أين نحن من الثورة؟

مشعل يسار
2019 / 6 / 24

من المعروف أن الرأسمالية في بلادنا ولدت في عصر الإمبريالية - أي عصر تحول الرأسمالية الأوروبية إثر الثورة الصناعية شيئا فشيئا إلى إمبراطورية عالمية ألغت الحدود الإقطاعية السابقة - كرأسمالية مشوهة قياسا إلى الرأسمالية الأوروبية. فالثورة الصناعية في أوروبا الناجمة هي نفسها عن الاستيلاء على المستعمرات إثر رحلات الاستكشاف المعروفة وتوسع السوق الرأسمالية غيرت جذريا الواقع ألاقتصادي فساوت بين الرجل والمرأة في علاقتهما بالرأسمالي وهي علاقةُ دونيةٍ واستغلال لكليهما. كما ساوت بينهما في المجال الاجتماعي اذ فجرت العلاقات الاجتماعية الاقطاعية تفجيرا عنيفا.فضربت تأثير الكنيسة المحافظ على التقاليد والعلاقات الإقطاعية وفصلت الدين عن الدولة وشنت حربا على مجمل التقاليد محدثة ثورة ثقافية وحررت المرأة من عبء العلاقات الإقطاعية الإضافي. فالرأسمالية إذن في بلادنا رُكِّبت كرأسمالية كومبرادورية وسيطة (سمسار) بين اقتصاد أوروبي منتج واقتصاد يقدم الخدمات التجارية ويجعل بلادنا ومثيلاتها سوقا للشركات الاجنبية الأوروبية في البداية، ثم لتلك التي نشأت من جموح هذه الشركات وبحثها المحموم عن الربح الأكبر في البلدان التابعة سابقا والتي باتت يدها العاملة الرخيصة مستعدة لخدمة رأس المال إنتاجياً وبأرخص الأثمان، أو يجعلها مجرد مصدر للخامات اللازمة لصناعتها يعيَّن حكامها تعييناً كنواطير على هذه الخامات ذوي جعالة مرتفعة نسبيا لا أكثر. فجاء هذا التركيب مصطنعا وكان مثابة "طربوش" وضع على هامة العلاقات الاقطاعية ومن دون ان تفجر هذه العلاقات كما حصل في أوروبا ، فبقي ما نسميه "المزرعة" في التركيبة السياسية وفي العلاقات الاقتصادية والاجتماعية. وبقيت الشرائع والطقوس الدينية مثابة شاهد حي على بقاء واستمرار تلك العلاقات الاقطاعية كمسيّرة ومنظِّمة لحياة المجتمع.
وهكذا بقيت الرأسمالية بشكلها المشوه اقتصاديا كرأسمالية غير منتجة وغير مفجرة للعلاقات الأقطاعية، وتواءمت الأخيرة وتعانقت وتوادّت مع الرأسمالية الآتية بطبل وزمر من الخارج كـ"عريس" عصري لابسٍ السموكنغ وقامت بخدمتها أفضل خدمة (وهو ما يسميه أشقاؤنا المصريون بـ"خدّامي الجِِزَم" ونسميه نحن في لبنان "الإقطاع السياسي").
فقط ثورة برجوازية استكمالية على العلاقات الإقطاعية المكبلة لتطور رأسمالية منتجة في بلادنا الغنية بالخامات النفطية والغازية خاصة وأحيانا بالموقع الجغرافي والتراث التاريخي الفريد من نوعه كما لبنان مثلا، تقوم بها الفئات الدنيا والوسطى من البرجوازية الصغيرة الثورية وصغار الموظفين والمثقفين الشعبيين (بروليتاريا العمل الذهني غير المرفهة بأجور عالية خاصة) وبعض فُتات البروليتاريا الصناعية والزراعية المتوافر في المؤسسات الانتاجية الصغيرة (معظمه للأسف في ظل العولمة متكون من اليد العاملة الأجنبية التي تتكلم لغات مغايرة للغة البلد والمحرومة من كل ضمان اجتماعي والخائفة والحريصة على البقاء في عملها لأن طردها منه أسهل من طرد المواطن المحلي) - من شأنها ان تنفض هذه العلاقات الاقتصادية والاجتماعية نفضاً لصالح تحرر الرجل والمرأة معا من بقايا العلاقات الاقطاعية وتتوق الى العلاقات الاشتراكية بفضل الدور الذي يمكن ان يلعبه في هذا الأئتلاف عناصر الحزب الشيوعي الواعية كعنصر ضاغط. وهنا يلعب دوره الهام ديالكتيك الواقع المادي والوعي. فوعي الشيوعيين المحليين المستقى من تجارب الثورات الاشتراكية في البلدان المتقدمة (ما يسميه البعض بالأورومركزية) يمكن أن يتحول إلى تغيير أكثر جذرية في البنية التحتية للمجتمع تحت راية الثورة الوطنية الديمقراطية. ولئن تقدمت مهام هذه الثورات في بلدان أخرى كالفيتنام وجنوب شرق آسيا وكوبا وغيرها من بلدان أميركا اللاتينية من التحرر الوطني إلى التحرر الاجتماعي في ظروف معينة على رأسها وجود الاتحاد السوفياتي وتأثير ثورة أكتوبر، فإنها في ظروفنا الحاضرة أكثر تعثرا، لا سيما في ظل موجة الانتهازية والإصلاحية البرجوازية التي اكتسحت مجمل الحركة الشيوعية العالمية الناجمة عن الأممية الشيوعية (الكومنترن) فأعادت إلى الأذهان خيانة قيادات الأممية الثانية عشية الحرب العالمية الأولى. لذلك على الشيوعيين المثابرين الأوفياء للنهج الماركسي الثوري (الأصولي) أن يبذلوا المزيد من الجهد (وهنا يبرز العامل الذاتي) لتصحيح مسار أحزابهم و"تثوير"ها مجدداً بالاستناد إلى الفكر الثوري الماركسي وتطويراته اللاحقة إثر التجارب الحاصلة بحلوها ومرّها، بانتصاراتها وهزائمها، بغية تحويلها إلى "بيضة قبّان" في عملية التغيير المقبلة التي سيشارك فيها ممثلو الطبقات البرجوازية المتواضعة نسبيا من الناحية الاقتصادية والاجتماعية والأكثر ثورية.من الناحية الفكرية - السياسية - الاجتماعية.
هذه المسيرة لن تكون دونها عقبات كأداء في عصر العولمة الاقتصادية وتغير كل معالم التقسيم العالمي للعمل. فالصين ونمور آسيا وبعض نمور أميركا اللاتينية اكتسحت سوق الإنتاج الصناعي وبكلفة متدنية، فحجبت عن المتخلفين عن الركب هذه الإمكانية لأسباب اقتصادية بحتة تتعلق بسعر كلفة الإنتاج، واسترشادا بالمثل القائل: من سبقك خطوة سبقك الطريق كله!!!. ومن هنا بات على كل بلد من هؤلاء المتخلفين أن يبحث له عن مخرج اقتصادي لكسب رزق شعبه يستند إلى موقعه الجغرافي (طرق مواصلات) أو الجغرافي-التاريخي (سياحة وزيارة للمعالم التاريخية) أو إلى تقاليده التي يتفرد بها إنتاجيا أو ثقافيا. هذه المسألة تصبح أكثر فأكثر متلازمة ومهام التحرير ويفترض أن تدخل في برامج أحزاب التغيير لتكون مثابة المنارة التي يهتدي بها طالبو التغيير بغية جذب الرأي العام إلى المشاركة في تنفيذ مهمتهم التاريخية.