تفكيك العنف وأدواته.. (24)

وديع العبيدي
2019 / 6 / 18

وديع العبيدي
تفكيك العنف وأدواته.. (24)

(5)
(المسألة الأوربية)..
مشكلة اليهود هي مشكلة أوربية مسيحية/ اجتماعية تماما، تلاقحت مع المشكلة الجيوسياسية، وشكلت ظاهرة أوربية عامة، تنتقل من بلد إلى بلد.
عاشت الجماعات الأوربية صراعات مستميتة مع بعضها ، لتأمين وجودها وحدودها وسيادتها، بعد تهلهل الحكم الروماني. وعندما اختلت بنفسها، اكتشفت غياب/ شحة الأسس الاقتصادية والقيم المجتمعية الداعمة لبناء نسيج وطني، يدعم قضيتي الاستقلال والسيادة.
ان اوربا عموما، قارة شحيحة اقتصاديا وزراعيا، فضلا عن النظرة الخاطئة للعمل الزراعي/ العبودي من جهة، وقليل العائد المادي من جهة مقابلة. ولذا كانت القرصنة البحرية، مفتاح نجاة أوربا. وما من بلد أوربي/(بضمنها أميركا)، لم يكن اعتماده على القرصنة والغزوات البحرية، أساسا لبنائها الاقتصادي والمجتمعي.
مرت البلدانية الأوربية بعدة مراحل، منها ابتزاز الملك للسكان أولا، ومنها ابتزاز الأقطاع وملاكي الأرض للفلاحين والفقراء ثانيا، ومنها الحروب البينية، سواء داخل البلد، أو مع جيرانه، مثل حروب المائة عام، وحرب الثلاثين عام، ثالثا، ومنها اكتشاف الوجود اليهودي المتوزع بين البلدن، وقد بدأت تتراكم لديه رؤوس الأموال التي يبحث عنها الأوربيون، لتقويم استقلالهم وسيادتهم، رابعا.
وهاته هي (المسألة الشرقية)، بالتوصيف البريطاني، وأنا أسميها (المسألة الغربية)، بناء على ما تقدم.
اليهود بنظر الدول، المجتمعات، الكنائس الأوربية، هم (مشارقة)، يقطنون في الغرب ويبتزون خيراته، ويشوهون الصورة الاجتماعية والطهرانية لمجتمعاته العاجزة عن انتاج حاجاتها، والحياة بطريقة انسانية شريفة/(أي من غير نهب وعدوان)/ (وقوف المرء على ساقيه، وليس على أكتاف الأخرين).
وقد سبق التنويه، الى فارق السفاردم عن الاشكناز، والأخيرة هي المقصودة في هذا المقال، وهي التي وقعت ضحية الاضطهاد والاستغلال الأوربي والأمريكي، سياسيا ومجتمعيا. والحالة اليهودية/ صورة الشخصية اليهودية في أوربا، صاغها الفرد والمجتمع الأوربي، وانعكست عليها، مساوئ الصراعات الأوربية، ومحاولتها الاستقواء على قفا الآخرين.
وعندما تتمنطق أوربا العدل والحقوق والسلام العالمي، فعليها أن تفتح سجل معاملتها ونظرتها الشوفينية العنصرية لليهود، والتي انتهت بعد سلسلة من الاضطهادات والابتزازات، الى طردهم ونفيهم من المحيط الأوربي خارجا. سواء في أسيا وأفريقيا، أو الأمريكتين.
ولعل أفظع بلدان أوربا في ابتزاز اليهود، واذلالهم هي بريطانيا. بريطانيا التي ليست مسيحية بالمنظور الكتابي والأوربي، ولا هي علمانية بالمنظور العلماني الانساني، ولا هي شيء في أي شيء، غير التحايل والتطفل والابتزاز والفهلوه.
ولكن بريطانيا، أفضل من فهم العقلية اليهودية، واستعارها وتقمصها مع الزمن. والشخصية الانجليزية الراهنة، هي صورة هجينة للشخصية اليهودية، عقلية وطبائع وعادات وانعزال عن الاخرين وخوف من كل شيء. لذا تجده متربصا، وما يسميه البعض (مجاملة وانفتاح)، انما هو كسر حاجز الخوف، كوسيلة لتفكيك عوامل الرهبة من الغريب.
بريطانيا أول من طرد اليهود خارجها في القرن الثالث الميلادي، وأول من أسس للدعاية المعادية لليهودية، في مسرحية (يهودي مالطه)/(1589م) لكريستوفر مارلو [1564- 1593م]، ومسرحية (تاجر البندقية)/(1600م) لوليم شيكسبير [1564- 1616م]. والاثنان كانا مدعومين من البلاط والحكومة، ويدعون (رجال الملك).
(6)
بعد سقوط الاندلس/(1492م)، طردت ايزابيلا [1451- 1504م] وفرناندو[1452- 1516م] المسلمين واليهود من شبه جزيرة أيبريا. فاتجه كثيرهم نحو المغرب وتونس عبر المتوسط. وبعض اليهود تسلل الى ايطاليا ومنها الى الى فرنسا والمانيا.
اليهودي شخص عصامي، ينتج قوته بيده، ولا يركن للذلة والطفيلية. ولما نزل نذكر شخصية (اليهودي الجوّال) وهو يحمل الأقمشة والسلع المنزلية والنسائية، على قفاه ويدور في الأزقة والمحلات والقرى، لأيام معلومات خلال العام، وهو يبيع ويستبدل البضاعة بالاجل، ويعود بعد عام في نفس الوعد، دون ان ينسى مدينيه أو التوصيات والطلبات الخاصة.
هذا اليهود المكافح من أجل معيشته ووجوده، استثار انتباه الملك النورماندي في انجلتره عام (1070م) ليستقدمه من ألمانيا إلى مملكته، لقاء ضمانات ملكية بالحماية والرعاية (!)، مقابل العمل وتقديم نسبة ضرائب محددة، للبلاط، فضلا عن شروط اقتصادية أخرى.
كان اليهود، يتجولون في كل أوربا، ينتقلون من بلد لآخر بسبب المعيشة، والظروف الاجتماعية والسياسية المتبدلة بعوامل الأزمات والحروب والامراض. ولم يستقروا تماما، في البلاد الناطقة بالألمانية إلا بعد القرن السابع عشر. أما الغيتوات/ (أحياء مغلقة)، فكانت مفروضة عليهم من الخارج، المحيط الاجتماديني الرافض لمخالطتهم.
ودليلي على ذلك، نظام التوطين الانجليزي السائد لليوم، بالنسبة للأجانب الوافدين. ففضلا عن توزيع جغرافي للباكستانيين في برمنغهام، والهنود في مانشستر...الخ، وقطاعات خاصة بالترك والايرانيين والصينيين والعرب في محيط لندن. فثمة أحياء مغلقة بكل جماعة أثينية/ بلدانية، في المدن المتعددة دمغرافيا. فالبنجاب لهم أحياء مغلقة، والبنغال لهم أحياء مغلقة.
فالأحياء المغلقة/ (غيتوز) هي تصميم أمني انجليزي، لتسهيل السيطرة عليهم وصيدهم عند الحاجة. ومنعا لاختلاطهم مع سكان البلاد الأصليين، وهذا ينعكس على تشكيلات المدارس والصحة ومختلف الخدمات والأنشطة البلدية والثقافية.
فالغيتو، الملتصق اسمه باليهود، ليس يهوديا في أصله، وانما كاثوليكيا أولا، يعود لأسس الصراع والتمييز الديني بينهما، واستمرار اتهام اليهود بالسحر والهرطقة وقتل المسيح، وعدم الاعتراف بيسوع الكنائس. وكانت مناهج المدارس الأوربية تعلم التلاميذ جملة الاتهامات الدينية والعنصرية الموجهة لليهود حتى عام (1962م).
السبب الدافع لاستقدام اليهود للبلاد، كان العجز في الميزانية/(الخزانة)، وعدم قدرتها على تغطية نفقات الملك ومشاريعه وحروبه. في وقت كان ملوك انجلتره النورمنديون، يقودون حملة بناء واصلاح الدولة، بينما يواجهون حركة عصيان وتمرد ومعارضة من قبل أمراء المقاطعات وملاكي الأرض.
فاليهود المستقدمون، كانوا العنصر الثالث بين الملك الأجنبي والسكان؛ والبديل الاقتصادي ازاء تململ السكان من دفع الضرائب.
لكن السؤال، هو كيف يضمن الملك سلامة اليهود ورعايتهم، في وقت يواجه بعصيان سكان البلاد، ورؤسائهم. وقد استمرت تلك الازمات والاضطرابات الداخلية، حتى توقيع ما يعرف بالماجنا كارتا/(1215م) الضامنة لحقوق الاقطاع والنبلاء ومالكي الأرض، فضلا عن تنظيم العلاقة بين البلاط والسكان.
كانت الماجنا كارتا، حلا وسيطا لضمان حقوق النبلاء وحرياتهم، مقابل تحديد حقوق الملك وصلاحياته، ومقابل لاشيء للفرد البسيط. لكن الماجنا كارتا، وبما أنها كانت نتيجة لعصيان السكان وتمردهم ضدّ الملك الأجنبي. فقد شكلت أرضية لتنامي الروح الاستقلالية والوطنية في البلاد، ليس ضد الملك الأجنبي، وانما جملة الأجانب، وأتباع الملك.
فلا غرو، ان ينال اليهود في انجلتره، حيف كبير، جراء ذلك، انتهي بهم للنفي والطرد خارج الحدود، من غير تعويضات. وبعضهم اختفى عن الانظار، لبرهة، بانتظار جلاء الغمة.
الأدبيات التي تقول، ان اليهود طردوا من انجلتره، لكنه سمح لهم بالعودة بعد زمن. الواقع انهم لم يعود قبل مضي قرنين على طردهم، ولم يعودوا بنفس الضمانات والأعداد. ولكن أين هي الضمانات الملكية بالحماية والرعاية؟..
عدد اليهود في أفضل أوقاتهم لم يتجاوز [1- 1,25] مليون من اجمالي السكان. لكنهم تراجعوا إلى ثلاثمائة ألف بين الحربين/ وحدود مائة ألف في خيسنيات القرن العشرين، معظمهم من فقراء اليهود يقيمون شمال لندن.
لم يكن اليهود مخيرين في القدوم الى انجلتره. لقد كانوا ينتقلون من بلد تعيس، إلى بلد أتعس. ويبدو أنهم، كانوا يعتقدون بالعقاب الالهي لهم بالشتات والشقاء.. انتظارا لظهور المنقذ!.
السجلات الأوربية أيضا، ومنها تدوينات النت والغوغل، لا تأتي على نزعة العنصرية الأوربية ضد اليهود، والاحتقانات الكنسية ضد التلمود وأتباعه؛ وانما تنسب الأزمة إلى طبيعة الضحية، ونزعاتهم الاستقلالية في حركات نحميا وعزرا [536 ق. م.]، والثورة الحشمونية [140- 63 ق. م.]، والتمرد اليهودي خلال (67- 70م).
فالمشكلة هي عقدة اليهود الاستقلالية، وميلهم للادارة الذاتية لحياتهم، دون تدخل الأخرين.
أليست هاته نفسها عقدة الانجليز التي استعارها وتقمصها هنري الثامن، حتى لو كان ثمنها مروقه من الدين، وتحمله وزره ووزر المملكة إلى يوم اليدن. من يتحمل وزر الانجليانية الوثنية، وكل التحريف والتصحيف الذي أدخلته الملكية الانجليزية على الكنيسة وتعاليمها وكتابها المقدس؟..
(فإن كنت لا تدري، فتلك مصيبة.. وإن كنت تدري، فالمصيبة اعظمُ) - ابن قيم الجوزية [1292- 1350م]
ماذا عن طرد فرنسا لليهود، عقب اكتشاف بئر ماء مسمومة، اتهم البهود بتسميمها، وفد توالى طردهم من كل بلد أوربي، عقب أي اضطراب، اتهم اليهود بالوقوف وراءه. فضلا عن اتهام اليهود بأعمال السحر والشعوذة، التي كانت تنسب لها الأوبئة وكوارث الأمراض التي تجتاح أوربا من حين لآخر، ويتهم اليهود بها.
علما ان قصة اتهام اليهود في أوربا، تعود لأيام الاغريق، قبل ظهور الرومان، وأوربا الحديثة، ومنه مقولة الاغريق: أي مشكلة: صغيرة أو كبيرة، تحدث في أي مكان من العالم، لابدّ أن وراءها يهودي، بشكل مباشر أو غير مباشر.
ومن يقرأ الانجيل جيدا، وسيما اعمال الرسل، يجد اتهام اليهود بمسؤولية جملة الاضطهاد في القرون الثلاثة الاولى للكنيسة. ان أول فرنكشتاين صنعته أوربا، بالاشتراك مع الكنيسة، هو (اليهودي). وما يزال فرانكشتاين العالمي مستخدما في الغرب، في صورة الحكومة الخفية والماسونية، وكارتل الرأسمال المكون من بضعة يهود، أو عائلة روتشيلدز.
ان الشيطان لا يمكن أن يوجد بغير ضحية، يلقي عليها لبوسه، ليأخذ هو صورة الملاك. وهذا هو الملاك الأوربي/ الرأسمالي، وقد سرّب كل آثامه ونجاساته، إلى (ثور) عزائيل!.
أوربا هي البريئة/ النقية/ الطاهرة/ الفاضلة/ العاقلة والعقلانية/ الكريمة والانسانية/ مثال القيم والخلق والفضيلة والتنوير المجاني.
وهؤلاء نحن، الشياطين، الابالسة، المتخلفين، النجسين، العالة، العنيفين، العنيدين، غير المتحضرين، الارهابيين، الدمويين، المفروض تجريدنا من كلّ شيء، وفصلنا عن نسائنا وأطفالنا، وارسالنا الى الجحيم والهمجية، حسب تعليمات النبي بوش الصغير، ووصيفه الملاك ترامب.
وعلى العالم، كل العالم، أن يتسع للفردوس الأوربي، الرأسمالي، العادل والطاهر، والحافل بكل انواع الحقوق المثيرة والمغرية، بضمنها حقوق الفردية المطلقة، والمثلية الشاملة، وكسر دابر العائلة والصداقة والمشاركة الاجتماعية، ما خلا شراكة الفيس والتويت المضادة للمس والحقيقة.
يوجد أوربا واحدة، تمثل الحرية والعدل والتنوير والحضارة والهيمنة المطلقة، بفتوى اله العالم الغربي. وكلّ البشرية ما خلا أوربا، تنقسم إلى حاشية وكومبارس وعبيد. وبطرد اليهود جغرافيا خارج المحيط الأوربي، صار واضحا، ان اليهود ليسوا من ضمن الحضارة والشخصية والجغرافيا الأوربية.
اليهود والهنود والعرب والافارقة والأمازيغ والجنس الأصفر والروس، كلّ هؤلاء، في الطبقة السفلية من الهرم الذي يتسيده الانجلوميركان. هكذا وليس سواه.. مضمون الميثاق الأوربي للحقوق والحريات والعدل الدمقراطي. ومن لم يكن أوربيا، فليرمها بحجر!.
أوربا كيان وهوية جيوثقافية، جيوسياسية، جيودينية واحدة موحدة، لا مكان لغير الجيوحضاري فيها.
وأنت تسطيع أن تكون أوربيا، علمانيا، تنويريريا، متحضرا حتى النخاع، لكنك -جغرافيا- تبقى خارج الجغرافيا الأوربية. تستطيع أن تكون عمدة لندن وواشنطن في وقت واحد؛ أكثر منه تكون رئيس الحكومة البريطانية على نحو عبدالله دزرائيلي [1804/ 1874- 1880/ 1881م]. لكنك تبقى أجنبيا، بدالة سحنتك وعروقك، وما يجري فيها من دماء غير زرقاء.
ان تكون عمدة أو وزير أو رئيس وزراء، فأنت عبد في خدمة المملكة والجالس على العرش. مجرد عبد/ خادم/ أجير. لا تجد وصفا لبنيامين دزرائيلي أنه انجليزي، لكنه بريطاني، والهندي والأفريقي وكل حامل جنسية بريطانية من الدرجة (عشرين)، هو بريطاني.
ولكن من هو الانجليزي رقم واحد. والانجليزي عموما أرقى في كلّ شيء من البريطاني الذي يشمل غير الانجليز. كل ما فعل دزرائيلي وأبوه، لا يساوي قلامة آظفر، من خدمات جندي انجليزي، خدم التاج في نقل الاسلحة على الحمير. لقد كان دزرائيلي يهودي الأصل، كما أن عمدة لندن مسلم بالاسم.
(7)
لماذا فلسطين..
لماذا لم يعين وطن لليهود في زاوية من أوكرانيا أو بولونيا، وهي من البلدان الهشة المستحدثة بفعل حروب ومنازعات أوربية أخيرة. ماذا كان ذلك سيضر الموازنات الأوربية، علما ان معظم اليهود المعانين والمقصود تهجيرهم، كانوا من أوكرانيا وبولونيا وروسيا.
وقد كانت أوكرانيا منطقة مشتركة للعب روسي- بريطاني، وهي اليوم منطقة لعب أمريكي- روسي، كما كانت وما زالت بولونيا، ميدان لعب ألماني- بريطاني.
إذا كانت حكومة بريطانيا معنية باليهود هكذا، فالأولى أن تجعلهم قريبين منها، ولا نقصد أن تمنحهم أحدى جزرها الكثيرة في بحر الشمال مثلا.
إذا كانت معنية بالفعل بقضيتهم، وليس لغرض سوء، لماذا تطردهم خارج حدودها الوطنية والامبراطورية والاوربية، ثم تنسب لنفسها فضيلة. كيف تصادر بلادا، وتطرد أهلها الشرعيين والقدماء قبل التاريخ، لتدفع تعويضا للجماعة اليهودية، أو لشخص ليونيل دي روتشيلد [1868- 1937م]، لقاء ديونه على بنك انجلتره والحكومة البريطانية.
لا هرتزل [1860- 1904م] ولا الحركة الصهيونية جاء على ذكر فلسطين. بل أن اشارة هرتزل العامة اتجهت الى أوغنده. ولم يكن تحديد الارض واردا، وكانت ثمة أراضي خالية يومذاك، كافية لاقتطاع موطن لليهود فيها. لكن نوايا بريطانيا المسبقة والمغرضة، اتجهت وعيّنت فلسطين، لأكثر من غرض.
زار هرتزل روتشيلد ثلاث مرات، كما زار بلدان أخرى للقاء أعيان اليهود وأثريائهم، وفي لندن انعقد المؤتمر اليهودي الرابع/(1900م). وقد أكدت الحركة الصهيونية أنها ليست حركة قومية علمانية، وليست حركة دينية.
وكل من فلسطين والقدس ثيمات دينية توراتية. وما يسوقه اليمين الاسرائيلي الحاكم اليوم، انما يمثل اتجاها يمينيا دينيا، يتعارض مع علمانية المؤسسين الأوائل. كما يتعارض مع الهوية العلمانية لواشنطن، عندما تتداعى لنقل سفارتها للقدس، بل أن تركيز بن غوريون [1886- 1973م]، كان على (النقب) والجزء التالي من سيناء.
بينما يظهر من محادثات السلطان عبد الحميد الثاني مع غليوم الثاني، وفي حضور هرتزل، أن عبد الحميد، اقتراح توطين اليهود في جنوبي العراق. ولم يكشف الكثير في هذا المجال، لكن هرتزل رفض الفكرة.
وعموما، كانت ثمة هجرات متعددة لليهود خارج أوربا، وليست هجرة واحدة. وهي..
1- موجة هجرة إلى الأرجنتين.
2- موجة هجرة إلى الولايات المتحدة الأميركية.
3- موجة هجرة الى أوغنده والقرن الأفريقي.
4- موجة هجرة إلى فلسطين، وهي الأضعف.
وهذا يعني رفض اليهود أساسا القدوم إلى فلسطين. ولكن نسبة الهجرة تصاعدت مع الوقت، وبدفع وضغط من الجماعات الصهيونية ووكالات الدعاية والمافيات الصهيونية، التي لم تترك لليهود مجالا للاختيار، فضلا عن عدم اكتلاك اليهود تكاليف سفرهم، مما جعلهم ضحية لتحكم الصهاينة بهم.
كما أن روسيا، قامت بدور فاعل، في دفع اليهود للهجرة إلى فلسطين. وهي أول دولة اعترفت بقيام دولة اسرائيل.
مع العلم، ان الادبيات الغربية، تنسب نشوء المشكلة للضغوط الروسية ومعاملتهم السيئة في العمل والمعيشة، مما دفعهم للهجرة نحو أوربا، وظهور طبقة المثقفين الذي تبنوا القضية.
أما الدور الالماني المزدوج، في دعم اليهود وتمويل هجرتهم إلى فلسطين، وانشاء مراكز اعتقال وتصفية ومحارق لهم، فهو أمر يفوق احتمالات التصور.
مصدر المعلومات التي تتهم المخابرات الالمانية باحتواء المشكلة اليهودية، ورعايتها وتأسيس رابطة خاصة لتمويل احتياجات اليهود، ودائرة خاصة في المخابرات خاصة باحصاء اليهود وتجميعهم في أماكن محددة، وحمايتهم من أية اعتداءات تتهددهم، هو مصدر روسي
لكن المصدر الذي تناول اضطهاد المانيا لليهود، وأعاد الاتهامات والممارسات لتاريخ أسبق، يتهم مارتن لوثر [1483- 1546م] وراءها، وصولا للمعتقلات والمحارق النازية، فيقف وراءها البريطانيون والأمريكان. وكل من روسيا وبريطانيا واميركا كانوا ضمن (قوات الحلفاء)؛ معادين للألمان ضمن قوات (المحور).
ان التاريخ المكتوب والرائج اليوم، هو من انتاج بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية. وكل ما تنتجه طهرانية الامبريالية الدكتاتورية، هو بمثابة مفاتيح الجنان، التي بموجبها يتم دخول الفردوس من الباب الخلفية. والبلدان هما مصدر معلومات ذاكرة غوغل.
أما موقف العرب من اغتصاب فلسطين، فكان منقسما كالعادة باتجاهين..
- فريق مؤيد للحلفاء، وشارك في الحرب ضد الدولة العثمانية، إلى جانب جيش الاحتلال البريطاني، وتحت راية اللنبي.
- فريق مؤيد للمحور، وله اتصالات مباشرة ببرلين.
والفريقان انتهيا عمليا، ولم يكن لأي منهما دور حقيقي فاعل، سوء الانشغال والتسلي، بيبنما يجري نحر الأضاحي، وتوزيع الغنائم، ليخرج الطرفان بخفي حنين. فريق لورنس واللنبي انتهى بائسا، مهانا. وفريق المحور، انتهى مع سقوط برلين. ولم يبق منهم غير الاتهامات، التي يكيلها لهم أتباع روسيا وبريطانيا.
الفريقان، اندفعا نحو السراب، ولسان حالهما يقول للسلطان العثماني: إذهب وربك فقاتلا: انا هنا منتظرون.
لا شيء عن الأرض. لا شيء عن الدفاع عن الأرض. ولا شيء عن الوطن. كلهم يحلم بالكيكة، وينتظر الكيكة. ليس أمس، ليس اليوم، وانما كل زمان. وكما وصف شكري القوتلي [1891/ 1955- 1958/ 1967م] شعبه لعبد الناصر [1918/ 1952- 1970م] في مستهل الوحدة: اقدم لك شعبا، نصفه وزراء خارجية، والنصف الثاني يحلم أن يكون رئيسا للجمهورية!.
القوتلي نفسه استقال من الرئاسة، بسبب هاته الصورة طبعا، وليس لأجل زعامة عبد الناصر، الذي فشل أخيرا في ادارة دولة الوحدة. وكل زعماء العرب فاشلون في ادارة شعوبهم. ربما حبا بالعيون الزرق، والدماء الزرق.
والغرب، يدرك جيدا، طبيعة العرب، وتناقضاتهم الاشكالية بين القول والفعل، وبين الحكم المباشر، والحكم بالنيابة.
لقد أهملت/ تجاهلت بريطانيا، وجود الشعب الفلسطيني على أرضه، وهي تصادره وأرضه، عطفا لمعاناة يهود أوكرانيا وبولنده وروسيا. وبعد نصف قرن منه، نشرت تنويها، فحواه، انه كان ينبغي مراجعة أهل الأرض في الموضوع. وبعد قرن على وعد بلفور/(2017م): نشرت أنها تعتذر عن عدم استفتاء أهل الأرض في الموضوع.
بريطانيا لا تعتذر عن الجريمة، لا تعتذر عن قرار حكومي سابق، انما تعتذر عن خلل فني، رافق تنفيذ الجريمة. بريطانيا لا تخطئ. وإذا أخطأت، لا تعتذر. على الضحية أن يخادع نفسه، ويعتذر للقاتل.
(يتبع..)