مارتن لوثر [1483- 1546م] أول من طرح فكرة تجميع اليهود في فلسطين. ثم تجددت الدعوات في عهد آرثور كرومويل عام (1655م): الذي وعد اليهود بمنحهم وطنا قوميا. وتقول ريجينا شريف في كتابها (الصهيونية غير اليهودية.. جذورها في التاريخ الغربي)، إن البدايات المبكرة لطرح فكرة (تجميع اليهود في فلسطين)، تعود إلى عام 1649، على لسان عدد من المبشرين، ومنهم الليدي أستر سترانهوف، التي دعت وبشرت بالوطن اليهودي ما بين [1804-1819م].
وأثناء عقد مؤتمر الدول الأوروبية في لندن عام (1840م) قدم اللورد شافتسبري [1801- 1885م] مشروعا إلى بالمرستون [1784- 1865م] أطلق عليه (أرض بلا شعب لشعب بلا أرض). وقد (اقترن هذا الشعار بالكاتب الإنجليزي يسرائيل زنغويل/ [1864- 1926م)؛ داعيًا إلى أن تتبنى لندن، إعادة اليهود إلى فلسطين، وإقامة دولة خاصة بهم. وتبنى بالمرستون خلال المؤتمر مشروعًا يهدف إلى (خلق كومنولث يهودي في النصف الجنوبي من سوريا): أي المساحة التي شغلتها فلسطين التوراتية.
وفي عام (1844م) ألف البرلمان الإنجليزي (لجنة إعادة أمة اليهود إلى فلسطين). وفي العام نفسه تألفت في لندن (الجمعية البريطانية والأجنبية للعمل في سبيل إرجاع الأمة اليهودية إلى فلسطين). وألح رئيسها القس كريباس على الحكومة البريطانية كي تبادر للحصول على فلسطين كلها، من الفرات إلى النيل، ومن المتوسط إلى الصحراء.
وفي عام (1845م) قدم إدوارد ميتفورد، الذي كان من أنصار بالمرستون، مذكرة إلى الحكومة البريطانية يطلب فيها (إعادة توطين اليهود في فلسطين بأي ثمن، وإقامة دولة خاصة بهم تحت الحماية البريطاني). وفي عام (1880م) تبنّى الأسقف الإنجليكاني في فيَنّا وليم هشلر [1845- 1931م]، نظرية تقول: [إن المشروع الصهيوني هو مشروع إلهي، وإن العمل على تحقيقه يستجيب للتعاليم التوراتية].
وألف هشلر كتابا عام (1882م) بعنوان: عودة اليهود إلى فلسطين حسب النبوءات. وفي عام (1887م) أسس بلايستون في شيكاغو منظمة (البعثة العبرية نيابة عن إسرائيل) لتشجيع اليهود على الهجرة إلى فلسطين. ولا تزال هذه البعثة قائمة باسم الزمالة الأميركية المسيحية.
تلك المواقف أسهمت في تجسيد فكرة الصهيونية اليهودية السياسية الرسمية في أواخر القرن التاسع عشر، من خلال المؤتمر الصهيوني اليهودي الأول الذي عقد في بال في سويسرا عام 1897 برئاسة ثيودور هرتزل، والذي في إطاره تم خلق صلة ما بين أفكار الصهيونية المسيحية والمصالح الإستراتيجية لبريطانيا، ثم تتابعت مواقف الصهيونية المسيحية لتصل إلى آرثر جيمس بلفور الذي خطّ اللمسات الأخيرة على المشروع بإستصدار (وعد بلفور 1917م) ليضع الأسس العامة لعودة اليهود لفلسطين كتمهيد لعودة المسيح، وخدمة المصالح البريطانية في المنطقة.
وتذكر المصادر التاريخية، أن نابليون بونابرت [1769- 1821م] كان من أوائل السياسيين الأوروبيين الذين نادوا علانية بإقامة دولة لليهود على أرض فلسطين، عبر ندائه الشهير الموجه لليهود (ورثة أرض إسرائيل الشرعيين)/(أبريل 1799م). وسرعان ما تلقف الرئيس الأميركي جون آدامز [1735/ 1797- 1801/ 1826م] الفكرة، فدعا في عام (1818م) إلى استعادة اليهود لفلسطين وإقامة حكومة مستقلة لهم.
ظهر الاهتمام البريطاني بفلسطين مبكرا، فافتتحت أول قنصلية لها بالقدس في ظل الحكم العثماني عام (1838م) تحت ذريعة العناية باليهود، حيث كانت حماية الأقليات الدينية ذريعة للدول الكبرى لبسط نفوذها في المنطقة، فقد تبنت فرنسا الموارنة، فيما تبنت روسيا الأرثوذوكس، ولأنه لم يكن في المنطقة العربية مسيحيين بروتستنانت فقد لجأت بريطانيا لليهود/ عبد الغني سلامه- المقدمات التاريخية والسياسية لوعد بلفور- الحوار المتمدن- ع 5686- 2 نوفمبر 2017م.
رئيس وزراء بريطانيا اللورد بالمرستون الفكرة، فقام بتعيين وليام يونغ أول قنصل بريطاني في القدس عام (1838م)، وتكليفه بمنح الحماية الرسمية لليهود في فلسطين. كما طلب من السفير البريطاني في القسطنطينية بالتدخل لدى السلطان العثماني للسماح لليهود بالهجرة إلى فلسطين.
السلطان عبد الحميد [1842/ 1876- 1909/ 1918م] كان السد المنيع الذي وقف في وجه التهديدات والإغراءات الصهيونية، رافضا التنازل عن شبر من فلسطين. لكن، في واقع الأمر، شهد عهده ذروة النشاطات التأسيسية للحركة الصهيونية، حيث تضاعف عدد اليهود في فلسطين ثلاث مرات، من أربعة وعشرين ألف عام (1882م) إلى ثمانين ألف عام (1908م)، وازداد عدد المستعمرات من مستعمرة واحدة (بتاح تكفا) عام (1878م)، حتى 33 مستعمرة إلى جانب (68) مستعمرة زراعية وتجارية في العام (1908م).
كما تواصلت الاستثمارات اليهودية في فلسطين وازدادت كمّا ونوعا، وتواصلت عمليات تسريب ملكية الأراضي لليهود، حتى تجاوزت الأربعمائة ألف دونم في نفس العام. وهذه المنجزات والأرقام كانت في غاية الأهمية بالنسبة للمشروع الصهيوني، وقد شكلت الأساس المادي له. ولا شك أن السلطان كان متابعا لأدق التفاصيل لما يحصل في فلسطين،
1881م: غرب روسيا: ضغوط متزايدة على اليهود، دفعت مليونين ونصف منهم للهجرة تجاه غرب أوربا والولايات المتحدة الاميركية.
1882م: تشكيل جمعية أحباء صهيون، برئاسة ليون بنسكر [1821- 1891م]، ومهمتها مساعدة اليهود المقيمين في الشام وفلسطين، وتشجيع هجرة اليهود الى فلسطين.
اثرياء اليهود: لترون موريس دي هيرش [1831- 1896م]، تبرع بانشاء مستعمرات في الأرجنتين. بارون ادوند دي روتشيلد تبرع بانشاء مستوطنات في جنوب فلسطين.
روما والقدس/ منتصف القرن التاسع عشر- كتاب لليهودي الفرنسي موسى هس [1812- 1875م]، شخص مشكلة اليهود في عدم وجود وطن قومي لهم..
المسألة اليهودية/ 1896م- تأليف النمساوي تيودور هرتزل [1860- 1904م]، تضمن أسس حل مشكلة اليهود.
1893م: ظهور مصطلح الصهيونية لاول مرة بقلم الصحفي النمساوي اليهودي ناثان برنباوم [1864- 1937م].
مؤتمرات صهيونية برئاسة هرتزل: 1897/ بازل، 1898/ بازل، 1899/بازل، 1900/ لندن. والاخير ركز على الدعاية الصهيونية.
الصندوق القومي اليهودي/ 1901م. البنك الانجلوفلسطيني/ 1903م
1903م: عرض هرتزل بانشاء وطن قومي في اوغندا، عارضه الروس..
مؤتمر بانورمان [1906- 1907م]..
مؤتمر سري عُقد في لندن في الفترة ما بين (1905- 1907م)، بمشاركة بريطانيا وفرنسا وهولندا وبلجيكا وإسبانيا وإيطاليا، عرف بمؤتمر بانرمان؛ والذي افتتحه رئيس وزراء بريطانيا هنري كامبل بانرمان [1836/ 1905- 1908م] بهذه الكلمات: إن الإمبراطوريات تتكون وتتسع وتقوى ثم تستقر إلى حدٍّ ما، ثم تنحل رويدًا رويدًا، ثم تزول، والتاريخ مليء بمثل هذه التحولات، وهو لا يتغير بالنسبة لكل نهضة ولكل أمة، فهناك إمبراطوريات روما، أثينا، الهند، الصين، وقبلها بابل وآشور والفراعنة وغيرهم. فهل لديكم أسباب أو وسائل يمكن أن تحول دون سقوط الاستعمار الأوروبي وانهياره أو تؤخر مصيره؟.. فقد بلغت أوروبا الآن الذروة، وأصبحت قارة قديمة استنفدت مواردها وشاخت مصالحها، بينما لا يزال العالم الآخر في صرح شبابه يتطلع إلى المزيد من العلم والتنظيم والرفاهية، هذه هي مهمتكم أيها السادة وعلى نجاحها يتوقف رخاؤنا وسيطرتنا.
وفي عام (1908م) قدّم الوزير البريطاني هربرت صاموئيل [1870- 1963م]، وهو سياسي بريطاني يهودي، وأول مندوب سامي بريطاني في فلسطين، مذكرة اقترح فيها تأسيس دولة يهودية في فلسطين تحت إشراف بريطانيا، شارحاً ما ستجنيه بريطانيا من فوائد من قيام هذه الدولة في قلب العالم العربي، والقريبة من قناة السويس.
نشر حاييم وايزمان [1874/ 1849- 1952م] مقالة في تشرين الثاني من العام (1915م) في صحيفة (مانشستر غارديان)، قال فيها: إذا دخلت فلسطين ضمن منطقة النفوذ البريطاني، ووافقت الحكومة البريطانية على تشجيع إسكان اليهود فيها، فإنه يمكن أن يصير لنا فيها خلال عشرين أو ثلاثين عاماً نحو مليون يهودي، أو ربما أكثر من ذلك فيشكلون حراسة عملية قوية لقناة السويس.
وتذكر بعض المصادر أن اللورد ليونيل روتشيلد [1868-1937م]: زعيم الطائفة اليهودية في إنجلترا، قد تقرب إليه كل من حاييم وايزمان - أول رئيس لإسرائيل فيما بعد- وناحوم سوكولوف، ونجحا في إقناعه في السعي لدى حكومة بريطانيا لمساعدة اليهود في بناء وطن قومي لهم في فلسطين. ولم يتردد روتشيلد في ذلك، بل سعى بالإضافة لاستصدار وعد بلفور إلى إنشاء فيلق يهودي داخل الجيش البريطاني خلال الحرب العالية الأولى.
بتاريخ 2 نوفمبر عام (1917م) رسالة مُوَجَّهَةٌ من وزير خارجيّة المملكة المتحدة آرثر بلفور [1848- 1930م] إلى اللورد ليونيل دي روتشيلد [1868- 1937م] أحد أبرز أوجه المجتمع اليهودي البريطاني، و ذلك لنقلها إلى الاتحاد الصهيوني لبريطانيا العُظمى و إيرلندا. نُشر نص الوعد (أو الإعلان) في الصحافة في 9 نوفمبر عام (1917م).
أول مفاوضات على مستوىً عالٍ بين البريطانيين والصهيونيِين كانت في مؤتمرٍ عقد في [7 فبراير عام 1917م]، شارك فيه السير مارك سايكس [1879- 1919م] و القيادة الصهيونية. قادت النقاشات التي تلت هذا المؤتمر إلى طلب بلفور في 19 يونيو/حزيران من روتشيلد و حاييم وايزمان أن يقدما مشروع إعلان عام.
نُوقشت مشاريع و اقتراحات أُخرى، من قِبل مجلس وزراء بريطانيا خلال سبتمبر و أكتوبر، مع مُدخلات صهيونيّة و مُعادية للصهيونيّة، و لكن دون أي تمثيل للسكان المحليين لفلسطين. أُذن بالإفراج عن الإعلان النهائيّ بحلول [31 أكتوبر 1917م].
معركة بئر السبع/ (31 أكتوبر 1917م)
. وقعت عندما هاجمت قوة مشاة المصرية (اي اي اف)، واستولت على حامية جيش مجموعة يلدريم في بئر السبع.
شملت القوة القتالية: 47.500 مقاتل، 15 ألف بندقية، 60 رشاشة الية، 28 مدفع ميداني. خسائر بشرية 171 جندي. جرحى ألف جندي. أسير 1.974.
اجتمع الأمير فيصل بن الحسين [1883- 1933م] مع الصهيوني وايزمان، بوساطة بريطانيا. وحسبما هو ثابت في محاضر اللقاء تعهد فيصل بتوثيق التعاون مع الحركة الصهيونية وفتح باب الهجرة أمام اليهود، واعترافه بوعد بلفور.
وفي تصريح لونستون تشرشل [1874/ 1940- 1945/ 1965م] في (11 يوليو 1922)/(كان آنذاك وزيراً للمستعمرات): أن فلسطين كانت مستثناة من تعهدات الحكومة البريطانية للعرب بالاستقلال، وادعى بأن فيصل بن الشريف حسين كان قد اتفق أثناء مباحثاته مع البريطانيين عام 1921 على ذلك.
في عام (1939م): اعترفت الحكومة البريطانيّة أنه كان من المفترض أخذ آراء السكان المحليين بعين الاعتبار. وفي عام (2017م): اعترفت أنه كان ينبغي أن يدعو الإعلان لحماية الحقوق السياسيّة لعرب فلسطين.
من التقسيم إلى الانتداب..
بعد تقسيم بلاد الشام حسب اتفاقية سايكس بيكو، كانت منطقة فلسطين (من بئر السبع جنوبا إلى عكا شمالا) منطقة دولية، ولكن بعد انتهاء الحرب رغبت بريطانيا بتغيير هذا المبدأ من الاتفاقية؛ إذ أرادت إنشاء معبر متواصل بين الخليج العربي وميناء حيفا. فاجتمع في إبريل 1920 مندوبي الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى في مدينة (سان ريمو) الإيطالية، ليقرروا الشكل النهائي لتقسيم الأراضي العربية التي سقطت من قبضة الدولة العثمانية.
في هذا المؤتمر اتفقت الأطراف على منح منطقة فلسطين لبريطانيا (رغم أن هذا يتعارض مع ما تم الاتفاق عليه سابقاً)، وتم التوقيع على معاهدة (سان ريمو)، التي حددت مناطق النفوذ البريطانية والفرنسية في المشرق العربي؛ بحيث تكون سورية ولبنان تحت الانتداب الفرنسي، وفلسطين والأردن تحت الانتداب البريطاني، بالإضافة إلى العراق، (مع الالتزام بتنفيذ وعد بلفور).
فلسطين تحت الإنتداب البريطاني للفترة: [مايو 1921م- مايو 1948م].
لم تتشكل أحزاب فلسطينية إلا في مرحلة متأخرة نسبيا؛ حيث تأسس حزب (الاستقلال) العربي سنة (1932م)، حزب (الدفاع الوطني)/ (1934م)، الحزب (العربي الفلسطيني)/ (1935م)، حزب (الإصلاح)/ (1935م). وهذه الأحزاب تأسست في القدس، أما حزب (الكتلة الوطنية)، فتأسس في نابلس سنة (1935م).
ربما يكون الحزب الشيوعي الفلسطيني هو الأقدم، إذ تأسس عام 1919، لكنه كان بقيادة مشتركة بين العرب ويهود يساريين. عموما، كانت هذه الأحزاب ذات قيادات تغلب عليها النزعة القبلية، ولا تحظى بقاعدة شعبية عريضة (باستثناء حزب المفتي الحاج أمين الحسيني[1895- 1974م]).
وكذلك تأخّرت نسبيا ردّات الفعل الشعبية، والتي جاءت على شكل هبّات وانتفاضات جماهيرية. كان أولها هبّة (1920م)، ثم (1921م)، ثم هبّة البراق/ (1929م)، ثم الإضراب الكبير/(1936م)، والذي تبعته ثورة شعبية استمرت حتى العام (1939م).
كما تأخرت ردّات الفعل الشعبية المسلحة والمنظمة، فمثلا حركة الشيخ عز الدين القسام [1882/1920/ 1930- 1935م] ظهرت عام (1935م)، ثم ظهر في مرحلة لاحقة جيش الجهاد المقدس بزعامة عبد القادر الحسيني [1907/ 1936/ 1947- 1948م]، وحسن سلامه [1910/ 1936/1947- 1948م].
روسيا والصهيونية..
شارك الاتحاد السوفياتي وجميع الدول الاشتراكية الأوروبية التي تعيش في كنفه في أعمال المؤتمر الصهيوني العالمي المنعقد في أمستردام مؤخر صيف (1966م(/ (كتاب موسكو واسرائيل-ص415).
- في الوقت الذي أقرت واشنطن الوصاية الدولية على فلسطين، ألحت موسكو على التقسيم والاعتراف بإسرائيل/(ابراهيم الشريقي- دور الدول الاشتراكية في بناء اسرائيل-ص42- 53)
ناور السوفيت لحمل الأمم المتحدة على الاعتراف بإسرائيل/(عزيز الحاج- صفحات من تاريخ الحركة الشيوعية في العراق بين [1958- 1969م]/ ط1- 1981م- المؤسسة العربية للدراسات والنشر/ص (298- 305)
في الوقت الذي تراجعت فيه أمريكا عن تقسيم فلسطين وطالبت بإلغائه، ناضل السوفيت من أجله/(داود سنقرط-اليهود في المعسكر الشرقي/ص 49-ط1- 1983- دار الفرقان للنشر).
[14]). يقول عزيز الحاج، وهو من قادة الحزب الشيوعي العراقي السابقين في ذلك: [وفي آذار 1948 اتخذت الولايات المتحدة موقفاً جديداً مفاجئاً بالمطالبة بالعدول عن قرار التقسيم، ووضع فلسطين تحت الوصاية الدولية المؤقتة، غير أن الدول الاشتراكية عارضت ذلك بشدة/(داود سنقرط- اليهود في المعسكر الشرقي/ص(47- 53).
وفي جلسة مجلس الأمن في 30 آذار (1947م) قال غروميكو: إن رجوع حكومة الولايات المتحدة عن موقفها المؤيد لقرار التقسيم قد خلق وضعاً جديداً للقضية الفلسطينية، يوجب على الوفد السوفيتي استنكاره أشد الاستنكار. فموقف السوفيت نحو التقسيم هو موقف المؤيد له والمناصر والعازم على تنفيذه.
إن الولايات المتحدة في موقفها الجديد لا تكتفي بمعارضة مشروع التقسيم فحسب، بل تريد الإبقاء على وحدة فلسطين. وترفض إرغام المعارضين (العرب) على قبول أي حل آخر. إن أمريكا بموقفها هذا إنما تعارض إرادة الأمم المتحدة التي أقرت التقسيم، وأقرت معونة اليهود على خلق وطن قومي لهم في ديارهم بفلسطين]/(عزيز الحاج- صفحات..ص(300- 301).
وقد لخص عزيز الحاج تصريحات غروميكو وغيره من مندوبي الدول الاشتراكية في الأمم المتحدة في عام (1947م)، المعبرة عن المواقف الشيوعية المتآمرة على القضية الفلسطينية/(كتابه: صفحات ص(298- 305).
وقد أورد كذلك الكاتب نهاد الغادري قصة التأييد السوفياتي لقيام إسرائل وقرار التقسيم في كتابه: (التاريخ السري للعلاقات الشيوعية الصهيونية).
وفي الوقت الذي حاولت فيه بريطانيا منع الدول الاشتراكية.. (من مساعدة إسرائيل على القيام في فلسطين، والحدّ من هجرة اليهود إليها، قامت الدول الاشتراكية في أوروبا الشرقية بهذا الدور)/(منحيم بيغن- كتاب (الثورة)- ت: سمير صنبر- دار الجامعين- ص29)
وذكر ميناحيم بيجن [1913/ 1977- 1983/ 1992م] الدور المهم الذي لعبته دول أوروبا الشرقية (الاشتراكية) في المساهمة في هجرة اليهود إلى فلسطين رغم أنف بريطانيا/(الثورة- ص29)..
أما عن دور روسيا الاشتراكية، في تهجير اليهود إلى فلسطين راجع ما ذكره الدكتور عمر حليق بهذا الخصوص/ ملف(تهجير الاشتراكية لليهود إلى فلسطين)، ذكر فيه أعداد المهاجرين اليهود من كل دولة اشتراكية، ساهمت في دعم قيام إسرائيل/(موسكو واسرائيل- ص(411- 465))..
وفي ديسمبر 1947 نظم الحزب الشيوعي العراقي مظاهرات صاخبة ضمت كل أعضائه وأنصاره وطافت المظاهرات في شوارع بغداد وغيرها من كبريات المدن العراقية معلنة تأييدها لقرار تقسيم فلسطين ومؤيدة لفكرة إقامة دولة يهودية، وفي مقدمة كبرى هذه المظاهرات سار عضوان بالحزب الشيوعي العراقي، أحدهما مسلم والآخر يهودي وقد تشابك ساعداهما كرمز للصداقة والمعايشة التي يدعو لها-منذ ذلك اليوم فقط-الحزب الشيوعي العراقي ويباركها/(طارق حجي- موقعه في الحوار المتمدن).
(22)
نحن أمة عظيمة..
لما كان كل هؤلاء الموتى والمنتظرين، وما وراءهم من دول ومؤسسات وحركات وأحزاب ورساميل، اجتمعوا ضدّ كيان الأمة العربية، فلا بدّ أن أمتنا من العظمة والدينمية والأهمية، بحيث يجعل الآخرين يتخرصون ويرتعبون من صمتنا، بل من فقرنا وطيبتنا التي تتجاوز حدّ الغباء.
فإذا كانت إمارة بني الأحمر في طرف من شبه جزيرة أيبريا، ورثت كلّ المشاريع والغزوات المستمرة حتى نهاية الزمان، فماذا كان يحدث، لو احتل العرب فرنسا وألمانيا وعموم قارة اوربا، عودا إلى شبه جزيرة الأناضول. ولم يفتهم غزو الجزر البريطانية، واسر الزاكسن والفايكنغ، وعرض نماذج منهم في سوق نخاسة دمشق وبيغداد والاسكندرية.
هل هؤلاء ورثة الملكوت وأتباع القائل: (أحبّوا أعداءكم، وصلّوا لأجل الذين يضطهدونكم/مت 5: 44). أي تطبيق أخلاقي والتزام روحي يسمون به أنفسهم، ليلتحقوا بأسلافهم اليهود، مستبدلين: (البنوّة الالهية)، بـ(البنوة أب-ليسية) التي وصف بها السيد المسيح كهنة اليهود.
اسرائيل: هذا الصنيعة المسخ ، من منتجات توربينات البخار والثورة الصناعية، هو بذرة انتقام تاريخي، لدولة الاندلس، التي أخرجت أوربا من الظلام إلى النور. ووظيفة اسرائيل ومن وراءها، أعادة العرب والمسلمين من النور إلى الظلام. هه.
ان تجتمع عقول أوربا، بروتستانها وأشكنازها، علمانيوها وملحدوها، لتدمير الكيان العربي وتفريغ ثقافتهم وحشوها بالترهات الغربية، أمر يدعونا للفخر، والشعور بقيمة اعادة اكتشاف تاريخنا وأصولنا الحضارية، ومكامن الثورة والقوة في تقاليدنا وإسلامنا، وفي سيقان جمالنا وأعمدة قصائدنا..
ان تجتمع الكولونيالية والفاشية، والصهيونية والشيوعية، ويتم تجنيد فيالق العلماء والفلاسفة والساسة والرأسمالية، مع فيالق الغوغاء من مرتزقة أوربا وديماغوجيا التخريب بين ظهرانينا، فذلك يعني أننا ضحايا هجمة ابليسية عارمة من الغرب وعبر البحار، وأننا قاعدون في بلادنا، ومنتظرون، منتجات الحضارة والتطور والتمدن، مما نراه في أيامنا، وانبطاحنا.. لكن.. كم من فئة قليلة.. وإما الزبد فيذهب جفاء..
فاليوم.. لا عذر ولا اعتذار.. (بل الانسان على نفسه بصيرة/ القيامة 75: 14).
سواء كان (الله)/(يهوه)، أو (التاريخ)، هو الذي حكم على اليهود/(أمة كهنة وقديسين)، بالشتات والتياه الأبدي في الأرض؛ فمن ذا يقاوم (الله) أو يتمرد على (التاريخ). هذا ما يقوله حاخامات اليهودية. ولا مفرّ من عقاب الله. أو استفزاز عقوبات وأحكام جديدة أصعب من الأولى.
ولتتصور وضع اليهود الحالي، ومنه وضع (دولة اسرائيل) وممارستها، من غير شبكة الرعاية والحماية الغربية لها؛ بل كيف تؤول الأمور، عندما تنعدم هاته الرعاية والحماية ذات يوم. والعلاقات بين أوربا واسرائيل، بلغت حدّ القرف، لعدم احترام اسرائيل للمواثيق الدولية، والسياسات الأوربية المتعلقة بالتوازن والسلام في المنطقة والعالم.
ليس سوى أميركا، ومشروعها التدميري لبلدان الشرق الأورسط، تدعم أسرائيل بالمطلق: ظالما أو مظلوما. وبعد أن بلغ مشروعها مراحل متقدمة من تفتيت العرب وتدمير عناصر قوتهم، ووقوعهم تحت السيطرة التامة، لن تعود بحاجة لممالئة اسرائيل المتمردة والطاغية منذ البدء.
الولايات المتحدة الأميركية نفسها، حصرت نفسها في زاوية ميتة عمياء، كالعدو العالمي الأول للبشرية والعالم. وهي تعلل خيبتها بعدم الحاجة -لأصدقاء-، وتكتفي بتحالفات ظرفية؛ أية تحالفات؟!!.. تحالفات أم احتلالات؟.. اضعف مخلوق في العراق وغيره من فرائس الوحشية الامبريالية، يقول: ان الانجليز كانوا أذكى وأفضل من الاميركان، بالعلاقة معهم.
الاحتلال الناعم، والسياسات الوسطية، أفضل من مظاهر العنجهية والاسفاف الأخلاقي، لبلد، يدين (80%) من سكانه بالبروتستانتية المتشددة. عقدة الاميركان بالشعور بالنقص والخوف، أعجزتهم عن التخلص من شخصية الكابوي. وما زالت البلد الوحيد، الذي يسلح كل مواطن، بما فيه أطفال المدارس، لقتل عقدة الخوف. أية دمقراطية واستقرار اجتماعي، وتطور تكنولوجي لا أخلاقي، تعيشه مملكة إبليس وعرش الشيطان المذكور في سفر الرؤيا؟..
استعجال ظهور المخلص السماوي: عودة المسيح لانقاذ شعبه في العقيدة اليهودية، واجتذاب المؤمنين به حسب العقيدة البروتستانتية، وفي صدارتهم، الأميركان. أين هي مواعيد الله إذن؟.. هل يعمل الله بمحض أمره، أم بأعمال الشعوذة والسحر الأسود، التي تستنقع فيه المسيحية الصهيونية؟..
تحديان للذات الالهية، يضاف لهما التحدي الأخطر: فكرة نقض الله، وسحب البساط من يده، باعتباره صانعا للتاريخ ، وتعيين طبقة العمال المعدمين، كقوة صانعة وخالقة للتاريخ، المعدم الذي لا يجد قوته، ويعجز عن ايواء جسده، هو الذي يصنع التاريخ ويحكم مستقبل البشرية، باسم (دكتاتورية البروليتاريا)، وهاته هي عظمة الرفيق ماركس.
ماركس الذي لم تعرف عنه روح النكتة، عرف كيف يمرر سخريته من (العبيد)، ويجعل نفسه (قائدا) لجيش العمال، يقودهم لفردوس غير الهي وغير سماوي. ذلك ما حلم به (سبارتكوس) في ظل الامبراطورية الرومانية، حلم به ماركس في ظل الامبريالية الصناعية.
استخدم ماركس العمال للثورة على أصحاب رأس المال. والعامل لا يعتاش على غير فضلة صاحب العمل. ومن غير الرأسمالي لا توجد (طبقة عاملة). من غير طبقة رأسمالية، لا توجد طبقة عاملة، ولا توجد بروليتاريا ثورية. وهو وضع كتابه باسم (رأس المال)، وليس (بروليتاريا)، أو (البؤساء)/(1862م)- رواية فكتور هوغو[1802- 1885م].
ما علاقة البروليتاريا بالالحاد؟. هل عبادة المال، شرط أساسي لصناعة البروليتاريا، ولهاثها المستميت وراء ورقة البنكنوت؟.
أما كان أولى بالعقل الماركسي، -لوكان جادا في أفكاره-، نبذ فكرة العملة المصنوعة لأغراض تبادلية، والدعوة لمجتمع انساني، واقتصادي انساني بلا عملة والحاد، ومن غير ابتذال وإغراق في الماديات.
ما علاقة الاشتراكية والتاريخ، وهما من المجلات الانسانية بالعلم. هل يوجد علم تاريخ، أم علم الاشتراكية. إذا كان (الاقتصاد) نفسه من مجالات البحث والاجتهاد المستمر، تبعا للظروف والمستجدات والأهداف السياسية للبلد، فكيف يكون ما يستحيل تقنينه واستدراك مستقبله، بصفة العلم.
ان مفردة العلم نفسها، تنقصها العلمية، وما زالت علوم الفيزياء، تنقض بعضها البعض، وكذلك هي بقية قطاعات البحث المادي، فماذا عن حياتهم البشر وأساليبهم البدائية والوحشية لاكتساب الغذاء وتوافه المعيشة.
المبالغة في تقنين الظواهر، وهي نزعة حداثية، تميز بها الانجليز، لا يجعل من ظاهرة ما علما. تجميد الظواهر والحالات والتصورات، ينافي تعددية الاحتمالات التي تخضع لها النوازع البشرية. ليس كل الناس يطبخون (الرز) بنفس الطريقة، ولا توجد طريقة واحدة لاعداء الحساء أو البيض أو تقطيع وتبهير اللحوم.
لكن ماركس نفسه، لما يعلم بالسقوط. ولا علم أن العمال صاروا يمتلكون بيوتا وسيارات فارهة، وأبناؤهم أطباء ومهندسون. لأنه لا يوجد عامل أبدي، ولا بروليتاريا أبدية، تعيش على هامش المجتمع، وتقتات فضلات المعمل، من أجل عيون ماركس وأنجلز.
العمال أيضا يذهبون إلى المدرسة، ويشاهدون التلفزيون، وبعضهم، افتتح لنفسه مشروعه الخاص، وصارات له ورشة أو مطعم، وتحت امرته عدد من العمال. ان مفهوم القوى العاملة، لا ينفصل عن السوية البشرية، وسنة التطور.
اليهود ليسوا بروليتاريا، وما قام به روتشيلد، كان درسا أكثر عمقا من اجتهادات ماركس. بنى روتشيلد فنادق رخيصة لليهود الوافدين لانجلتره، وساعدهم في العثور على عمل والاتكال على أنفسهم، وبعد أعوام، يصبح اليهودي المعدم صاحب متجر ومسكن، ويرسل ابناءه للمارس الحرة التي أنشأها روتشيلد نفسه.
المعدم لا يبقى معدما، والعامل الكادح لا يبقى كادحا، والمهاجر لا يبقى مهاجرا، إلا العاجز عن المراقي، أو المريض بالطفيلية والاتكالية.
بغرور جامد، رسم فرضياته (العلمية)، متأثر بالنعرة الفوقية الانجليزية، متحدثا عن حركة الحياة من جانب واحد، بعين واحدة، متناسيا أن اطرافا أخرى تساهم في حركة الوجود وصناعة الحياة. والرسمالي والاقطاعي والسياسي البرجوازي، لا يقفون وقفاهم إلى الحائط، منتظرين، دوران حلقات ومراحل ماركس النبوية، كما هو مرسوم في سفر الرؤيا.
حتى عبيد الهندوس وطبقة المنبوذين، تمردوا على النظام الاجتماعي، ويعيشون حياة حرة اليوم، سواء في المهجر، أو غيره. من هو العامل الذي يعمل ثلاثين/ خمسين عاملا، ولا يتدرج في العمل، وفي المستوى الاقتصادي، والترف الاجتماعي. وهذا يعني أن افكار روبرت أوين أنجع من خرافات ماركس. لكن أوين لم ينشئ أحزابا وتنظيمات تروج لعقيدته الجامدة، يتعامل بالحاضر، ولا يحلم بمستقبل بعد ألاف السنين.
ماركس مثل كومت وسبنسر، انكر شيئا، ثم استنسخ نسة منه، وفرضها على أتباعه. اشتراكية ماركس الشيوعية، مجرد استنساخ مشوى لسفر (رؤيا يوحنا)، وهو أضعف أسفار الانجيل، برأي علماء اللاهوت. فماذا تكون رؤيا ماركس الخرافية، القائمة على الغاء الله والديانات. لا تلغي ديانة، لتنشئ ديانة مادية شخصية، فهاته نكتة.
لم يعد ماركس منظرا اشتراكيا، ولا صلة له بها. فهو منظر امبريالي صهيوني رأسمالي، نشأ في بيئة انجليزية فاسدة، وجوده فيها أبرز اتهام يوجه له. وانتماؤه لتقاليدها الفكرية، يجعلة ضمن لهاث اليهود وراء لندن ومغرياتها السياسية. الحداثة تجسدت في فرنسا، والثورة الفرنسية أكبر منجز حداثي ثوري. لمنه هجر باريس، هرب منها للعالم التقليدي القديم، لامبراطورية فكتوريا، التي تمنت أن تكون رجلا لتقود الحرب ضد روسيا.
ان علينا كعرب: سكان شرق المتوسط، أن نفكر أكثر من مرة، في أبعاد التآمر والتحالف الماركسي الشيوعي بعلكة أشتراكية وهمية موعودة، مع الصهيونية ومسخها (اسرائيل)، لتمييز البشر والايديولوجيات، ولكن لتوعية مبادئنا الاخلاقية، وطيبتنا وكرمنا وتسامحنا، الذي بلغ بنا أن نحتضن الجواسيس والمخربين والفاسدين بين ظهرانينا، ونحن نتحدث عن العدو والاحتلال الخارجي.
عدوّنا في الداخل، في داخل عقولنا وعواطفنا الغبية. ولا غرابة أبدا. أن يتنافح العرب، لرفع شعارات الدفاع عن اسرائيل،وتبني مبادئ الصهيونية، والترويج للمشروع الأميركي لتخريب الشرق الأوسط، لفرد نفوذ اسرائيل.
تلك الروائح العجيبة الغريبة، التي تلبست بها عقول كثير من وسائل الاعلام العربية وكتابها المجانيين، الراقصين للفالس الأميركي والصهيوني، وكان أكرم لهم، لو رقصوا لحكوماتهم الوطنية، بدل الفخر بمعاداتها. أي مجتمع يتقبل هؤلاء، ليس على سويّة، ولا ينتسب أو يتصل لمفاهيم الوطن والوطنية والانتماء.
غزو اميركي، غزو طائفي، غزو صهيوني، غزو شيوعي، شعارات فضفاضة.. يجعل من تاريخ القرن الحادي والعشرين، نكتة مبتذلة. أنت غير مأمون داخل جلدك. كثيرون يبلطون جلدك بالترهات. وكثيرون يفصلون بينك وبين جلدك. تأكد، إذا كا جلدك هذا، هو جلدك الحقيقي الذي ولدت فيه، أم أنك الآن شخص آخر، غريب، مغترب، تكره نفسك حتى القرف.
اسرائيل بلغت سبعينها، وهذا ليس مجال الحديث في ذلك. والشيوعية، بحسب ما تقدم، هي (كتائب حرس اسرائيل) وعسسها، داخل المجتمعات العربية المحيطة باسرائيل، من النيل إلى الفرات. تلك الأحزاب والتيارات والجمعيات والواجهات النقابية والثقافية والمهنية المزورة، لعبت لعبة تساوي كلّ وجودها، وقيمة شعاراتها.
العهد الملكي كان يصف الشيوعيين بالمخربين، وهي الصفة والتهمة المثبتة في محاضر الشرطة. العهد الجمهوري دعاهم بالفوضويين. فالملكية والجمهورية يدركان تاما حقيقة التنظيمات الشيوعية وما وراءها، ولكنهما لم يفضحاها على الملأ، ولم يمنعاها من الاستمرار، وذلك خضوعا لاملاءات سرية بريطانية وروسية وأميركية.
مصر الناصرية وحدها، نجحت في حدّ نفوذهم، لكن العراق بقي مهلهلا وساذجا وقصير النفس، في القيام بعمله. العراق في عهوده لم يدفع الشيوعية للابتذال والمهانة التي يجدون أنفسهم فيها باسم الدمقراطية الأميركية الرأسمالية، ويتحالفون مع الطائفية الرجعية والعميلة، بحثا عن (القوامة).
لكن الأحداث المتأخرة التي طالت مقرات الحزب وواجهاته النقابية والحزبية، كشفت غياب حصانته الدستورية أو الطائفية. لا أمل في أن يكشف الحكم الطائفي، حقيقة التنظيمات الشيوعية ومصادرها الخارجية المعادية للأمة والبلاد. لماذا لم يكشف العهد الملكي والحكم العارفي واحكم البعثي، المتهم بمصادرة ارشيف الحزب وكشف أسراره، لماذا لم يكشفها للملأ؟..
بينما لم يعترف هؤلاء للحكومة، عدم عرض ارشيفها في وسائل الاعلام.
من غير المبرر ذاك الهجوم الشيوعي المستمر لليوم، على الدولة العراقية في القرن الماضي، وهي التي سمحتىله بالوجود والاستمرار، والتحفظ هلى صهينته. هل ينكر الحزب ذلك، ما هي الأدلة..
إذا كانت الصهيونية واسرائيل لم تقدح في تراث العرب والاسلام، ولم تنفع خمسة قرون في ثلم الاسلام، فماذا ينتظر الغوغاء أن يخرجوا به؟..
بلاد العرب صارت سوقا.. سوق بلا انتاج ولا بضاعة.. بضاعتها الناس وسوقها افكار مجانية لحقن عقول العصافير..
المستقبل لن يصنعه الاميركان، وبالتأكيد ليس ماركس وأتباعه ومريدوه.. ولا الصهيونية: توراتية ام علمانية.. للمستقبل مفتاح آخر، وموعد قدح آخر.. عندها يظهر أبطال التاريخ وفرسانه..
(لا اقسم بيوم القيامة. ولا أقسم بالنفس اللوّامة. هل يحسب الانسان ألّن نجمع عظامه. بلى قادرين على أن نسوي بنانه)- (القيامة 75: 1- 6).