تفكيك العنف وأدواته.. (21)

وديع العبيدي
2019 / 6 / 12

وديع العبيدي
تفكيك العنف وأدواته..(21)
تهافت التهافت..
(1)
ثمة تصريحان لبريطانيا فيما يخص احتلالها العراق في (نوفمبر 1914م)..
أولا: ان الغزو كان بقرار من شركة الهند الشرقية، التي قامت بتجييش حملة من ضباط انجليز وقوات هندية، انطلقت بين (14- 16 اكتوبر 1914م) من الهند، ودخلت المياه العراقية في (6 نوفمبر 1914م).
ثانيا: ان الغرض من نزول القوات البريطانية في العراق، كان حماية حقول النفط في عبادان، من أي انزال أجنبي/(فرنسي/ ألماني/ روسي/ عثماني)، باعتبار ان الحقول عائدة لشركة بتروليوم البريطانية.
هاتان مغالطتان مقصودتان على هامش التاريخ. ولأن التاريخ دائما، يكتب بسياق رجعي، فأنه يبدو مثل استخدام الماكياج على وجه ميتة. انه لا حاجة لتبرئة الحكومة البريطانية من جريمة احتلالها العسكري للعراق، والذي يوصف أحيانا بـ(الحملة الكبرى)، وأحيانا، يلقى في سلة الهنود.
سبق التطرق لاحتلال العراق في الاتفاقات الأوربية حول تقسيم العالم، ومنها المختصة بامتيازات بريطانيا في المضائق والموانئ الستراتيجية حول العالم، ومنها: (ميناء البصرة).
فاحتلال العراق تحديدا كان مخططا ومقررا، في حسبان السياسة الانجليزية، فضلا عن مشروع كروزون، السياسي البريطاني ونائب الملك في الهند، والمعروف بالمنطقة اليريطانية من الهند إلى القاهرة.
ويمكن القول، ان الخصوصية التي تمتعت بها بلدان الخليج العربية، وما بلغته من افاق تنمية عمرانية وتجارية وحصانة دولية في أواخر القرن العشرين، هي الجزء المتحقق من مشروع كروزن، الوزير اليريطاني المفوض في أسيا بين أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.
أما نسبة احتلال العراق لشركة الهند الشرقية، فهو غلط مطبعي، لزوال سلطة الشركة عقب الثورة الهندية/(1858- 1860م)، ودخول الهند تحت الحكم البريطاني المباشر، باسم حكومة الهند، المرتبطة عمليا بوزراة الهند في حكومة لندن.
فالمسؤول عن الاحتلال هو حكومة الهند التابعة لوزارة الهند المرتبطة بوزارة الخارجية البريطانية. وبالتالي، لا معنى لسلسة المراوغة اللغوية والبيرقراطية هاته، وكأن بقية التاريخ البريطاني يسوسه الملائكة. ومن الطبيعي أن لا تتنفس أي ممثلية بريطانية في الخارج بغير املاءات وموافقات حكومية واضحة.
ان وظيفة شركة الهند الشرقية المؤسسة بمرسوم ملكي بخط اليزابيث الأولى/(1601م)، هو ادارة المصالح البريطانية في الخارج، وتطويرها. ومراجعة نشاط الشركة، وانعكاساتها على الدولة والاقتصاد البريطاني، سوف يكشف أن مملكة بريطانيا، من غير شركة الهند الشرقية ومغامراتها، ما كانت لتتحول إلى امبراطورية.
ان المغامرين، تجارا وعساكر وقراصنة بحر، هم الذين صنعوا الممالك والامبراطوريات الأوربية، وهم النسغ الرئيس للاقتصاد الأوربي ببلدانه المتعددة. وأن الثورة الصناعية والتكنولوجية، جاءت نتيجة لعمل القراصنة والتجار، ودورها في التجارة التبادلية، ونقل مقدرات الشعوب وتجارتها التقليدية، لتدوير عجلة التجارة والاقتصاد والعملة الأوربية.
المغامرون الأوربيون، هم اليوم، ما يدعى الشركات العابرة للحدود والقارات، والمافيات التي لا حدود ولا روادع لنفوذها وأنشطتها عبر العالم، والتي تجهد الحكومات الغربية، والمنظمات الدولية، في خدمة رغباتها وأطماعها في العالم. ومن تلك الشركات، هي المشرفة والمتحكمة في عمل شبكة النت، والتي اعلن البيت الأبيض في (2002م)، عدم مسؤوليته عن الفوضى في الشبكة الأثيرية، لعائديتها لشركات خاصة.
والبلدان والانظمة التي تعرضت للتشويه والتسقيط والتجريم، بسبب وقوفها في طريق الشركات الرأسمالية العابرة للحدود ، وعدم فتح حدودها السياسية والاخلاقية، لعبث المغامرين والمقامرين وراء تلك الشركات.
لقد انتظرت المآفيا الدولية/(الوجه الحقيقي للامبريالية الانجلوميركية)، زعيما مثل السادات [1918/ 1970- 1981م]، يعلن ثورة انفتاحية، لكل أصناف المأفيات، يجعل من بلده سوقا حرة للرائح والغادي، ويضع أبناء بلده في مواجهة اعتى المأفيات والاطماع الدولية.
مصر السادات، التي يمتدحها فقراء المصريين وحيتانها، هي نموذج عصري عولمي للمواطن العالمي، ولكن في وجهه الشيطاني البشع. ولو ان القذافي وصدام والاسد وعلي عبداله صالح والنميري وغيرهم، ساروا وراء عبدالله المؤمن، لكان العرب في وسط الربيع ، بدل الانقلابات والانتفاضات والاحتلالات.
(2)
أما تبرير احتلال العراق لحماية نفط عبادان، فهل عبادان في العراق؟.. أم عبادان في بريطانيا؟.. ولماذا لم تنزل القوات البريطانية الهندية في بوشهر الايرانية وهي أقرب للنفط، وفي ضمن الحدود السياسية التي تقع فيها عبادان.
ان نبرة الاستهانة والسخرية من العراق العربي واضحة في هذا التعبير!.
بالمنظور الغربي، دولة ايران أكثر حرمة دولية، من بلد بلا حرمة وسيادة، مثل العراق العثماني المنهار. ان الدبلوماسية/(كتعبير أدبي) زائلة/ مائعة، في هذا المجال. وان العراق اللاعثماني، هو مجرد تابع صغير لامبراطورية الهند البريطانية. وايران هي جزء من الفضاء الهندو- أوربي.
ثمة مؤشرات عدّة، تؤكد الهامش العراقي في مخططات لندن لاجتياح المنطقة:
1- شركة الملاحة البريطانية في نهري دجلة والفرات.
2- اتفاقية سايكس بيكو/(1916م) بين الحكومتين البريطانية والفرنسية على اقتسام بلاد العرب بينهما.
3- اتفاق الحكومة البريطانية وقواتها العسكرية في سيناء وشمال الحجاز، مع أمير مكة وحركة الضباط العرب للثورة/ 1916م ضد الاستانة.
4- مدّ سكك حديد اسطنبول- بغداد/(1916م) وصولا للبصرة، لتسهيل حركاتها العسكرية ونشاطها التجاري العالمي، بين لندن والهند.
5- مد خطوط البرق والبريد في انحاء العراق/(1916م) وربطها بخدمات دائرة الهند للبريد والبرق، السلكي واللاسلكي، الذي جعل العراق جزء من الامبراطورية البريطانية الهندية، برقيا وتجاريا وعسكريا وسياسيا.
فنزول القوات العسكرية في أراضي الرافدين، هو تحصيل حاصل، وحلقة استكمال سلسلة مخططاتها لاحتلال العراق، بعد احكام قبضته على حوض الخليج وحكام نجد وامير مكة. وهذا يعني احكام نفوذها على كل بلاد المشرق العربي. لكن اجتياحها للعراق، خلاف بلاد المشرق الأخرى، لم يسبقه اتصال مباشر بالحكومة العراقية أو أعيان العراق. انما قام على استهانة البريطانيين بسكان العراق، حسب تعبير حنا بطاطو [1926- 2000م] في كتابه عن العراق/(1978م)، ورفضها تشغيل العراقيين في شركاتها النهرية والتجارية العاملة داخل العراق.
ولا بد من تنويه، ان احتلالها للعراق/(1914م)، كان قد سبقه سيطرة بريطانية على حوض الخليج منذ (1861م) من جهة، واتصالاتها المباشرة مع شيوخ الخليج في البحرين والكويت/(1912م)، دون اتصالها بجهات عراقية.
لكننا نجد اتصالات بريطانية مبكرة مع أمراء قبائل بني كعب، واستخدامها كورقة (لعب)، مرة في مواجهة حملات الوهّابية السعودية، وتارة ضدّ جهات ايرانية/(اسحق نقاش- شيعة العراق/ دار المدى- 1996م)، وبشكل أضرّ بسمعة كعب في محيطها العربي والاقليمي، فضلا عن اتخاذ ولاية البصرة، ميدانا للمهاترات الأجنبية.
لقد اتضح مصير الثورة العربية الشعبانية وما انتهى اليه قائد الثورة الحسين بن علي [1854/ 1908- 1924/ 1931م] من خديعة واغتيال بيد خادمه، بعد نفيه في قبرص. ولم يتأخر عنه كثيرا رفيقه: توماس ادوارد لورنس/(1888- 1935م) المعزول عقب عودته الى بلده، دون منصب أو تكريم، كما ينتظر أمثاله، ليموت بعد مدة في حادث دراجة ملغز.
(3)
عمليات الحملة البريطانية الكبرى في بلاد الرافدين، تأخرت كثيرا، وكان مسارها بطيئا جدا. ولكن ذلك كان جزء من مخطط الاحتلال، وليس جراء عوامل أخرى، مثل عمليات المقاومة الشعبية، كما يؤول البعض.
تضمن مخطط الاحتلال البريطاني، ثلاثة خطط:
- احتلال عسكري مباشر للأرض.
- دراسة الأرض والسكان، وفرز ما يناسب ولا يناسب سلطة الاحتلال.
- بناء البنى والمرتكزات التحتية والعسكرية لسلطة الاحتلال.
لذلك، زحف الاحتلال زحفا على جانب النهر، متعرفا ومستكشفا، بلدة بلدة، ومركزا مركزا، مخمنا، المراكز والنقاط التي يمكن أن تهدده، أو تخدمه ميدانيا، فضلا عن الدراسات الهندسية والعسكرية والاجتماعية للبلاد. ويذكر هنا، ان الشركة الملاحة النهرية في العراق، سبقت الاحتلال المباشر بقرون، ولها قراءات مسبقة في جغرافيا السكان.
عندما وصل الجيش الانجليزي إلى بغداد، كان لديه عمق عسكري ستراتيجي. فإذا ما تعرض لانكسار- مثلا-، فهو لا يضيع ما اكتسبه سابقا. أنه احتل جنوبي العراق، قبل أن يصل بغداد. وباحتلاله بغداد، فصل جنوبه عن شماله. وباحتلاله بغداد، أدرك عدم وجود تهديد عثماني.
قبل أن يصل إلى بغداد، كانت الشركات الهندسية، تقوم بانشاء محطات البرق والبريد ابتداء من الفاو والزبير. وفي نفس الوقت كانت الشركات المعنية بمد خطوط السكك الحديد داخل العراق، تقوم بعملها، بشكل مستقل عن الجيش ظاهرا، وبشكل متناسق تحت ادارة سلطات الاحتلال عمليا.
الضباط والساسة الانجليز في الاحتلال، هم ممن سبق لهم الخدمة الكولونيالية/ الامبريالية في بلدان عربية ومسلمة وشرقية. بدء من مصر والسودان وأنحاء أفريقيا والهند، الى العاملين السابقين في منطقة الخليج العربي، واسيا الصغرى.
لم يتوقع الاحتلال أن لا يواجه مقاومة شعبية عنيفة، لذلك وظف كل معلوماته وخبراته السابقة في احتلال وادارة بلدان أسيا وأفريقيا، في مخطط احتلاله العراق، والذي يعدّ أذكى وأعمق خططه العسكرية والستراتيجية. يضاف لها نجاحه الكبير والستراتيجي، ليس لربط العراق بالخليج وايران، وانما ربط العراق بفلسطين وقناة السويس.
(جئنا لنبقى!).. هو شعار الاحتلال الانجليزي للعراق، وهكذا كان.
(4)
الاحتلال الانجليزي، لعله الوحيد، الذي يعتمد ضمن مخططه، وجود عناصر خبيرة ومتمرسة، في التعرف إلى السكان، وبناء شبكة علاقات ومعارف اجتماعية، تكون سندا ستراتيجيا عميقا لسلطات الاحتلال. وكان الجنرال تشارلز تاونسند [1861- 1924م] المسؤول عن هذا الجانب. وقد سبق له العمل في مصر والسودان بإمرة تشارلز غوردن [1833- 1885م].
تشارلز تاوسند الذي وقع في الأسر خلال حصار الكوت/(1915- 1916م)، وكان مشرفا على تهريب الضباط الانجليز، وهم يرتدون ثياب بدو عرب، عبر (كوت العمارة)، كان مغامرا أكثر منه عسكريا محترفا، مختلفا عن أقرانه في كثير من الاشياء، ما خلا ولائه العسكري. ومن ذلك طموحاته الكثيرة، التي اعتمد نجاحاته العسكرية طريقا لها. ومنها حلمه.. أن يصبح حاكما للعراق.
نهايته كانت الأسر والمهانة، والعودة لبلده. أما المغامر الآخر، قائد الاحتلال بعد الكوت، فهو الجنرال فردريك ستانلي مود [1864- 1917م] صاحب الخطبة المشهورة: [جئنا محررين، لا فاتحين]، وأول من وضع له نصب شخصي كامل وهو على حصان، في ساحة الصالحية، استبدل لاحقا بتمثال كامل للملك فيصل بن الحسين لاحقا، ومن بعده تمثال لجمال عبد الناصر [1918/ 1952- 1970م]. فقد انتهى بمرض الكوليرا بعد ستة أشهر من دخوله بغداد.
حاول العثمانيون تحديث العراق باستخدام الخبرات والتقنيات الأوربية، وذلك بشكل هادئ ومتوازن، ليشمل البلاد كافة، مع جملة المحاذير الكامنة، لعدم تكرار تجربة محمد علي باشا في مصر/(سرقة الدولة والانقلاب على الاستانة).
اختلف الانجليز في رؤياهم ومشروعهم، بتعجيل عمليات التحديث، بالاستغلال المباشر لقدراتهم وخططهم، ولكن.
المشروع الانجليزي، أمس كما اليوم، يقوم على تقسيم المجتمع إلى طبقات اجتماعية، ثم طبقات اقتصادية، ثم طبقات سياسية، ويفرز نخبا سياسية وثقافية واجتماعية بين ذلك. ولعلّ اختلاف الرؤى السياسية في المشروع، وراء موجة الاضطراب التي زعزعت ثوابت الشخصية والمجتمع العراقي، سياسيا واجتماعيا.
فلم يكن الاحتلال الانجليزي، احتلالا فحسب، وانما قلبا للتربة العراقية، وتغيير انظمة الزراعة والسقي.
الرؤية والسياسة العثمانية مختلفة عن الرؤية والسياسة الانجليزية.
اعتمد العثمانيون، على الثقافة والمنظور الفرنسي في التحديث، الذي يرفضه الانجليزي، ويناقض أسسه ومظاهره.
المنظور العثماني لا يأخذ بالنظريات المادية الطبقية، ويسعى لبناء مجتمع متوازن بلا طبقات، ولا يخلو من تفاوتات اجتماعية واقتصادية وثقافية، كتحصيل حاصل. ويمكن اعتبار ذلك هو المنظور الاسلامي التقليدي، لمجتمتع العدل والمساواة وعدم التمييز، باعتبار ان الغنى والفقر، وتفاوت الناس، أمر شاءه الله/(القرآن).
وهكذا وجد العراقي نفسه، حائرا مغلوبا على أمره، متذبذبا، بين الأرضية الفرنسية، والارضية الانجليزية؛ بين الرؤية العثمانية، وبين التصور العربي للحياة والسياسة.
حاول الملك فيصل بن الحسين [1883/ 1921- 1933م] ايجاد طريق خاص، ينتهجه سمة وهوية للعراق العصري. كما أسس محمد علي باشا [1769/ 1805- 1849م] وخديوية مصر، ملامح خصوصية مصرية لدولتهم. وما يحصل اليوم، غب (2003م) هو العودة لتقمص المشروع الانجليزي في السياسة والاقتصاد والعمران والتعليم والمجتمع.
معنى الاحتلال..
ما يريده الانجليز ليس الاحتلال المباشر والهيمنة الكاملة..
ما يريده الانجليز هو التبعية الكاملة للمجتمعات لاملاءاتهم.
انجلتره في نظر الانجليز هي (النموذج)/ (الهوية)/ (الثقافة).. وعلى أتباعهم احتذاؤهم، في التفكير، في السلوك، في طريقة الكلام، في طريقة الابتسام. يهتم الانجليزي بالصغيرة والكبيرة، منطلقا من غرور مرضي، ونزعة الهية، يريد كل شيء على هواه، وهذا يناسب الطبيعة والنزعة العراقية، المائلة للتفرد والتفرقة.
المحافظات/ المقاطعات/ المدن الانجليزية والبريطانية، مختلفة الواحدة عن أخرى. انجلتره تختلف عن ويلز، عن سكتلنده، ايرلنده، ولكن (برتش كولونيز) عبر البحار، يجب أن تنتهج وتتقمص النموذج والمثال الانجليزي في لندن. ولندن غير ادنبره وغير كاردف.
وهذا ما بغت انجلتره صنعه في الهند، وما أرادت صنعه في بغداد، وما فشلت في صنعه في القاهرة.
من هذا الباب، روجت بريطانيا في مدوناتها التاريخية، انها صنعت عراقا من العدم. وأنها الولادة الشرعية لدولة العراق ومجتمعه المتناقض، والمنقلب على ذاته. ارادت انجلتره- مثل ايران- مصادرة العراق التاريخي لنفسها-، وفرض وصايتها الابوية على العراق، الخارج من الحكم العثماني، وكل من ايران وانجلتره، اصدقاء ألداء للامبراطورية العثمانية.
لا بدّ من دراسة مقارنة لفوارق ومفارقات السياسات الايرانية، البريطانية، الأمريكية، في العراق المعاصر.
ولكن الغائب الأهم في ذلك كله، هو المنظور العراقي لنفسه ومستقبله. ومتى يظهر المشروع العراقي الوطني للوجود؟..
أم أن المشروع العراقي، هو مشروع غياب وتقمص وحلول.