أوجع الهزائم والمرارات

حمدى عبد العزيز
2019 / 6 / 9

وأنا في طريقي في مقتبل الظهيرة إلي السوق مررت علي مكتب البريد القريب من منزلي ..

كنت أعلم أن الأمس "السبت" هو بداية صرف معاشات شهر يونيو طبقاً لقرار وزارة التأمينات الإجتماعية ، وبمناسبة قرب حلول عيد الفطر ..

لكنني لم أكن أقدر أن هناك من البشر من سيعاني التعب والمزلة والعذاب علي هذا النحو الذي رأيته بالأمس ..

كان هناك زحام شديد ، مشهد في منتهي البؤس والألم
النساء الأرامل والعجائز يفترشن الأرصفة المجاورة والمقابلة لمكتب البريد ، وكذلك عجائز الرجال الذين افترش الكثير منهم الأرض استناداً علي الحوائط والجدران الملاصقة والمجاورة والمقابلة للمكتب ..

وطابوران لاينتهيان ..
طابور يتحاشر فيه الرجال المستند البعض منهم علي عكاكيز ، أو ماتيسر من جدران بالنسبة للبعض الآخر ..

صياح مفعم بالرجاء تختلط فيه اللعنات بالدعوات ..

عيون منكسرة تحت هزائم قلة الحيلة والإنسحاق الإنساني ..

تلاقت عيني بعينين من هذه الأعين الكسيرة ..

رجل أعرفه كان يوماً مديراً لأحد الإدارات ، وكان يشهد له الجميع بالحزم والحسم وحسن الأداء الوظيفي والإخلاص والتفاني ، كان الناس يضبطون ساعاتهم علي ظهوره وهو يشق الطريق في الصباح ببذته الأنيقة ، وبخطوات متسارعة تكاد أن تعدو إلي مقر عمله ..

رأيته .. كان يرتدي جلباباً ، وصندلاً جلدياً ، ويظهر علي هيئة تدل علي انضغاط الأحوال الحياتية ، وكان وجهه يحمل تجاعيد العمر ..

أدرت وجهي بعيداً
لم أحاول تحيته كما تعودت أن أفعل كلما تصادف وتلاقينا في الطريق العام ، وكما تعود هو فعل ذلك بوجه بشوش ودود منذ زمن ..

قررت بسرعة أن تكون تلك النظرة العابرة تبدو وكأنها نظرة في فراغ ، وأن أشعره أن عيني لم تقع عليه هو ، لم أرد أن أكون شاهداً علي لحظة حياة بخيلة علي هذا الرجل الذي أحبه وأجله منذ شبابي ..

لم أشأ أن أعمق ماأنا متأكد أنه يعانيه من مرارة ذاتية ، وجرح غائر في النفس تفضحه انكسارات الوجه والعينين ..

لحظة تعصف بملايين من البشر
ووارد جداً أن تعصف بي ..
بل ربما اقتربت ..

سرت في طريقي أنظر إلي أمامي بخط مستقيم ونظر لايحط علي هدف سوي الطريق ،
بينما كنت في حقيقة الأمر أود لو اتحيت لي فرصة الصراخ ..

كنت فقط أريد أن أقول كلمة "آه"
بأجهر نبرة ممكنة في صوتي
ومن أعمق منطقة تدافع مزلزلة لحبالي الصوتية ..
وأطلقها
، إلي حيث تمضي كدانة مدفعية ..
_____________