تفكيك العنف وأدواته.. (19)

وديع العبيدي
2019 / 6 / 8

وديع العبيدي
تفكيك العنف وأدواته..(19)
(يا الله.. نحن لم ننتظرك عبثا..)- الشاعر أحمد عبد الحسين.
أشقى الشعوب أقلُّها علمًا وأكثرها شقاقا
فأعيذ قومي منهما وأعيذ بالله العراقا-
/محمد حبيب العبيدي [1882- 1963م]

غياب الثقافة العراقية..
(1)
1-
لتيتانيك يؤسيها قصيدي............. وقد سبقت فجائعها بريدي
أسيّدة البواخر عنك تفدى..............لو اكتفت الرؤية بالمسود
وقد جمدت مجاري الدمع ذعرا...فاسخنت الدموع عن الجمود
على وعد الحبيب رقدن امنا........فنغص غمضها حول الوعيد
فاطبقت الشفاه على شفاه.........وحدبت القدود على القدود
فيا جبل الحديد وكيف تذوي على مضض مع الجبل الجليدي
وما ارتطمت جسوم في جسوم... بل ارتطمت جدود في جدود
وقد حن القرار إلى ستيد.............. كحضن الأم يهفو للوليد
أداعية السلام وقد تداعى........... عليك سلام أرواح الجنود
رقدت فأيقظتك صروف خطب... ولم تعبأ فعدتَ إلى الرقود
شديد العزم كنتَ وأنت حيّ........ فمتَّ وأنت في عزم شديد
/ علي الشرقي [1892- 1964م]- مجلة العرفان اللبنانية عدد ابريل 1912م
2-
امليكة البحر اسمعي لك اسوة.. في الارض كم ثلت عروش ملوك
انى ينجيك الحديد وما نجوا..........باشد من فولاذك المسبوك
يابابل البحر الخضم سحرتنا........سحرا ارى هاروت في تيتنيك
زعموا ضللت ولو اردت هداية........ان المحيط بنفسه هاديك
/ محمد رضا الشبيبي[1889- 1965م]- مجلة لغة العرب- عدد اب 1912م
3-
وافجع منظر اذ ذاك فيها............خشوع للرجال وللنساء
على قصد الوداع لغير عهد.........بتسليم الى حكم القضاء
بترديد البكاء ولا مجيب..سوى عكس الصدى من ذا البكاء
وصوت من لسان الحال يلقي..على الاسماع من كلم العزاء
(اتيتانيك) لا يحزنك عيش......ترنق فانقضى بعد الصفاء
فلا عيش يدوم ولا صفاء....وهل بعد الحياة سوى الفناء
/ ابراهيم منيب الباججي[ت 1948م] نشرت في ديوانه الصادر عام 1912م

ثلاثة قصائد عراقية آنية، تتصدى لحدث/ حادث في اقصى شمال المحيط الاطلسي، وخلال أيام من الواقعة. هاته القصائد الثلاثة، يزخر بها ارشيف الشعر العراقي، حول غرق سفينة (تيتانيك)، مثابل قصيدة واحدة لبقية البلاد العربية، مسجلة باسم الشاعر القروي، ومذكورة في الهامش.
المفيد من هذا أمران: أولهما: ان المثقف العراقي يتمتع بدرجة عالية من الوعي والتلاقح الانساني. وثانيهما، انه لم يكن منعزلا عن مجريات العالم.
والمعروف أيضا، ان العرب والعراقيين عموما، عاصروا وتأثروا بالافكار الاشتراكية الأوربية، وأخبار الثورة السوفيتية، وعرفوا التمييز بين ماركس ولينين، وذلك في زمن، لم تكن (دولة عصرية) ظهرت بين النهرين.
إزاء كل هذا، لا بدّ من رصد/ معرفة، قراءة المثقفين العراقيين، للسياسات الغربية، البريطانية والروسية، في منطقة الشرق العربي، وما يتعلق بمصير الدولة العثمانية.
تلك المحاولات والسياسات التي تعود للقرن الثامن عشر في أقل تقدير، وسبقتها أحداث وأزمات في شرق أوربا وشمالي البحر الأسود، فضلا عن سباق الامتيازات والمعاهدات والشركات الاجنبية العاملة في المحيط العربي.
علاقة الشاعر العراقي بتيتانيك البريطانية، هي علاقة (رثاء)/ ثيمة موت. الشاعر في تلك المناسية، يعنى بالموت، والحديث عن الموتى. وهاته ثيمة دينية: عربية وعراقية بامتياز. انه لا يتحدث عن الحياة والتطلع والامل. بل انه ينظر للسلام والانسانية من ثقب الموت الكارثي.
من منظور آخر، انه يتحدث عن الماضي، المنصرم، الميت، المنقضي، تلك القصص التي تتكرر في القرآن، وتوصف بأنها (أساطير الأولين). والادب، الوعي، الثقافة العراقية: ماضوية منصرمة، مزوقة بالموت الأبدي. موت لا يسمع ولا يعبأ ولا يعود. ولكننا نحن نذهب إليه، ونتملقه شعرا.
قصائد العراقيين عن تيتانيك، تختلف عن مضمون قصيدة رشيد سليم الخوري [1887- 1984م]، من جهة الوعي والتطلع المستقبلي؛ من جهة الانتصار، وليس الانكسار أمام الموت. هل ثمة شماتة عراقية بالحضارة الغربية، شماتة بتكنولوجيا الحديد: (جبل الحديد يصدم جبل الجليد) وينهاران سوية.
كل هذا، لا يجيب عن السؤال الاساسي، ما هي معلومات المثقف العراقي عن أطماع الغرب وسياساتهم المتحولقة حول بلدهم؟.. وكيف كان ردّ فعلهم، واستعدادهم/ تصديهم، لتلك السياسات.. أولا؛ ولواقعة الغزو العسكري في نوفمبر (1914م)؟..
هذا يتطلب مسحا صحفيا شاملا للاصدارات العراقية من القرن التاسع عشر/(دخول المطبعة العربية وظهور الصحافة والطباعة/(1869م)). ولكن توقع ذلك، هو من قبيل التفاؤل الساذج. ولا يهم في ذلك، وجود/ غياب الأدب السياسي المبكر؛ طالما لم يتبلور ذلك في موقف (وطني)، وخطط دفاعية/ دبلوماسية، تتصدى للغزو قبيل حدوثه.
وبعيدا عن الغرامشية، ما هي قيمة معرفة غير وظيفية؟.. لست براغماتيا، وأرفض مبدأ بيكون [1561- 1626م] وسبنسر [1820- 1903م]، ولكن ثقافة نظرية لا أبالية، لا تعني شيئا في صميم الواقع. ولعلّ البلدان العربية، توفرت على تضخم في عدد المتعلمين والاكاديميين والكتاب، في وقت سادت فيه سياسة الجهل والتخلف والمدّ اليميني والرجعي.
هل الثقافة انتفاخ وغرور، أم ثقافة امتلاء وتغيير. الثقافة هي التغيير بحسب ماركس [1818- 1883م]. ولا قيمة لثقافة بلا وعي. وهذا هو حال العراق الراهن. جامعات عددها أكثر من عدد محافظات العراق، يشغلها كادر عراقي بنسبة (100%). لكنها جميعا لا تساوي صفا من دار المعلمين العالية في أربعينيات القرن العشرين.
عدد محترفي الكتابة الأدبية والصحفية بأنواعها، كم مهول، ولكنه كم تابع -ثقافيا وسياسيا-. الصحافة باب ارتزاق ومحسوبية. الكتابة باب للشهرة. الشهادات ارتزاق وطفيلية. الاساتذة يسرقون عبر الترجمة، والطلبة ينسخون من بعضهم ومن أرشيف المكتبة، ويحصلون على شهادات مزورة.
مفصلية هذا السؤال، لا تقتصر على الغزو البريطاني لعام (1914م)، رغم ان العراق ليس طرفا في حرب أوربية غربية. ولكن يرتبط بكل حادثة غزو حصلت للعراق عبر التاريخ، ازاء صمت خانع، وتجاهل مقرف من الاهلين. وما حدث في الغزو الاميركي/(2003م) كان فضيحة تاريخية.
لقد تردد الاميركان ومن ورائهم الانجليز، حوالي ثلاثة عشر عاما أو قرابة (ربع قرن)، وسخروا كل السياسات والاسلحة الاقتصادية والدبلوماسية والتكنولوجية والعسكرية والمعلومات التاريخية، وجيشوا قوات من اكثر من ثلاثين بلدا، بضمنها معظم البلدان العربية، لمقاتلة بلد أعزل، غزو بلد أعزل، بلد أعطى كل ما في مكنته، وتنازل تماما عن معداته ومعلوماته السرية.
ومع ذلك افتخر الأوباش بالانتصار على العراق. العراق الذي لم يقاوم، لا في (1991م) ولا (2003م).
أما العراقيون، فقد وقفوا شامتين بحكومتهم، مهللين للعدوان الغازي، مستبشرين ببوابات الفردوس الأمريكي، بينما كانت السياسة الايرانية تسحب الأرض من تحت أقدامهم.
ان أعداد الشعراء والكتاب في العراق- كما في بلد عربي غيره-، هي سبب مأساة البلد. ركام نرجسيات مجروحة ومهزومة من داخلها. السبب الرئيس لسلسال كوارث الراهن العربي. بل ان (الجهل) بالمقارنة، أفضل من ثقافة ينقصها الوعي الوجودي والوطني. كل كاتب وشاعر عربي يعتقد أنه جاهد الجهاد الحسن، وأنه فطحل زمانه. أين ثمر الكتاب؟..
أكثر الكتاب ينتمون لعوائل متخلفة ثقافيا. ثقافتنا ثقافة برجوازية، ثقافة تقليد، ثقافة ادعاء وانتفاخ واستجداء ألقاب وجاهات مجانية. في زمن بخست فيه الجاهات وابتذلت الألقاب.
الثقافة عند العرب: مفهوم مستورد وفهم منقوص. ثقافة لا تصنع قراء ولا مبدعين أو علماء. كل ركام الشعر العربي المعاصر، لم يحفز الفرد العربي لابتكار فكرة أو تصنيع أبرة.
(2)
الثقافة والمقاومة..
لدينا شعر سياسي. شعر بلا جمهور. جمهور برجوازي مهرج. جمهور لا يميز بين الشعر/ الفكر والحالة الطربية في الاغنية الشعبية. هل أنتج شعر النواب ثورة أو فصيل ثوار؟.. هل حفز شعر محمود درويش [1941- 2008م] زيت المقاومة والثورة. أين جمهور نجيب سرور [1932- 1978م] الذي مات- قهرا وصبرا وقمعا- في مصحة عقلية.
ترى شاعرا يفتخر بأنه كتب القصيدة الفلانية.. وأنه أصدر كذا (رقم) من الدواوين، وأن أعاد طبع دواوينه كذا مرة. ثم ماذا.. هل ثمة ناشر عربي مثقف مخلص؟.. قل لي ماذا انتجت قصائده؟.. اين روح الثورة والكرامة وحب الوطن والدفاع عنه.. لست تقليديا بهذا المعنى..لقد تطوع شعراء الغرب للدفاع عن بلدانهم وأفكارهم، وخسروا حياتهم..
ألا يوجد في لا ئحة الشعر العربي غير قصيدة ابراهيم طوقان [1905- 1941م] وابي القاسم الشابي [1909- 1934م]، المترددة منذ عقود..
في الانتفاضات المصرية والسورية، كان للفنانين موقف مشهود مع الجماهير، الفنانون كفصيل ثقافي. وما يزال الفنان المصري يشارك بفعالية في الحراك والنقاش السياسي، وتقديم أفكار تجديدية وتنويرية لدفع السياسة والمجتمع للأمام.
في الحالة العراقية، كانت علاقة المثقف بالسلطة هي الحصول على وظيفة برجوازية. وكما كان المثقفون عماد البيرقراطية الثقافية الاقطاعية في البلاد العربية منذ خمسينيات القرن الماضي، حتى سقوط الانظمة العسكرية والوطنية. فأن طقم الاقطاع الثقافي العربي، كان له دور مسؤول في تخريب الدولة والمجتمع.
هل صحيح ان الحكومة تسقط وحدها، وتتحمل كل المسؤولية وحدها. هذا مناف للعقل والمنطق والواقع. كل الطاقم المحيط بها، بضمنه قواعد المجتمع والمعارضة، يشاركون في المسؤولية والانحراف/(فعل ورد فعل).
(البراءة/ النزاهة) تعبير لا وجود له إلا في النفوس الضعيفة/ المريضة، التي لا ترى غير نفسها ومصالحها/(عقدة البر الذاتي). الوظيفة جاهة للشخص ومنّة على المجتمع. عدد من عراقيي الخارج ترددوا على سلطات الاحتلال، ممنين أنفسهم ومتوسلين اصحاب الشأن، للحظوة بمنصب أو جاه.. عندما يئسوا، عادوا حانقين.
لكن الغزو الاميركي لم يسفر عن تيار أو تكتل ثقافي يدعو للمقاومة، أو يرفع شعارا وطنيا لتحجيم الاحتلال. على العكس منه، ظهرت تجمعات مثقفين عراقيين، تروج للاحتلال والخنوع وخيانة المطالب الوطنية.
في ثورة/(1979- 1882م) احمد عرابي [1841- 1911م] قام الانجليز بتجنيد مصريين، ضمن الجيش البريطاني لمقاتلة عرابي، واعتقاله ونفيه من بعد. لذلك، لم يرث المصريون روح الثورة من عرابي، وانما ورثو عقدة الخواجا من المحتل. وفي الحالة العراقية، قامت ايران بتجنيد الاسرى واللاجئين العاقيين، ضمن جيوشها، وأجبرتهم على محاربة بلدهم، لتسيقطهم أخلاقيا وضميريا، بقية حياتهم. وهؤلاء يعانون اليوم دورا مزدوجا، لا يعرفون التمييز بين انتمائهم لوطنهم الام، وخدمتهم وولائهم لبلد الاحتلال.
الولايات المتحدة الاميركية جندت عشرات الاف العراقيين والعرب ضمن قوات الاحتلال واستقدمتهم للعراق. من بين المجندين أدباء شباب، لجأوا إلى أميركا.
هل يخون الانسان مرتين، أم يسقط مرتين. إما أن يكون، وإما أن يخون، ولا وسيط بين الأثنين.
(3)
في القرن السادس عشر، كانت الاحتلالات الصفوية والعثمانية تتعاقب في ميدان العراق. وكان العراقيون يستقبلون هذا الاحتلال مرة، ثم يغيرون ثيابهم لاستقبال الاحتلال الثاني، يمالئون هذا وينافقون ذاك. ولكن، هل حصل مرة، ان سكان عراقئذ، قاوموا هذا الاحتلال وتصدوا للثاني؟..
هل توصل العقل والضمير والانتماء العراقي، لتأسس جيش تحت الأرض، يتولى حماية البلاد، أو يحمي حدوده، لمنع الأجانب من دخول البلاد، كأنها حديقتهم الخلفية، وتحت أي عنوان. أم أن العراق حالة كونية متفردة، لا سابق ولا لاحق لها.
ما هي مصادر التخريجات الخرافية التي تتردد بين العراقيين، وكأنها تنزيل سماوي. كيف يمكن التوفيق بين الغرور وانتفاخ الشخصية العراقية، وبين مذلتها وانحنائها للأجنبي، وتداول مقولات: (جي ما لي والي)، (كلمن يتزوج أمي، أكَول له عمي).
وليس أخيرا، هرطقة الأممية العراقية، هوية أممية، مواطنة أممية. من أين تم استيرادها، من لندن، أم واشنطن، أم برلين، أم موسكو. وكل هاته بلدان وثقافات قومية عنصرية، تسعى إلى صبغ العالم بلونها وثقافتها القومية، ويبقى العراق، هاربا من نعرة القومية العروبية، إلى نعرة الاممية، وفق قاعدة شيعية شيوعية!.
المباريات الايرانية العثمانية، شحذت الانتهازية العراقية والتلون والنفاق، الذي سبق شيوعها في تاريخ مسبق. وعندما تتحدث لمحام عراقي وتضعه امام الواقع، تجده يخلط بين ادعاء الوطنية والهوية العراقية، ودعاوى الطائفية والولاء الأجنبي، دون تمييز أو تفريط بينهما.
مرة ترثي لهاته الحالة، وتارة تعنف صاحبها. كيف تتعايش شخصيتان في ذات واحدة، ولا يشعر بالتناقض. كيف يفوت المحامي، التفريط والالتباس، وهو يعمل في حل القضايا أمام المحاكم، وباسم القانون. أم ان الأمر كله لا يتعدى التمثيل.
ان صفة الازدواجية التي طرحها علي الوردي [1913- 1995م]، اصطلاح شمولي يتضمن كل المتناقضات النفسجتماعية في داخله. منه اختلاط الطائفي بالوطني. ما هي الطائفة. ما هي الوطنية، ما هي القومية..
إذن ثمة تمزق وراثي، يمنع الشخصية العراقية من التطور. التطور بمعنى عبور واجتياز الموانع الطائفية والعشائرية والاثينية الى نسيج هوية وطنية ثقافية، هي المصلحة والانتماء العام للوطن الذي تعيش فيه منذ قرون.
لا تستطع أن تعيش في أوربا عقودا أو قرنا، ثم ترفض هويتهم وانتماءهم، ولا تدافع عن بلدك الاوربي في العدوان. لا تستطيع أن تكسب مكاسبهم، وتعتزل مساوئهم. الوطنية مثل الزواج المسيحي، مشاركة وتكافل في السراء والضراء، وليس صلة انتقائية، أو زواج متعة مؤقت.
يستطيع العراقي أن يزعم ما يشاء، ويكون ما يشاء. يكون عالما أو شاعرا، عالميا ويعدد جوائزه ، ولكنه ليس شيئا، من غير وعي انتمائه وشعوره الوطني الصافي. لا مكان لهوية طائفية أو اقليمية عابرة للحدود، بجانب أو بظل هوية وطنية مهلهلة.
مشكلة الشاعر العراقي، انه يرتدي أكثر من بدلة فوق بعضها. وفي مرة، يقدم نفسه وطنيا، ومرة طائفيا، ومرة انسانيا وأمميا، وهذا ما يجري في المسرح/(أراجوز). الوطن ليس مسرحا تمثيليا، ولا فندق بعشر نجوم.
(4)
في أواخر القرن التاسع عشر، نشرت الولايات المتحدة الأميركية، اعلانا، تعلن فيه الحاجة الى متطوعين في الجيش الأمريكي. وأن المتطوع الذي يقاتل دفاعا عن أميركا، يحصل على الجنسية الأميركية مباشرة.
هذا الاعلان تكرر طليعة هذا القرن، لتشجيع المتطوعين العرب للقتال ضد العراق، والحصول على الجنسية الأميركية أو الاقامة مباشرة.
ان شرط الجنسية ليس مجرد الاقامة، ولا الاقامة المتصلة، ولا حيازة عقارات وارصدة تجارية، وانما شرطية الدفاع عن البلد. عندما تقاتل باخلاص دفاعا عن العراق، تستحق الجنسية العراقية الأصلية، غير الطائفية أو المؤقتة. الشباب الانصاري الذي قاتل الى جانب الكرد في الثمانينيات، حصلوا على حقوق التقاعد بوصفهم (بيشمركَه).
أما الحياة على أرض الرافدين منذ قرون، وتقديم كذا أدلة وعقارات، من غير دالة الانتماء والولاء والدفاع عن البلد وصيانته، فلا قيمة لها، وما ينبغي لها، بغير الاخلاص والوفاء والدفاع عنه، وعدم السمسرة الوقتية والتجارية فيه.
ما أفعله هنا، هو كشف جملة عيوب ونواقص ونقائص تكتنف الحياة العراقية؛ واشكالية الوافدين عبر الزمن، من غير الاندماج في الهوية العراقية والتطوع للدفاع عن أرضه وأهله ومصالحه. فكيف القول، بمن ينسب نفسه للعراق حسب مواليده، ويحارب ضد العراق ويقاتل أبناءه، ويشارك في تصفية أهليه، ويتملق ويوالي أعداء العراق!..
هذا اللامعقول واللامنطقي، لا مكان له عندما تنجلي الأمور، والدم لا يكون ماء.
ان مساحة ايران من السعة، أن تسع المدافعين عنها والموالين لها. أما العراق فليس فندقا، تحت أي عنوان ديني وطائفي وأممي. ولو ألصقت به، اية مزاعم ورموز مستلبة، تخلط الحابل بالنبابل، بين أهل الحجاز والعجم. ليس العراق، ميدان تصفية صراعات وأحقاد وأطماع، مهزومة في داخلها.
(5)
الانتهازية والوصولية والهروبية لا تصنع وطنا ولا تنتج هوية. على من يدعي انتماءه للعراق ان يتنكب مسؤولية ما يجري فيه. ثمة سكوت ومسكوت عنه في المعادلة العراقية.
ثمة غير جهة، تفصل ثياب العراق حسب ايديولوجيتها الدخيلة. العراق ليس غانية مشتراة من سوق نخاسة.
على العراقي الحقيقي ان يفتخر بهويته التاريخية الحضارية، مثل المصري، وكما مصر الفرعونية، فأن عراق سومر واشور، أقدم من ظهور الديانات، وأقد من الغزوات الأجنبية، والنعرات السياسية المهزومة أمام نفسها.
ان ما حصل لهو حسن، لقد سمح للبثور والفقاقع أن تتباهي بنفسها، وتعيث فسادا ونهبا في الجسد. فتشخيصها في غاية السهولة. وعلاجها، لن يتأخر.
وما لم ينجح من قبل، لن يصلح من بعدُ!.
(6)
هذا السؤال الموجع والفضيح في المسالة العراقية. البلد المتهم بالثقافة تاريخيا، انما يفتقر/ يفتقد مضمونها الحقيقي. هل الثقافة في العراق، مصطلح [تغشيش/ تشويش] أم هو مجرد [قناع/ خداع] يجري توظيفه من الخارج، لتغطية وتمرير أغراض مختلفة/ مغابرة لمضمونها.
ان كثيرا من الأسئلة والأفكار والاشكاليات الشائكة في (العراق)، لا تجدها في مصر، أو بلد متوسطي آخر.. لماذا؟..
يستطيع المصري أن يتحدث بل ثقة واقتدار عن أي عنوان أو ثيمة ويجعل لها تاريخا مؤسسا ذا هوية ورموز مصرية. هل يفعل (عراقي) ذلك.. هل يريد/ يستطيع؟.. ولماذا لم يجترحه؟.. العراقي الذي يتحدث في كل شيء، ويتعولم في كل مجال، لكنه لم يرتكب أبسط الأوليات البدهية لتأسيس كيانه الثقافي والمجتمعي.
الثقافة العراقية، مثل أي شيء آخر، تفتقد التواصلية. ولما كان تاريخ العراق كثير التغير، مختلف العهود، فكل عهد يسحق سابقه ويحيله رمادا. أما إذا اعتبر حكم العباسيين، منطلقا لثقافة العراق، فما يوصف بالعهد الذهبي، هو حاضنة الشرذمة العراقية.
الهوية المشتركة لا بد منها لأيما مشروع/ حركة، خطاب/ ثقافة. والهوية المشتركة لا بد أن تنبع وتتصل بالأرض، التي يعيش عليها مدعي الثقافة ويتنفس هواءها. لا توجد ثقافة حقيقية في العالم خارج هذا المعيار. وهو معيار الثقافات غير الحقيقية.
الاحتلال الاميركي قصم القشة على قفا البعير. الدمقراطية الاميركية، رفعت للسطح كثيرا من أسئلة مكبوتة، لعل من ابرزها: هل العراق عراقي أم بريطاني؟.. ان العراق صنعته بريطانيا، مثل اسرائيل وكندا ونيوزيلنده، وبريطانيا قادرة أن تمسحه من الخريطة، هذا ما قاله مؤرخ هولندي يهودي.
هل العراق ولاية ايرانية، و(طيسفون) عاصمة صيفية لشاه ايران، ومنتجعه على دجلة؟.. العراق مجرد جزء من حضارة امبراطورية ايرانية، وما يحصل اليوم، هو عودة العراق والعراقيين، إلى حاضنتهم الأموية/(عودة الأصل للفرع)، بعد زوال الطاغية والاحتلالات.
ومن هنا تتداعى مزاعم وطروحات، تصف الحكم العثماني بالاحتلال، ومزاعم أخرى تصف الحكم البعثي بالاحتلال الفاشي، ومزاعم أخرى تصف المملكة الهاشمية، مشروعا بريطانيا، اغتصب العراق من أصله الايراني. وفي نفس السياق، لم يكن الحكم العباسي، غير اغتصاب الحركة العباسية الخوارزمية من مرجعية العجم.
فالأصل في الحكم العباسي، هو ولاية العجم، الذي ساندوا الدعوة، لاستعادة ملك كسرى قبل اكتساحه بيد الاسلام. إذهب الى المتحف العراقي، ستجد عيلام ومادي ضمن السلسال الاثاري الذي لم يؤسسه بهنام أبو الصوف [1931- 2012م]. وستجد أروقة بناية المتحف، كما المكتبة الوطنية، جزء من سوق مريدي ودلالات الأسواق المركزية، لمن يذكر كيف نبعت السوق السوداء، تلك الأيام.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* للشاعر رشيد سليم الخوري [1887- 1984م]/(الشاعر القروي) قصيدة في حادثة التيتانيك/ [16 ابريل 1912م] منها:
عزوا الجبال وانذرروا الاطوادا.........ان الشواهق ينخفضن وهادا
جبلان يصطدمان من أنباكم...............ان الجليد يحطم الفولاذا
لاتستخفوا بالضعيف وحاذروا .........زمنا يصير الماء فيه جمادا
فهوى الى الاعماق يلبس لجها .........كفنا ويفترش القرار وسادا
تيتنيك سيدة البحار وطالما ..........كان القضاء مهددا من سادا
من قاع الاتلانتيك اسمع هاتفا.......قد راع في البحر الكبير روادا
يا شركة النجم اجترمت كبيرة....تركت بياض النجم منك سوادا
لو لم يكن عدد* النجاة قليلة....لحفظت أرواحا وصنت عبادا
*