-يوم روسيا-: نشأته تفصح عن مضمونه

مشعل يسار
2019 / 6 / 16

...........
في 12 يونيو 1990 أقرت القوى المعادية للسوفييت والطامعة بالسلطة من الديمقراطيين البرجوازيين في مؤتمر نواب الشعب إعلان "استقلال روسيا". وكان جوهر تلك الوثيقة بمثابة تبرير لحاجة القيادة الروسية في شخص يلتسين إلى مواجهة المركز السوفياتي المتمثل آنذاك بميخائيل غورباتشوف، حيث كان الأخير مستمراً في خطابه الديماغوجي البغيض والممجوج، الذي كرهه الناس حتى القرف. ويرجع إلى هذا الاشمئزاز بالذات من شخص غورباتشوف أن قوبل إعلان السيادة في روسيا وغيرها في سياق "عراضة السيادات" الهستيرية آنذاك من جانب المجتمع بكثير من الرضى، على الرغم من أنه كان في الواقع إشارة إلى بداية هجوم القوى المعادية للثورة هجوماً كاسحاً على الاشتراكية، وعلى وحدة الاتحاد السوفياتي، وعلى الصداقة بين الشعوب، وعلى بقايا المبدأ السوفياتي الشوروي أي مبدإ المجالس التمثيلية الشعبية في تشكيل السلطة. لم يكن، بالطبع، كل النواب الذين صوتوا لصالح اعتماد الإعلان معادين للاتحاد السوفياتي عن وعي وسابق تصور، بل هم انساقوا مع هستيريا النضال من أجل ما زعِم أنه الديمقراطية والاستقلال، كما انساقت معها أوسع طبقات المجتمع المسيّسة. وبالتالي، لم تصوت كتلة الشيوعيين (الغورباتشوفيين من حيث برنامجها السياسي) في مؤتمر نواب الشعب الروسي وحسب لصالح إقرار هذه الوثيقة، ولكنها حتى اعتبرت بفخر واعتزاز أن لها الفضل الأكيد في إقرارها. فموجة الانتهازية، أي الاستسلام للموضة، اجتاحت جماهير الحزب العريضة وأضحت بالطبع رائجة عبارات وتعابير من مثل النضال من أجل القيم الإنسانية والديمقراطية العامة (بدون أن تعطى هذه القيم أي محتوى طبقي، ما من شأنه أن يثبت حتماً دجلها) ومن أجل السوق الاشتراكية (كلام مواربة من أجل العودة إلى الرأسمالية)، وفي سبيل الاشتراكية الحقة ذات الوجه الإنساني (هذا الوجه بات الكل يرى قبحه الآن على حقيقته!) وغيرها وغيرها. وهكذا ثبّت الانتهازيون في مؤتمر الحزب الشيوعي السوفياتي الـ28 نهج اعتماد السوق، أي السير نحو الرأسمالية. فيما توجه الانتهازيون في مؤتمر نواب الشعب وجهة السيادة الروسية، ما عنى بالذات انهيار الاتحاد السوفياتي.
كان من الصعب في تلك الأيام ان يقول المخلصون للناس الحقيقة العارية ألا وهي أن علاج الاشتراكية بالرأسمالية سوف يؤدي إلى كوارث خطيرة تتسبب في هلاك الأولى. الناس لم تكن تريد أن تثق بكلام الأقلية المخلصة في تلك الظروف، بل كانت تتضحك تهكماً عندما راحت هذه الأقلية نتنبأ بأن الرأسمالية ستتسبب في انهيار الاتحاد السوفياتي، ما يعني أنه ستكون هناك حدود وجمارك، ووزارات خارجية، وأن البعض سوف يرسل حتى جواسيس إلى البعض الآخر.
وما عتمت أن جاءت الرأسمالية إلى الربوع السوفياتية المشرفة على التفكك، فجلبت معها الملكية الخاصة كنمط عيش جديد قديم، وتقسيم الناس إلى أسياد وعبيد، وجلبت انهيار الاتحاد في خضم سلسلة من الحروب والصراعات القومية: كاراباخ وسومغاييت، باكو وتبيليسي، طاجيكستان، ترانسنيستريا (بريدنستروفييه)، أبخازيا، الشيشان، أوسيتيا وكثير غيرها من الصراعات الإقليمية الأخرى الأصغر حجما والأقل لحظاً، ولكنها لم تكن أقل عنفا وإيلاماً. واليوم ها هي أوكرانيا تنزف دماً منذ سنوات، ويحاول المصطادون في الماء العكر أيضا أن يجروا مولدافيا إلى نفس المصير، وليس معلوماً كم منها يمكن أن يكون، إذا كنا ندرك أن هذه السلسلة المذكورة أعلاه حتمية لا مناص منها لدى التحول من الاشتراكية والتعاون والتعاضد البروليتاري إلى النزعة الفردية والأنانية الرأسمالية؟
في طاجيكستان التي عدد سكانها 5 ملايين نسمة هلك أكثر من مئة ألف شخص في الحرب ضد الإسلاميين (الذين راحت تغذيهم قوى خارجية) حفاظاً على الطبيعة العلمانية للدولة. وكم من مواطني روسيا قتلوا في الشيشان (من الجانبين)؟ وفي أوكرانيا حيث لا يزال الناس يقتلون يوميا في بيوتهم في الدونباس بنيران الجيش الأوكراني؟ وهذا أمر مفهوم، لأن تصادم مصالح رأس المال في هذه المنطقة أكثر وضوحا وشراسة بكثير، لا سيما أن رؤوس الأموال نفسها أكبر حجماً وأكثر عدوانية. وهي تشمل مصالح رؤوس الأموال العالمية التابعة للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
إن الناس التي انتظمت ونهضت للقتال ضد الفاشية في الجنوب الشرقي من أوكرانيا تشعر اليوم، غريزياً، بأن السبب الجذري للمشاكل والويلات يكمن في القلة الأوليغارشية الحاكمة وفي الرأسمالية، ولذلك يجري استخدام العلم الاحمر، علم أوكرانيا السوفياتية والاتحاد السوفياتي، بقوة في صفوف المقاومين. فتطرح وإن بغير دأب وإصرار حتى اللحظة مطالب من مثل تأميم شركات الأوليغارشيا. ولا يزال العديد من السكان يفكرون سوفياتياً وينظرون إلى روسيا على أنها الوريث والخلف الشرعي للاتحاد السوفياتي. ولكن الأمر ليس كذلك. وهو قطعاً ليس كذلك. فروسيا الرأسمالية الحديثة، روسيا البرجوازية، هي مدمرة الاتحاد السوفياتي. ولدينا اليوم صورة فريدة من نوعها عندما تنبعث من جهةٍ الفاشيةُ في أوكرانيا في دثار بانديرا المثير للاشمئزاز، فيما تبحث جمهوريتا دونيتسك ولوهانسك الشعبيتان عن المساعدة في روسيا عند المنضوين تحت علم الجنرال الخائن فلاصوف المعاصرين. فأنصار كل من بانديرا وفلاصوف هم، بحكم طبيعتهم السياسية والاقتصادية، إخوة أشقاء وأعداء ألداء حقودون للاشتراكية.
وكما في عام 1941، يجد الشعب السوفياتي، كتشكيلة تاريخية استمرت قرابة الـ70 عاما، نفسه في مواجهة جماعة بانديرا وفلاصوف، وكذلك في مواجهة أسيادهم من الفاشيين الحقيقيين، الفاشيين قلباً وقالباً. وإن أسيادهم الفعليين وملهميهم هم رأس المال المالي الرجعي الغربي، وقبل كل شيء - الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. فرسميا تترى الاتهامات المتبادلة بوجود انتهاكات لحقوق الإنسان وللقانون الدولي. فيتهم أحدهم الآخر بالقبح، ناسياً أنه هو الآخر قبيح للغاية. ويصار إلى إجراء المفاوضات والمصالحات وعقد الاتفاقيات كاتفاقيات مينسك، بينما تخاض وراء الكواليس النزاعات العنيفة، والاشتباكات، وتعقد المساومات اللامبدئية، حيث حياة الإنسان ليست سوى ورقة في مساومة رخيصة أو حجة إضافية لرمي التهم في وجه الخصم. وهذا هو السبب في امتناع السلطات الروسية من ناحية عن أن تسمي الأشياء بأسمائها الصحيحة، وأن تصف النازيين بما هم عليه، وفي احترامها، من ناحية أخرى لـ"خيار الشعب الأوكراني" المزعوم ومصافحتها للرئيس الأوكراني السابق بوروشينكو وتوقعها الآن خيرا من الرئيس الجديد زيلنسكي.
إن الرأسمالية الأوليغارشية الروسية هي إمبريالية شابة، جائعة، مفترسة وشرهة، ولكنها حتى الآن لا تزال هي العنصر الأضعف والخاضع إلى حد بعيد، إذ ترتبط ارتباطا وثيقا وبآلاف الخيوط برأس المال الغربي، فتحاول كلاعب ماهر وجد نفسه في موقف صعب، نظراً لعدم وجود خطة واضحة لديه للفوز، تحسين مواقعها بطريقة أو بأخرى. وتبرز الآن بين هذه الطرق مسألة التحالف مع الصين الرأسمالية بقيادة شيوعية، والمتضررة هي الأخرى من سياسة العقوبات التي يفرضها المعولمون الغربيون المتمسكون برغبة الحفاظ على هيمنتهم العالمية بأي ثمن. وهو ما ظهر جليا في المؤتمر الاقتصادي الأخير في بطرسبورغ.
أما الوطنيون الروس الصادقون فيحاولون استدرار المشاعر الوطنية عند المواطنين والسلطات. فقادة الحزب الشيوعي الروسي مثلاً صاغوا أسسا دعائية لإخراج الشعب الروسي، أكثر شعوب العالم تقسيماً في عالمنا اليوم، من محنته حين راحوا يقولون أن من الضروري التوحد للدفاع عن اخوة الدم واللغة. وقد أحسن التعبيرَ بهذه اللغة الآن بوتين نفسه. وهذا الأمر ضروري، بطبيعة الحال، إذ يجب أن يكون الروس محميين، ولكن ليس هذا هو الحقيقة كاملة، بل قل إن هذا بعيد عن الحقيقة - انه ليس الحقيقة اصلاً. فأكثر شعوب العالم تشرذماً في عالم اليوم هو الشعب السوفيتي! إنه محروم من حقه في أن يعتبر نفسه شعباً. محروم من الحق في أن يكون له تاريخه الخاص به. محروم من حقه في تقرير المصير، وبالأخص من استعادة سلطته السوفياتية والاشتراكية. ففي هذا الصراع مع الشعب السوفياتي، ومع الفكرة السوفيتية يتوحد ويتضامّ إمبرياليو روسيا وأوكرانيا وكل العالم. في هذا الصراع يبعثون من تحت الرماد بانديرا وفلاصوف. وكل الفاشيين والـ"فيشيين" الآخرين من مختلف البلدان والشعوب. فجميع هؤلاء الفاشيين ولدوا من بطن أم واحدة هي الامبريالية والقسمُ الأكثر رجعية فيها – راس المال المالي.
إن الاحتفال بعيد 12 يونيو/حزيران أو ما كان يسمى منذ سنوات بـ"عيد الاستقلال الروسي"، يتنكر اليوم - باعتباره عيدا لا صفة تاريخية له - تحت قناع كونه "يوم روسيا". ومع ذلك، فإنه يتصل بما يجري من أحداث اتصالا مباشراً. فما زرع بالأمس كان بداية المسيرة. والبداية، كما يقول الديالكتيك، هي النتيجة غير الناضجة بعد. ونحن نشهد اليوم نضج وتطور تلك البداية ليس ببزوغ البراعم وحسب، ولكن حتى الزهور، والثمار الآيلة إلى النضوج. ويتبدى ذلك في الفاشية العادية في أوكرانيا وفي أماكن محتملة أخرى حيث لا تزال حتى الآن تلحظ الزهور فقط أو محاولة القيام بالثورات الملونة.