تفكيك العنف وأدواته.. (25)

وديع العبيدي
2019 / 6 / 21

وديع العبيدي
تفكيك العنف وأدواته.. (25)
(لو كنتم عميانا، لما كانت لكم خطية؛ ولكنكم الآن تقولون: أننا نبصر، فخطيتكم باقية/(يو 9: 41)).

الشيوعية.. الصهيونية.. الامبريالية، وما بينهما..
(8)
بين المؤتمر الصهيوني الأولي في بال/ سويسرا/(1897م) وصدور وعد بلفور/(1917م) عشرون عاما. ولم يصدر وعد بلفور إلا بعد احتلال الانجليز لبغداد بتسعة أشهر. وباحتلال العراق، سيطر الانجليز على الاقليم الجغرافي الممتد من وادي الرافدين حتى وادي النيل.
لكن حدثا آخر حصل ذلك العام، لا يجوز التغاضي عنه، وهو نجاح الثورة الاشتراكية في موسكو/ (اكتوبر 1917م)؛ وذلك بقيادة اللجنة المركزية للحزب الشيوعي التي ضمت أثني عشر عضوا (تسعة منهم يهود)، بضمنهم فلاديمير لينين [1870/ 1917- 1924م]: المنظر الاشتراكي الماركسي وقائد الحزب والثورة والدولة.
ما هي الصلة العضوية بين تينك الأحداث الثلاثة، وهي أحداث تاريخية عالمية، مؤسسة لمستقبل العالم والمنطقة العربية تحديدا.
لقد بررت المدونة الغربية الامبريالية، قضية اليهود واضطهادهم، بممارسات روسية/(1882م)، دفعت مليونين ونصف يهودي روسي للهجرة غربا وجنوبا. بينما شكل اليهود طليعة الحركة الثورية الروسية، والمحرك الأساس لقلب الحكم القيصري، وبناء الاشتراكية السوفيتية. كم هي نسبة اليهود في روسيا؟!..
وفي نفس السياق، تستمر الصلة بين الانجليز والروس، بمثابة (العدو الحميم). ولا تنام لندن، إلا واحدى عينيها تراقب ما يجري في موسكو.
في خضم هاته التغيرات والأحداث العاصفة، في ظل ظروف الحرب الباردة بين الشيوعية والرأسمالية، كانت المنطقة العربية تشهد حركات واتصالات حثيثة، سيكون من نتائجها، ظهور جمعيات ومنظمات وأحزاب اشتراكية وشيوعية، ومسميات أخرى، لمضمون واحد.
ما هي الصلة بين الاحتلال الانجليزي للمنطقة العربية ونشأة الأحزاب الشيوعية في المجتمع العربي؟.. وكيف تتسق تلك الظاهرة، مع الظاهر على السطح، من عداء الشيوعية للامبريالية الرأسمالية والرجعية الدينية؟.. وقد نشأت التنظيمات الشيوعية في العالم العربي، في وقت مسلسل زمني وحقبة واحدة/(عقد العشرينيات من القرن العشرين)؟..
ان التاريخ، يشبه متحفا جميلا، على درجة من التنسيق والتواؤم والاعتبار، ولكنه لا يتصل بالواقع. لسبب بسيط، ان الواقع بشع، منفر ووحشي. ومتاحف العالم جميلة، بدء بتصاميم القصور التي تتضمن معروضات تاريخ مزعوم.
مشكلة التاريخ، انه يصنع لاحقا/ (تاريخ رجعي)، يدبجه كتبة الملوك، حسب هوى الملوك، وتلبية نزعاتهم النفسية البطولية والطهورية.
صلة الوصل بين الاشتراكية والرأسمالية هي اليهودية الاشكنازية. صلة الوصل بين الشيوعية والامبريالية الغربية هي شخصية اليهودي الاشكنازي. تلك الشخصية التي جرى التعتيم عليها وعلى نشاطها، في الحراك الاشتراكي العالمي والشيوعيات البلدانية، كما في الخدمات الامبراطورية/ الامبريالية، لبريطانيا والولايات المتحدة الأميركية تحديدا.
بل أن العناصر اليهودية، كانت في صدارة الوظائف الامبريالية للاحتلال البريطاني لبلاد العرب، وفي المقدمة منهم برسي زكريا كوكس [1864- 1937م]، المندوب السامي البريطاني في ايران [1918- 1920م]، الذي نقلت مهامه إلى بغداد بعد عام (1920- 1923م).
عمل كوكس في الهند [1864- 1890م] وفي منطقة الخليج [1893- 1903م]، ساهم في الثورة العربية الشعبانية مع الحسين بن علي/(1916م)، ودخل بغداد مع الجنرال ستانلي مود/(مارس 1917م). ويعتبر مهندس مشروع الاحتلال البريطاني للعراق، على غرار قرينه اليهودي الامريكي من (أصل بولوني) بول وولفيتز/(مواليد 1943م) مهندس مشروع الاحتلال الأميركي للعراق/(2003م).
نخلص من ذلك إلى مجسم هندسي مثلث، تتوزع رؤوسه بين[لندن- موسكو- بغداد]، وشفرته (الشيوعية)!
(9)
قبل الاستغراق في تفاصيل اللغات والمصطلحات والمفاهيم والنظريات، ما كانت الأفكار الاجتماعية والاشتراكية والشيوعية اختراعات مسجلة باسماء أشخاص أو فئات؛ وانما كانت الهيئة الاجتماعية التي يدرج البشر فيها، وتتطور حياتهم ومنظوماتهم المجتمعية.
وفي اعتقادي، ان (المشاعية/ التكافلية) هي النظام الجتمقتصادسياسي الأول الذي عرفته الجماعة البشرية قبل التاريخ. ولم تكن يومها قد ظهرت أفكار السلطة والسيادة والملكية والدين. ولذلك لم تعرف تلك الحقبة من طفولة البشرية، ماهية الحرب والصراعات وسفك الدم، التي أوردتها التوراة والكتب البرهمية لأول مرة.
كما تعتبر قصة يوسف التوراتية وطريقة معالجته للسنين السبع العجاف، أو تأسيس عملي مسجل لنظام اقتصادي اشتراكي، قائم على الملكية والادارة العامة للأرض وأدوات الانتاج/(تك41).
ولم تُدرَس اقتصاديات كنعان والرافدين دراسة وافية مفصلة، للوقوف على مناهجها وأنظمتها السياسية والاقتصاجتماعية، بدل الأفكار السلبية العامة والنظرات العدائية الجاهزة التي وضعها الاستشراق بين يدي العالم. ولكن الشرق عموما، عرف التطبيقات والاساليب الاجتماعية التكافلية والمشاعية القديمة، ولم يتعارفوا العملة والحيازة والسلطة. وهي المعالم الثلاثة، التي تنتظر مشاعية ماركس التخلص منها ذات يوم، بينما يعمل الفريق المناوئ على ترسيخها وتضخيمها وادخالها في مل منافذ الحياة والبشرية، بدل الماء والهواء، ومن غير اعتراض أو مقاومة.
الغرب الشحيح، لو لم ينتزع وازعه الأخلاقي، كان أولى به، التعرف إلى التكافل الاجتماعي، الذي سبقه الشرق فيه، وعرفته غيتوات اليهود، وبشر به الانجيل في أعمال الرسل (4: 32): [وكان لجمهور الذين آمنوا، قلب واحد ونفس واحدة. ولم يكن أحد يقول: ان شيئا مما يملك هو له. بل كان لهم كلّ شيء مشتركا].
لكن عصر النهضة الاوربية وما تضمنه وأسفر عنه، قام على القرصنة الفكرية والتاريخية، على كلّ ما سبقه، وألغى أي دور للسابقين من غير الأوربيين، في حركة الفكر والحضارة. لذلك صدرت كتب التاريخ وهي تبتدي بالاغريق ثم الرومان ثم عصر النهضة الأوربية والعصر الحديث.
وذلك بالغاء تام، للعصر الاندلسي [711- 1492م] وقرصنة توما الاكويني [1225- 1274م] على كتابات ابن رشد [1126- 1198م] وأفكاره، واختزال تاريخ الاسلام والعرب، في صورة العدو الهمجي المهدد للحضارة والمدنية الغربية، دون تساؤل، أين كان الغرب عندما كانت المدنية والحضارة وحركة العلوم والمعارف واللغة والرياضيات والهندسة، تنبلج في وديان النيل والفرات.
بل أين تتلمذ فيثاغورس [570- 495 ق. م.] وافلاطون [427- 347 ق. م.] وغيرهم من عباقرة الاغريق، قبل أن يشتهروا، ويضعوا أعمالهم الخالدة، بتطوير وتنسيق أفكار المشرق القديم.
فلا غرو أن تظهر الاشارات الاشتراكية الاولى في كتاب (يوتوبيا)/(1516م) للمفكر والمستشار الانجليزي توماس مور [1478- 1535م] الذي أعدمه هنري الثامن، لمعارضته في: قانون السيادة، وقضية طلاقه من زوجته كاترين اراغون، ورئاسته البشرية للكنيسة في انجلتره. وفي كتابه (يوتوبيا) يعرض توماس مور، لمجتمع قائم على الملكية العامة للأرض وأدوات الانتاج.
أما مصطلح (اشتراكية) بالمفهوم المعاصر، فقد ورد لأول مرة في كتاب (مشروع جماعة فلسفية)/(1777م) للمفكر الفرنسي يوسف الكسندر فكتور دهوباي [1746- 1818م، الذي وصف نفسه في عام (1785م) كمؤلف مشاعيّ، وكان اول منظر للمشاعية العصرية، وهو تاريخ يسبق الثورة الفرنسية/(1789م).
وكان لدهوباي اسهام فاعل في المناقشات الفكرية والتنظيمية لما بعد الثورة الفرنسية، وكانت له مراسلات مع ميرابو [1749- 1791م] والنباتي الفرنسي بيرناردين دي بيير[1737- 1814م]. والمفارقة، ان يصادف عام وفاة دهوباي (1818م)، ميلاد الاشتراكي الالماني كارل ماركس [1818- 1883م].
ومن الاشتراكيين الرواد: البريطاني/(ويلز) روبرت أوين [1771- 1858م] الذي أنشأ مستوطنة مشاعية في انديانا باسم (التناغم الجديد)/(1825م)، والفيلسوف الفرنسي شارل فوريه [1772- 1837م] الذي بني عدة مستوطنات مشاعية في الولايات المتحدة الاميركية مثل مزرعة بروك/[1841- 1847م].
ويعتبر أوين مصلحا اجتماعيا، بدأ بالاصلاح من نفسه ومن واقعه الشخصي، إذ بدأ عاملا في سن مبكرة، حتى صار شريكا في المعمل، وطبق أفكاره الاجتماعية الاصلاحية في معمله، متخذا لذلك عنوان (الاشتراكية). وقام بنشر أفكاره وتطبيقها في أنحاء ويلز وسكتلندا وانجلتره، حتى عبر البحار. وقد اعتمد العمل التعاوني الجماعي طريقا للاصلاح.
قام اوين بخفض ساعات العمل من (17- 10) ساعة في اليوم، وامتنع عن تشغيل الأطفال تحت سن العاشرة، وامتنع عن نظام الغرامات التي كان ارباب العمل يفرضونها على العمال. كما أنشأ مدارس قريبة من المعامل لأبناء العمال. قام بدعم الورش الصغيرة، بدل المعامل الكبيرة. وفي وقت لاحق اتصل بالحكومات وحثها على استصدار عدة تشريعات اصلاحية لصالح العمال والطبقات الفقيرة.
محور اهتمام أوين هو (الانسان: ذلك الفرد)، وليس (التاريخ) أو (السيادة) مما التبست بهما العقدة الأوربية. وهو في ذلك يتمثل الهم الأساسي لفكر التنوير الفرنسي، داعيا للعناية بالبيئة الاجتماعية الحاضنة لنشأة الفرد. وبحسبه، ان الانسان ليس شريرا، ولكنه يتطبع بمؤثرات بيئته وملامحها، فتنطبع في ذاته وسلوكه.
فالبيئة الطبيعة المشذبة، النزيهة من الأغراض والأطماع والنعرات الايديولوجية، تتكفل ببناء شخصية بريئة مستقلة من البصمات والسياط الفكرية لآلهة أرضيين، يفرضون وصاياتهم على الناس رغما عنهم، دون ترك حرية الاختيار للفرد في ممارسة حياته المستقلة.
اولئك الذين الغوا (الله) ووصاياه الاخلاقية، ليضعوا أنفسهم في محله، وينظروا للبشرية ما يجب وما ينبغي، ونسوا في خضم ذلك، انهم بتعاليمهم الشوفينية، ركسوا البشرية في خانة العبيد، خانة (البشر القاصرين عقليا ونفسيا)، عن صناعة حياتهم واختطاط سبلهم، والتمتع بالحرية الطبيعية التي هي حق مقدس لكلّ فرد.
الحرية بالمفهوم الحقيقي الطبيعي، وليس بالمفهوم المادي النسبي البرجوازي، الذي يجعل الحرية (مكافأة) يكفلها النظام السياسي والحزبي، لمن يطيع وصاياه وتعليماته. ولقد أدرك روسو [1712- 1778م] وفوريه وأمثالهم، أهمية الانسان كطاقة هائلة حرة في الوجود، وليس كمادة خام تقوم الأقلية/الطليعة باستغلالها وتوجيهها، حسب هواها وأغراضها، مختزلة انسانيته واخلاقياته، ليكون مجرد (عبد مسلوب) أو (ماكنة/ روبوت).
ولأجل ذلك، رفض اوين مبدأ (الربح) الذي هو أساس المتاجرة، معتبرا (التجارة) أساس الشرّ والفساد في العالم. ان الربح الذي يضيفه المنتج/ التاجر لرفع (سعر السلعة) هو (جريمة اقتصادية/ اجتماعية)، تولد أرضية لشبكة جرائم بشعة، من نتائجها اشتساع مساحة الفقر بين الناس، وتركز القوة الاقتصادية في فئة قليلة من اللصوص والمرضى نفسيا وعقليا.
وهذه هي الكارثة التي يعيشها العالم الرأسمالي اليوم، وتنعكس شروره على البشرية، عبر شبكة سياسات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، الذي يغالي في الارباح والديون وفوائد الديون، ليجعل من عموم البشرية ومجتمعاتها، قطعان عبيد تخدم (رأس المال) وتعبد (الدولار الأمريكي).
عبادة المال وتأليهه، وراء كل الاسفاف والانحطاط، والجفاف الاجتماعي والانهيار الاخلاقي العام، الآخذ في الانتشار في كل البلدان الخاضعة لديانة المادة وعبودية القروض الدولية وضرائبها التصاعدية. ولو أخذ العالم العاقل بمبدأ روبرت أوين في (حظر الربح) والبنك اللاربوي الشريف/(غير الملتوي)، لاختزل الكثير من ملامح وضاعة عصرنا الراهن.
حظر الربح يعني ايضا تحديد الانتاج حسب حاجة المجتمع: [العرض = الطلب]. لكن الطمع والجشع/(غياب الاخلاق والقيم)، يدفع المنتجين لاغراق السوق بالسلع، مستخدمين وسائل الاعلان والجاذبية غير الاخلاقية، لخداع المستهلك؛ (بضمنهم الأطفال والنساء)، لتوريطهم في شراء أشياء غير ضرورية، تتحول إلى نفايات منزلية وشيكا.
ان تغول الاقتصاد الاستهلاكي، قاد إلى مزيد من تغول المنتجين والمستهلكين، وفي سباق مسعور، للحصول على درجة السبق والأرقام القياسية، في المبيعات والمشتريات، وبالشكل الذي قاد العالم للخروج عن سويته البشرية. ولعلّ مناسبة عيد الميلاد من امثلة السقوط الاخلاقي للاقتصاد السياسي الغربي.
يبدأ سعار (كرسمس) في الغرب من أواخر سبتمبر ويتم تزويق المحلات والشوارع والأسواق، ونشر الاعلانات واللافتات وطباعة كتب الدعاية والتنزيلات، مجللة بحبال من الاكاذيب وأساليب النصب والفهلوه. وما أن ينبلج شهر يناير، تتداعى وسائل الاعلام لنشر نتائج السعار التجاري، وبيانات الشركة والسوق، الذي حقق أكبر مبيعات وحجم ارباحه المذهلة.
في الأعوام الأخيرة، فقدت أعياد الميلاد جاذبيتها وقيمها الاخلاقية، ومعناها الديني من جهة، ومن جهة أخرى، صار الناس أكثر وعيا بأفلام التفاهة التي تسوقها الشركات الاستهلاكية مدعومة باقطاعيات الحكومة. لكن المهزل، ان تبتلع الدعايات المجتمعات غير الأوربية وغير المسيحية في السعار التجاري اللاأخلاقي لعيد الميلاد.
وسواء في أسواق لندن أو العواصم العربية، تروج موجات استهلاكية، في حالة غير عادية من غياب الوعي والعقل، واختزال القيم الدينية والخلقية، لتهريب الأرصدة الوطنية من المال والعملة الصعبة خارج الحدود، ولزيادة الشق بين الأغنياء جدا، والفقراء جدا.
ان العالم اليوم لهو أحوج لعودة للمبادئ الأخلاقية للاقتصاد الوطني، وحظر كلّ وسائل التجارة والاعلان والتهافت المادي، ذلك إذ اراد بلد ما ومجتمع ما، أن يخرج من مستنقع الرأسمال والعبودية البنكية للصندوق الأمريكي.
ومن مؤلفات روبرت أوين: محاولات في تشكيل الطبع البشري/(1812م)، العالم الاخلاقي الجديد/(1845م)، ثورة في وعي ونشاط الجنس البشري/(1849م)، سيرة ذاتية/(1857م).
من الاشتراكيين الرواد: الفرنسي شارل فوريه [1772- 1837م] الذي دعا لاشتراكية تقوم على المشاركة الاختيارية، يتطوع فيها الفرد بمحض اراداته وحريته، ويقوم فيها بالعمل الذي يختاره بنفسه، ويتقاعد في سن (28 عاما) ليقوم بأدوار اجتماعية وتربوية، ويأنس بقية حياته.
من ملامح نظرية فوريه، عدم اشتراطه الغاء الملكية، ولكنه يركز على التشاركية في أدوات العمل والاستهلاك والمعيشة. ولكونه من المؤمنين بالقيم الخلقية، اقترح على أشراف الموسرين، تبني المشروع، وبناء مجتمعات قائمة علىالجمعيات التعاونية المساهمة، كل بحسب قدرته وحاجته.
ففي حين رفض لروبرت أوين مبدأ (الربح) باعتبارها اداة استغلال ودمار المجتمع؛ رفض شارل فوريه فكرة (التجارة) واعتبرها أساس الشرّ والفساد في العالم. ومن حكم العرب القديمة: (كثرة البيع والشراء، تنقص الحياء).
وفي القرن السابع عشر، رفضت طائفة البيوريتان/ الطهوريين المسيحية، مبدأ الملكية الخاصة، في تعاليمها التنظيمية. وقد اشار الماركسي الالماني اليهودي ادوارد بيرنشتاين [1850- 1932م] لذلك في كتابه: (كرومويل والمشاعية)/ (1895م) لموقف طائفة البيوريتان المعروفين بالحفارين، بأنهم من رواد المشاعية.
كان بيرنشتاين عضوا في الحزب الاشتراكي الالماني منذ (1772م)/(حزب العمال الاشتراكي الدمقراطي-برنامج أيسيناخ). كما اعتبر بيرنشتاين منظرا ماركسيا اشتراكيا، لكنه انتقد النظرية المادية في التاريخ، كما رفض اجزاء من الماركسية القائمة على الميتافيزيقا الهيجلية، فضلا عن رفضه ديالكتيك هيجل.
وقد مايز بيرنشتاين بين الافكار المبكرة لماركس المتلبسة بالعنف كما في (البيان الشيوعي)/(1848م)، والمرحلة المتأخرة/ (الناضجة) من أفكاره، التي ترى امكانية تحقيق الاشتراكية بوسائل سلمية.
(10)
آراء وليم كار [1895- 1959م]..
وليم كار من مواليد انجلتره/لانكشاير. في الرابعة عشرة من عمره، عمل في البحرية البريطانية ومارس وظائف عدّة، شارك في الحربين: العالمية الأولي والثانية. كما عمل في وزارة المعلومات والاستخبارات والمكتب الصهيوني. زار المنطقة العربية ودرس في الجامعة العبرية والكندية.
يتميز وليم جاي كار بأفكار ورؤى واستنتاجات مختلفة، وغريبة نوعا ما عن محيطه الثقافي الانجليزي واليهودي، وهو لا يخفي ولعه بالشهرة وركوب التاريخ، مما يقتضي التملي والحذر في التعامل مع مزاعمه، ودعاواه الفاضلة. ويبقى أنه صاحب ما يعرف بـ(نظرية المؤامرة)، وفرضية الحروب العالمية الثلاثة/(ثري وورلد وورز)، التي تحققت منها اثنتان، والثالثة على وشك ترامب.
ويعتمد ذلك على بحث وضع مخطط قائم على مزاعم وافتراءات، تكون أساسا لتأجيج السعار بين طرفين، مع انشاء تحالفات وتكتلات يدعم كل منها احد أطراف النزاع. وتذكر هاته الفكرة، بما ينسب لبول وولفيتز في فكرة تطوير (التهديدات الوهمية) واعتمادها أساسا لسباق التسلح واطلاق الحروب.
ويعرف أن سياسة الحرب الباردة، وسباق التسلح والفضاء بين موسكو وواشنطن، كانت من نتائجها الكارثية. كما كانت أزمات الشرق العربي وتوترات الخليج، التي تكللت بسلسلة الحروب المتتالية ضد العراق، وصولا إلى الاحتلال الشامل للعراق، من تطبيقاتها العملية. ولا ننسى، اعلان بوش الصغير الشهير بعد اسبوع من الاحتلال، تكذيب اتهاماته بامتلاك العراق للسلاح النووي.
رأى وليم جاي كار، ان الغاية من الحرب العالمية الاولى، كانت تمكين الشيوعيين من قلب الحكم القيصري، وجعل روسيا مركزا الالحاد العالمي. ولذلك انسحبت روسيا من الحرب، فور نجاح خطتها. وبعد الحرب، وضعت مخططها في (تصدير الثورة) للبلاد الأخرى، بنشر ممثليها وأشياعها، وترويج أفكارها الالحادية والتخريبية، وصولا لقلب الأنظمة واشاعة الفوضى الاناركية حول العالم.
وإذا كانت الحرب العالمية الأولى [1914- 1918م] نجحت في شق العالم إلى [شرق- غرب]، [رأسمالية- اشتراكية]؛ فأن هدف الحرب العالمية الثانية، تكلل بفصل الجنس العبري عن الجنس الاري، واستعدائهما ضدّ بعضهما البعض، وبشكل وفر أرضية منطقية لتأسيس الدولة الصهيونية في فلسطين.
ومن المفارقة، أن يترتب على الحربين العالميتين، انتشار اليهود وتنامي دور الصهيونية في السياسة الدولية، جنبا إلى جنب، انتشار الأفكار والأحزاب الشيوعية في العالم، وفي بلدان الغرب تخصيصا. وبضمنها بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية.
ولعلّ ادراك ما ورائية المخطط الماسوني/ الصهيوني/ الشيوعي، ما استفز الهوية الاصولية المسيحية في كلّ من بريطانيا والولايات المتحدة الاميركية وألمانيا، كحصانة أخلاقية وردّ فعل تنامي النزعات المادية الالحادية واللااخلاقية. تلك التي وجدت روجها وسوقها المفتوحة، مع تيار العولمة.
فلا غرو.. ان يكون (الدين) هو محور الحرب العالمية الثالثة، وبالشكل الذي تردد في عهد الجمهوريين الأمريكان: ريغان [1911/ 1981- 1989/ 2004م] والبوشين: الأب [1924/ 1989- 1993/ 2018م] والابن [1946/ 2001- 2009م/ ؟] وترامب [1946/ 2017م- ؟] الحالي.
وقد استخدم وليم كار المصطلحات والمفاتيح التوراتية والمسيحية، لتأويل وتفسير مجريات العالم، وسلسلة الافكار التي تتقمص البشر، وتنتج منها تيارات وموجات، عابرة للحدود والثقافات بشكل متتابع، ولكن صعب على التفسير المنطقي.
ومراجعة بانوراما التيارات الاجتماعية والدينية والقومية عبر القرن العشرين، يجد خليطا غريبا، وجد حاضنة خصبة بين مجتمعات الغرب والشرق، بما فيها التي تتناقض معها في أسبابها ومبادئها. ويمثل العالم العربي وما ماج على سطحه، من أوضح تلك الأمثلة.
بحيث أفرز انزياحات فكرية وأخلاقية كبيرة، بين عرب بداية القرن العشرين، وعرب بداية القرن الواحد والعشرين. ومع ذلك، يصف البعض العرب بالجمود والتخلف. بيد أن ما حصل على أرض الواقع، لا صلة له بالتطور والعقل، قدر ما هو الضياع، والتشبث بنهاية العجلة.
أصدر وليم كار عدة كتب لشرح أفكاره، منها (أحجار على رقعة شطرنج)/(1955م). والاحجار هي البلدان والمجتمعات، التي تلهو بها المنظمات السرية العالمية، وتتحكم بحركتها واتجاهاتها من خلال نشر إشاعات وأوهام ومزاعم، يتم ترويجها في أكثر من مكان وعبر أكثر من مصدر، وبشكل يؤكد أحدها الآخر، حتى ينطلي أمرها على الناس.
ولعل الطريف، ان مشاهير ساسة الغرب منذ القرن الثامن عشر حتى منتصف القرن العشرين، هم بيادق وأحجار، وقعوا تحت نفوذ المنظمات السرية: ومنها الـ(نورانيون)/(1776م) والمحافل الماسونية. والهدف العام للمنظمات السرية هو تدمير العالم أو إضعافه، بحيث يسهل السيطرة والتحكم فيه، تحت يدهم.
ويبدو أن العولمة، ومبادئها القائمة، على تدمير الثوابت والتحلل من القيم، والغاء الحدود السياسية والأخلاقية والدينية والثقافية، وجعل الالحاد والكفر والفساد والشر والابتذال مظاهر عادية وطبائع عامة، وأمثلة نموذجية للاقتداء بها عبر شاشات السياسات الاعلامية والاعلانية، والتي يسيطر على شبكاتها الرئيسة ثلة من اثرياء الصهاينة، أو التابعين الخاضعين لهم.
وهذا ما يقتضي من الفرد أن يكون سيد نفسه، ويتجنب التقليد والانسياق في موجات وتيارات، قد تبدو مثيرة ظاهرا، وتلتقي مع نزعاته المراهقة في التمرد والانانية ولكنها تنتهي به، لما تبلغه جلسات (الكيف) والتدخين والتحشيش الأعمى.
التقليد والموضة وشارات التحضر والعصرنة والعلمنة والتطور والاشتراكية والانسانية والشيوعية والالحاد، وقائمة طويلة من التزوير والتدجيل، التي جرى نقلها من الغرب الى الشرق المنغلق، هي أدوات الشر واللعنة، التي تلقفها شبيبة الشرق على عماء، وأورثوها ذويهم ودوائر علاقاتهم، فكان عليهم وزرها ووزر من عمل بها.
ومن مؤلفات وليم كار: صنع عالم واحد: سرقة أمة/(1952م)، الأمم المتحدة، بيادق في اللعبة/ 1955م، الشيطان أمير هذا العالم، ضباب أحمر يعلو سماء أميركا، مؤامرة تدمير الدول والأديان.
ان افكار وليم جاي كار، تشكل أرضية خضبة لبناء السياسات الأمريكية والبريطانية والسوفيتية/ الروسية، وقد ظهرت أجيال متحاقبة من باحثين ومنظرين غربيين، نهلوا منها في تصوراتهم وتخميناتهم لمسقبل العالم، وكيف ينبغى أن يتم التصدي له.
(يتبع..)