اللامعقول و اللامل : تأمل اجتماعي في مظاهر الهشاشة الاجتماعية

الفرفار العياشي
2019 / 6 / 12

الآونة الأخيرة ظواهر كثيرة تثير الكثير من النقاش و التفاعل , ما يميز هذه الظواهر و الحالات الاجتماعية تظهر بشكل فجائي , و لها ارتباط بازمة اجتماعية تمس المواطن البسيط في معيشه , صحته , جيبه او تعليم ابناءه .
يمكن التوقف عند مجموعة منها لكشف منطق حدوثها و نشاتها :
اولا : مكي الصخيرات و علاج كافة الامراض بمجرد اللمس .
انتشر اخبار عن كرامات المكي بالصخيرات و معالجة كل الإمراض التي عجز الطب فيها او تلك التي تتطلب إمكانيات مادية كبيرة تفوق إمكانيات المرضى , و النتيجة تحولت بلدة الصخيرات الصغيرة و المختبئة بين تمارة و بوزنيقة الى محج لزوار من كل الإنحاء و حتى من خارج المغرب .
ثانيا : صاحب كنز السرغينية ببولمان : الشاب الذي ادعى ان هناك كنزا مدفونا باحدى جبال المدينة , و كان الخروج الكبيير لساكنة هشة لكي تحصل على نصيبها من الكنز و الثروة لكي ترتاح من عذابات الفقر .
ثالثا : الشاب المهدي المنيار , الذي يلقب نفسه بالاستاذ المعجزة , حيت الالاف من الثلاميذ والذين الفاقدين للامل و الباحثين عنه و عن النجاح بسبب معدلاتهم الضعفية .
الحالات الثلات تكشف طبيعة الأزمات الاجتماعية و كيف يفكر المجتمع في تدبير أزماته عبر ابتكار آليات تتجاوز منطق العقل و تدخل إلى مرحلة اللامعقول .
فمكي الصخيرات و شاب الكنز الموعود و منيار التعليم يكشف انها حالات تشترك في منطق الأزمة التي تعرفها المجالات التي ظهرت فيها هذه الحالات .
فمكي الصخيرات الشخص الذي تجاوزت شهرته كل الحدود و أصبح يفكر في انشاء قناة تلفزية خاصة به , كل الأخبار و الصور و الفيديوهات الموثقة لانجازاته ربما اشبه بأساطير صعبة التصديق، فهو يعتبر انه استطاع معالجة مرضى السرطان والعمى والعقم، و المس و كل الأمراض العضوية و النفسية و النفس جسدية .
المكي هو إنتاج ازمة المجتمع الصحية , و ان الأزمة الخانقة في المجال الصحي و تعقدها و صعوبة وصول المواطنيين الى العلاج نتيجة ارتفاع كلفة العلاج وضعف الخدمات الصحية العمومية , او حتى استحالة العلاج نظرا لطبيعة المرض , كلها اسباب رفعت منسوب اللأ مل و فقدان الثقة في العلاج و العودة للحياة .
هولاء المرضى الذين فقدوا للامل و المتشبثيبن باخر أمل للحياة , اوجد لهم المجتمع شخصا يمنحهم حقنة أمل , لذا تمسكوا به من اجل الحياة , والنتيجة ارتفاع عدد زوار المكي , و ضاع صيته ليس لانه يملك كرامات او انه شخص خارق يعالج ما عجز عنه الطب , لكن لان منسوب اللأمل كان مرتفعا و ضحايا النظام الصحي بالمغرب كان في تزايد .
اما حالة كنز بولمان فاختلاف مع قصة المكي هو اختلاف وقائع و ليس اختلاف منطق , سكان مدينة منسيون , يعيشون الهشاشة و العوز , ربما محصورين بين الامس و اليوم بلا مستقبل , سكان من شدة واقعهم و قسوته صدقوا خرافة شاب مشكوك في صحته العقلية انه راى في منامه كنز بجبل السرغينية .
الاحلام تشير دائما الى وجود ازمة , من يحلمون هو بلا شك يعانون من خصاص ما , فالجائع يحلم يسوء العيش .
الخروج الجماعي و الكثيف يعني ان هؤلاء الناس تخلوا عن عقولهم لصالح اللامعقول , لكنه لامعقول وظيفي مريح , فأمام الازمات الكبرى المواطن يهرب من الواقع ومن المنطق و العقل و يفر الى اللامعقول كوسيلة لراحة و التنفيس , مثل الهروب من الواقع الى العلم الافتراضي نموذجا .
ان واقعة جبل السرغينية لا تفسر بحكاية شاب حلم بكنز فصدقه الناس , و إنما لان الناس كانت لهم قابلية التصديق كآلية للهروب من واقع صلب و عنيد و قاسي , لدرجة أن الناس تحملوا حرارة الشمس القاسية فقط هروبا من حرارة واقع مؤلم .
فالناس هو من صنعوا هدا الشاب لأنهم كانوا محتاجين لمن يخرجهم من واقعهم المؤلم و لو للحظات قليلة ؟؟
اما القصة الثالثة و المتعلقة بشاب أصبح يقدم انه شاب معجزة , القصة تكشف نفس المنطق الذي تحكم في ميلاد المكي و ميلاد شاب جبل السرغينية انه منطق اللامل .
قصة المهدي المنيار تكشف حالة فشل منظمة التعليم على الأقل أولئك الذين اعتبروا المهدي مخلصا و منقذا ورجل معجزات , كيف يعقل ان ينجح من حصل على نصف نطقة . لان الامر يحتاج الى معجزة في نظرهم ؟؟؟ .
تهافت الزبائن على تاجر عرف كيف يسوق اللامل لمن فقد الامل في النجاح , انه مفعول سيكولوجي تمثل في رد الاعتبار للكثير من التلاميذ المحبطين, الذين يحملون معهم صورا و تمتلاث ذهنية و نفسية كونهم غير صالحين للدراسة , و هم ليسوا كأقرانهم الذين مازالوا يتابعون دراستهم و يحصلون على معدلات مهمة
ان السبب الشارح لمنطق التهافت على دروس شاب اعتبر معجزة لانه استطاع تحقيق فعل مستحيل , ان ينحج شخص لا يتجاوز معدله نقطة او نقطتين في المعدل الجهوي , و هو مؤشر على مستوى متدني جدا . فالسبب هو النجاح في تسويق صورة ان فعل النجاح ممكن وبسيط شريطة ان يدرسك الاستاذ المعجزة ؟
صحيح هناك أسئلة كثيرة و كثيفة حول نسبة النجاح المرتفعة لزبنائه و هي أرقام تقود الى طرح فرضيات حول اشياء تقع تحت الطاولة نتمنى ان يفتح تحقيق فيها .
قيمة المكي و المهدي و شاب جبل السرغينية ليس في وجودهم كأشخاص , لكن كموضوع للتفكير ان المجتمع المغربي يعيش أزمة حادة و بينوية في المجال الصحي و التعليمي و في مجال الاجتماعي و التشغيل , حين تتخلى الدولة عن وظائفها الكبرى : التعليم و الصحة و الشغل انذاك سيقوم المجتمع بتدبير أزماته و اختلالا ته الناتجة عن انسحاب الدولة وفق آلياته ألاعقلانية .
حين يغيب الأمل في العلاج و التعليم و الشغل و يصبح اللأمل هو الواقع الوحيد للمواطن البسيط فاتتظر قصصا أخرى أكثر شعبوية من المكي و المنيار و شاب جبل السرغينية .