تفكيك العنف وأدواته.. (23)

وديع العبيدي
2019 / 6 / 16

وديع العبيدي
تفكيك العنف وأدواته..(23)
تدافع التدافع..
(ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين/ البقرة 2: 251).
(1)
في (مارس 1917م) دخل الجيش الانجليزي بقيادة فردريك ستانلي مود بغداد، وفي (نوفمبر 1917م) صدر قرار بلفور في لندن بلسان الاسكتلندي: ارثر جيمس بلفور [1848- 1930م]/ زعيم حزب المحافظين ووزير الخارجية، في حكومة ديفيد لويد جورج [1863/ 1916- 1922/ - 1945م]/(ويلز) من حزب الأحرار البريطاني.
ما العلاقة إذن، بين احتلال بريطانيا للعراق، وقرارها باغتصاب فلسطين من سكانها وهويتها الثقافية؟..
احتلال بريطانيا للعراق، كان استكمالا لاحتلالها لمصر في تأريخ أسبق، وعندما توفرت الأرضية الغربية واستحكام قبضتها في المنطقة، جاء قرارها الخبيث في زرع رجسة الخراب في قلب بلاد العرب.
وهذا ينسجم مع منطق التاريخ القديم، عندما كان العراق ومصر، حواضن للجماعة اليهودية، من جهة، وأدوات ردع أنشطتها وتنامي أطماعها الاقليمية. وها هي بريطانيا تأسر مصر الفرعونية وبابل الكلدانية، في أغلالها، لتطلق العنان للخيال الصهيوني. بلفور هو كورش الثاني، ومسيح اليهود الجديد.
لكن بلفور، وحكومته بالنيابة، كانت له ثلاثة أهداف من قراره:
1- التخلص من اليهود ونفيهم خارج أوربا.
2- منع انتشارهم في شرق أوربا، وتهديدهم بلدان أوربا الغربية، ومنها بريطانيا.
3- التحكم بالجماعة اليهودية، واستخدامهم لخدمة مصالحها ورغائبها، ولذلك انحازت بريطانيا لاغتصاب فلسطين، حيث موقعها الستراتيجي في قلب بلاد العرب ومفترق المضائق والمعابر الدولية بين الشرق والغرب، ومنها، التحكم بقناة السويس وحركة الملاحة فيها.
فمنذ تلك اللحظة، لحظة استيلاء اليهودي بنيامين دزرائيلي[1804/ 1874- 1880/ 1881م] على مقدرات قناة السويس، واستراقها من يد فرنسا، صاحبة الفكرة ومشروع التنفيذ الهندسي للقناة، رسخ في حسبان الانجليز، ضرورة تحكمها في مستقبل القناة ومقدراتها، ولأجله، كان زرع اسرائيل اللقيطة في المنطقة.
ولم تتأخر اسرائيل في احتلال سيناء في أول حرب تخوضها ضد أهل المنطقة، وما تزال هاته القضية الساخنة، تستحضر أسبابها، تحت عنوان (أزمة/ صفقة القرن) التي تضع كيان (مصر) ومستقبلها على حافة الكارثة. ورغم أنها كانت السبب والمبرر، لظهور شخصية الجنرال عبد الفتاح السيسي، وطريقة إزاحته لحكم الاخوان، فقد عاد بنفسه، لتوقيع نفس الصفقة الخبيثة.
ما يفرق بين صفقة السيسي وصفقة محمد مرسي، هو أن صفقة مرسي الاخواني كانت مع قطر، وصفقة السيسي الوطني كانت مع السعودية. وكل من السعودية وقطر، بغض النظر عن خلافهما المزعوم، يخدمان بالنيابة، ويعبران عن رغبة ومصالح اسرائيل، ومن ورائها الامبراطورية الانجلوميركية.
وهذا بأشدّ تلخيص، مغزى تشويه التاريخ، وتدمير المنطقة، لمجرد المبالغة في قيمة قناة السويس، الرابطة بين أوربا وبوابة أسيا. وهي مغالطة تاريخية، سوف تفقد مبرراتها وظروفها التاريخية عن قريب، سواء بتغيرات جيولوجية، أو ظهور وسائل نقل واتصال جوية، تغني عن المواصلات البرية، كما ألغت خدمة النت، الكثير من المفاهيم والانظمة التقليدية السابقة.
ولكن، بانتظار التغير الوشيك، ستختفي الاقطاب الحالية: [انجلتره، اسرائيل، الولايات المتحدة الاميركية]، وتظهر خريطة سياسية واقتصادية وثقافية مختلفة تماما عن الغجر وأساليبهم الهمجية.
(نمتّعهم قليلا، ثم نضطرّهم إلى عذاب غليظ/ لقمان 31: 24)
وربما لمس بنو اسرائيل، هاته الثيمة غير مرة، في تاريخهم، ولم يعتبروا بها لغلاظة أعناقهم المعهودة عنهم؛ أما المسخ البريطاني، فأدنى من ادراك جوهر التاريخ. وقد عرف أحدهم، أن يقيس أعمار الشعوب، بأعمار البشر، وفوت عليه غروره، ان شعوب بريطانيا، جزء من ذلك، لها وقت ولدت فيه، ووقت تزدهر فيه، ووقت تذبل وتنحط وتموت.
ولا ينفع الانسان غير عمله الشريف وذكره الطيب.
(2)
يهود سفاردم.. ويهود أشكناز..
المقصود بالأول هم يهود الأندلس، ويقال لهم: يهود الشرق، ودينيا: هم اليهود الأرثوذكس؛ والمقصود بالثاني: يهود الغرب، ويقال لهم دينيا: الاصلاحيين، وهؤلاء، تزاوجوا خارج جنسهم، واعتنق البروتستانتية كثير منهم، من باب التقية.
هذا التفصيل المملّ، ضرورة لغرض التدقيق، وتمييز الأشياء والأشخاص، حسب توجهاتهم، وعدم الخلط واللبس على العمى.
وعندما تذكر (الصهيونية) اصطلاحا، فهذا يعني يهود الغرب/ الاشكناز، وكانوا موضع عناية وانشغال أغنياء اليهود ومنهم المسمى روتشيلد، بأذرعه الخمسة. وكلّ الدين السياسي في اليهودية واليهودية العلمانية، من منتجات الاشكناز. ولا شأن للسفاردم بالصهيونية ودولة اسرائيل وامبراطورية المنظمات الصهيونية في الغرب.
ومع انتشار السفاردم في الهند وايران وأسيا الصغرى، يمكن تسميتهم باليهود العرب/ العرب اليهود، والذين كانوا وعاشوا في بلاد العرب منذ أول ظهورهم، واستمروا حتىبلاد الاندلس والدولة العثمانية. ولما يزل بعضهم يعيش في بلاد العرب، أكثرهم في القسم الأفريقي، وأقلية في القسم الشرقي.
وقد انتهز بعضهم، ولما يزل ينتهز، شراء عقارات والمطالبة بتعويضات في بعض بلاد الشرق، وهؤلاء من يهود الغرب/ الاشكناز، ممن لا يجوز لحكومات الشرق والعرب الانخداع بهم، مهما كانت ضغوط بريطانيا وأميركا من ورائهم. ويختلف الأمر مع يهود الشرق/ السفاردم. وهؤلاء ليسوا ممن يفكرون بطرق الغرب المادية الخبيثة، علما أنهم يعيشون في الشرق، مع اختلاف البلدان.
وبالعلاقة مع العمليات البريطانية القيصرية، فأن الدعاة والمنفذين والغوغاء المستخدمين، هم من يهود الاشكناز، وهم اولئك الهاربين من غرب روسيا الى شرق أوربا. ويشكل يهود أوكرانيا وروسيا وبولنده، أغلبية المهجرين الى فلسطين، بدفع المنظمات الصهيونية، وعلى نفقات تبرعات الأغنياء الذين استأجروا لهم السفن.
ان يهود دولة اسرائيل، ليسوا من يهود الشرق، وانما من يهود الغرب، يهود روسيا وبولنده وأكرانيا، وهم من فقراء يهود الغرب. أما أغنياء اليهود الاشكناز، فقد أقاموا في أوربا الغربية، وانتقل أكثرهم إلى الولايات المتحدة الأميركية أولا، وبلاد أميركا الجنوبية ثانيا.
وعلى سبيل المثال، فأن بن غوريون ووايزمان وشامير وناتان ياهو هم من أول روسية وبولولونية، ومعظمهم قام بتغيير اسمه، متخذا اسماء شرقية/ توراتية قديمة، للتغطية على أسمائهم الأوربية. والمفارقة المخزية، في قصص هؤلاء، انهم أو عوائلهم، اعتنقوا البروتستانتية المسيحية، بمعنى الارتداد أو التنكر للديانة اليهودية.
وعندما يذكر ماركس وفرويد واينشتاين، وكثير من يهود الغرب، فأنهم لم يعودوا يهودا، لاعتناقهم البروتستانتية، وترددهم على الكنيسة، وعمادهم وهم صغار.
لكن تصاعد النعرات الصهيونية، أعاد انتاج الثقافة اليهودية المهجنة، بأسس توراتية تلمودية،ومظاهر غربية عصرية، لمنح أنشطتها نوع من الشرعية الكتابية، والشرعية السياسية الغربية، والتي حظت بدعم من مغظم الحكومات الغربية، ليس حبا وعطفا، وانما حقدا وزراية، لتسهيل تنظيف بلدانهم منهم.
ولي من الغرابة، ان يكون الامبراطور الألماني غليوم الثاني [1859/ 1888- 1918/ 1941م]، من أوائل الداعمين للصهيونية. ولوساطته، يعود الفضل في تقديم النمساوي تيودور هرتزل [1860- 1904م] للباب العالي والسلطان عبد الحميد الثاني [1842/ 1976- 1918م]. ولم تقف فرنسا مكتوفة الايدي، بما يكفي لاستفزاز غيرة لندن، لتنكب القضية، والفوز بنسبة الفضل إليها، كما في قرار بلفور الخبيث.
(3)
عدم شرعية استيطان الاشكناز في فلسطين..
كان من تهور مصطفى كمال [1881/ 1923- 1938م] القومي الاتحادي، وحقده على العثمانيين، أنه أهمل تاريخهم وتراثهم، ولولا تداعي فئة منهم، في حفظ ميراث الحكم العثماني [1299- 1922م] وأرشيفه السياسي والاداري في أقبية احد القصور، لما بقي للملأ، شيء يستأثر به، ومرجع يعاد النظر فيه.
ولا يعرف، في خضم الاهمال والفوضى، حجم الضياع والتحريف والتلف في الوثائق العثمانية القديمة.
من هذا الباب، افترى المؤرخون والكتاب المحدثون كثيرا على الحكم العثماني، وعبد الحميد الثاني تحديدا؛ فيما روجت مصادر غربية وصهيونية، منحه امتيازات وتعهدات ، تسمح باستيطان اليهود الوافدين في أرض فلسطين. بينما كان السلطان عبد الحميد حتى نهاية عهده، رافضا المطاليب الغربية والصهيونية، معترضا على ما يدعى بالهجرة اليهودية لأرض الأجداد.
ان جوهر محادثات عبد الحميد الثاني مع غليوم الثاني، تمحور حول الزيارات الدينية لبيت المقدس، لكل من اتباع المسيحية واليهودية، على السواء، وهو ما استفاد منه، كل من امبراطور ألمانيا مرتين، واصطحب معه فيهما هرتزل وجماعة من اليهود.
ان علاقة عبد الحميد الثاني، ورأيه في المسألة اليهودية/ (الشرقية) يحتاج إلى بحث موسع مستقل، بعيد عن التصحيف والافتراءات البريطانية والغربية، التي تزعم، موافقته على جملة السياسات الغربية في فلسطين، وفي مقدمتها، المشاريع الصهيونية والبريطانية الخبيثة، والعارية عن الصحة والصدق.
الأأمر الآخر، الذي كان أولى بدراسته، هو الدور الألماني المزدوج، في حضانته وتحريضه للمطاليب الصهيونية من جهة، ودوره البديل، في استفززهم مساعدتهم، في وضع مطاليبهم، موضع التنفيذ. والواقع المرّ، أن ينتهي الدور الالماني الاميراطوري والجمهوري، في دعم اليهود ورعاية مطاليبهم، وذلك قبل دخول بريطانيا على الحاضر؛ أن ينتهي الأمر، بإدانة ألمانيا، ويختزل فيها اضطهاد اليهود، ودفع التعويضات، دون سواهم من أوربا.
بينما الحقيقة الطريفة، ان اليهود الذي تعرضوا للاضطهاد والطرد في بريطانيا أولا، وفي فرنسا واسبانيا وروسيا من بعد، وجدوا ملجأ لهم في ألمانيا، ولذلك كان عدد اليهود/ الاشكناز في المانيا أكثر من أي بلد أوربي. ولكن الثعلب الانجليزي، يعرف كيف يقلب المناضد والحقائق والثوابت، ويخدع بها العالم.
ان لغة اليديتش، ليست بريطانية ولا فرنسية ولا روسية، ولكنها: (عبرية ألمانية)، ولا زالت قواعدها النحوية وأصول صرفها، تعتمد على النحو والصرف في اللغة الالمانية. وهذا جانب آخر، من دور السياسة والثقافة الالمانية، في رعاية وخدمة الثقافة والعقل اليهودي، والذي أنتجت حاضنته ابرز العلماء والقادة اليهود.
وقادة الصهيونية/ أو اليهيودية السياسية، نمت وتبلورت داخل الحاضنة الألمانية، ومن قبل علماء وساسة ومفكرين، من مواليد الامبراطورية الالمانية/(النمسا وألمانيا وبوهيميا)، مما يقتضي استذكاره، والاعتماد عليه في تصحيح المعلومات والحقائق التي وقعت ضحية الافتراء والتشويه البريطاني.
ورغم كراهية اليهود العامة لبريطانيا والانجليز تحديدا، وادراكهم لدورها الثعلبي الخبيث والمراوغ، وأنها ليست أهلا للثقة، حسب وصف بن غوريون [1881/ 1948- 1963/ 1973م]، لكن اليهود عموما، أدنى للبراغماتية وعبادية الانانية، من كشف الحقائق، أو احترام التاريخ، وتمييز معادن الشعوب والبشر.
ان كون يهود اسرائيل، من يهود الاشكناز ومن أصول أوربية [روسية، تشيكية، اوكرانية، بولونية]، هو عامل رئيس، في عولة دولة اسرائيل، وعدم وجود ماضي مشترك ولغة مشتركة، مع المحيط العربي. وهذا يختلف تماما، مع اليهود الشرقيين، أو اليهود العرب، الذي لا يحظون بدور أو احترام في جدول المواطنة الاسرائيلية، التي يستأثر بها يهود أوربا.
ان الرابطة العربية العالمية للمطالبة بحقوق فلسطي الشرعية، ينبغى أن تستفيد، من مفارقة [أشكناز/ سفاردم] في اثبات عدم شرعية الهجرة اليهودية الى فلسطين منذ أيام العثمانيين لليوم. وأن الاشكناز، فضلا عن التشكيل في يهوديتهم، نتيجة مصاهرتهم غير اليهود، وهو ينافي وصايا التوراة، ويخرج بهم من نسل الشعب اليهودي.
فهو يسقط دعوى (أرض الأجداد) لمن لم يحترم وصايا الأجداد. ومن الجهة الثانية، فاعتناقهم البروتستانتية، وادخالهم العادات الغربية في العبادات، خرج بهم وبعبادتهم عن أصول اليهودية التوراتية، أو الاليهودية الارثوذكسية.
ويستفاد من تاريخ يهود انجلتره، وعائلة روتشيلد العلمانية، وهو أول من أنشأ (فري سكولز) في لندن، منشقا على سلطة الحاخامات التي كانت تحتكر التعليم اليهودي؛ قبل أن يستدرج روتشيلد - بأمواله- عددا من رجال الدين اليهود، ويبني لهم معابد فخمة في شمال لندن، وينافس التعليم اليهودي التقليدي.
نحن بحاجة، للتعمق في هذا المجال، سواء في داخل الصراعات اليهودية بين اليهود، وبين الدين والتجارة، والعلمانيين والكهنة، أو بين اليهود ورؤسائهم، والمجتمعات الغربية وحكوماتها، وما تتضمنه من مراوغة ودسائس وصفقات، منافية للدين والاخلاق والأعراف الدولية والمجتمعية.
(4)
الحكومة الفلسطينية العربية..
حتى خلال الحكم العثماني، لم تعدم الاقاليم والولايات العربية التابعة لها، من حكومات وإدارات بلدية وإمراء وأعيان، يتولون تمثيلها ورعاية أمورها والذورد عنها إبان المعارك والأزمات والتخرصات الاقليمية والخارجية.
ان القراءات المعاصرة لتاريخ فلسطين، تكاد تعدم وجود ممثلية شرعية لفلسطين، أو أي إشارة الى وجود سكان قاطنين في أرض فلسطين التاريخية. والسؤال: من هو المسؤول على تحريف وتشويه تاريخ الجغرافيا الفلسطينية، ولماذا لم يظهر بين طبقة المتعلمين الفلسطينيين أو العرب، مؤرخون، يوثقون تاريخهم القومي من مصادر التراث والتراث الشفاهي، بدل تركه، لتلاعب الغرابوه والملفقين.
أليس من الضرورة توثيق تاريخ الاشجار والازهار الفلسطينين، كما قال محمود درويش [1941- 2008م].. أليس جديرا توثيق كل قرية فلسطينية قديمة وتاريخ تطورها واندثارها وتحولاتها العصرية، وأسباب تحريفها وتجريفها، بحيادية ونقاء ضمير. ماذا فعلت اسرائيل بالجغرافيا الفلسطينية خلال القرن العشرين، وماذا جرى خلال فترة الانتداب والاغتصاب؟.. ماذا جرى في الشمال الفلسطيني، والجنوب الفلسطيني، ماذا شرق البحر وغرب النهر، وماذا جرى في طبرية ووادي الاردن؟..
من غير الفلسطينيين، أهل الأرض، وأهل القرية والاقليم، أولى بكتابة تاريخ بلادهم، لكي يرفعونه أمام الأجانب من السياح والمتعاطفين، ولكي يفيدوا منه قريبا، حين تتغير معادلات الواقع وتنعدل ثوابت الجغرافيا.
هل فعلت بريطانيا كل هاته الأمور، وتخريف وتغييب التورايخ وقراءات الواقع، لوحدها، أم ان الخمول واخذلان العربي كان إلى جانبهم، وجانب كل عدو يتهددنا.
ان ما سجله التاريخ المدرسي عن تاريخ فلسطين انما هو بائس وشحيح. ولقد نظرنا بأثر ذلك، وهو شأن غالبية المسلمين، إلى فلسطين، وكأنها تفتقد متطلبات (دولة) أو (شعب). وباستثناء عدد قليل من الشعراء، كان ثمة سؤال مجروح، أين الفن الفلسطيني، أين مطربو فلسطين، أين فريق الكرة الفلسطيني، أين دور المرأة الفلسطينية..
منذ قليل، ظهر جيل من الأغنية الفلسطينية.. السينما الفلسطينية.. الموسيقى القلسطينية.. لكننا ما نزال نفتقد تاريخ زهور فلسطين..
لا نعرف تاريخ فلسطين، قبل ظهور عرفات، ومنظمات التحرير العشرة/(ضراير بلا نفع).. ولما لم يوجد حراك سياسي فلسطيني مستقل عن الشعارات والسمسرة، التي انتهت بصفقة مزاد، يقودها زعيم، تم استرضاؤه بربع قيمة جائزة نوبل، ليوضع بعدها تحت الحصار والاقامة الجبرية، ويموت في باريس في ظروف غامضة..
ان عدد كتاب فلسطين، هو عدد كبير. ونسبة الدكاترة والاكادميين، والمدرسين منهم في جامعات غربية، عدد كبير. ولكنهم، للأسف، ليسوا فلسطينيين. لو كان فلسطينيين بالهوية والانتماء والقضية، كما كان يهود الغرب، لتغيرت اعتبارات فلسطين والفلسطيننين، في المجالس الدولية.
لكن أول من يخون القضية ، هم أهلها..
وما أشد المفارقة، بين أكاديمي فلسطين اليوم، أكاديميي الوجاهة الاعلامية، وعقدة الخواجا الغربية،وبين الادباء والمفكرين الفلسطينيين في أواخر القرن التاسع عشر واوائل القرن العشرين حتى منتصفه..
فلسطين بحاجة الى دراسة أخطاء الماضي، منذ لحظة التخريص الصهيوني بأرضها وتاريخ أشجارها وأزهارها وقراها ومدنها التاريخية..
فلسطين بحاجة لطلائع مثقفة أكادمية وأدبية وفنية ورياضية وزراعية وصناعية وصنايعية، تشكل (المجلس القومي الفلسطيني)، تأخذ على عاتقها دراسة وتوثيق كل صغيرة وكبيرة، بشكل مستقل ومحايد، وبعيد عن الاعلام والتهريج، والمزاودات، لحفظ التراث والانسان الفلسطيني أولا، وتضع مقترحات وتوصيات للواقع والمستقبل الاجتماعي الفلسطيني..
هذا المجلس يشرف على أنظمة المدارس ووضع المناهج التربوية المناسبة لبناء مجتمع ووطن ودولة متماسكة، أساسها الانسان والمجتمع والثقافة القومية، وليس العصرنة المهلهلة، والتملق الأجنبي والنفاق العربي والديني الذي يخوض فيه المحيط العربي المتردي..
استقلالية فلسطين هو أساس الانسان الفلسطيني الجديد..
الانسان الفلسطيني هو المثقف العامل المنتج.. بعيدا عن التهريج والرياء..
استقلالية الانسان/ المجتمع/ الوطن الفلسطيني، يبدأ باستقلاله من البترودولار والعروبة القوموية والاسلاموية، بنفس اقدر والمستوى، باستقلاله عن الاملاءات الغربية والتبعية العلمانية، واغراءات الدعم والرعاية والتوجيه الاعلامي..
ابناء اليوم، عليهم تجاوز تجربة منظمات الكفاح المزور والتحرير المصهين، ونبذ دعاوى المفاوضات واتفاقات السلم وترسيم الحقوق، مما هو مشكلة القائمين بالاغتصاب، وليس أهل الأرض. لقد فقد الفلسطينيون كل شيء تقريبا، على أيديى المفاوضين والسماسرة من قبل.
ولم يبق لهم غر أنفسهم، عقولهم وأرضهم، فليحافظوا عليها، ويستثموروها لإعادة بناء الوطن والمحافظة عليه، وتأهيله للمستقبل. فالمستقبل، هو من حق الشعوب الحرة، الشعوب التي لا تباع بالكلام ولغو السلام..
وانظروا وراءكم.. ماذا أثمرت الاتفاقيات والمعاهدات والجمعيات والأحزاب وخرافات الحوار والمدني، غير سقوط العرب والأنظمة والبلدان.. ألا يكفي ما حصل للعراق ولمصر ولبنان وسوريا وغيرها غب قرن من المجاملات الكولونيالية والصهيونية.. هل من اعتبار..
(يتبع..)