ملاحظة علي هامش مشهد فضائي

حمدى عبد العزيز
2019 / 6 / 8

فى صباح اليوم التالى للإعتداء الإرهابى الجبان على الجنود والضباط من أبناء الشعب المصرى فى شمال سيناء فوجئنا بكل القنوات الفضائية تضع "هشتاج" (الداخلية تثأر لشهدائها) وذلك كشعار علي أسفل يمين الشاشة ..

وهذا يثير ملاحظات مهمة حول الخطاب الإعلامي المهيمن إذاء حدث يهم جميع أبناء الشعب المصري الذين قاموا في صبيحة أول أيام عيد الفطر علي صدمة وقوع هجوم إرهابي جبان واستشهاد عدد من الجنود والضباط من أبنائه في شمال سيناء برصاص عصابات الفاشية الدينية الغادر ..

والملاحظة الأساسية هنا أنه من المفروض أن المعركة هي معركة الشعب المصري كله ، وعلي اعتبار أن مواجهة الإرهاب والفاشية الدينية هي مواجهة وطنية طرفها الأصيل هو الشعب المصري ، ومن المفروض هنا أن الداخلية هنا وغيرها من الأجهزة هي أذرع الدولة المصرية وأدواتها الوظيفية ..

وبالتالي فمن المفروض أن أجهزة الدولة في هذه الحالة تقوم بأدوارها الوظيفية في أي معركة وطنية ضد الإرهاب والفاشية الدينية طبقاً للدور المنوط بها في هذه المواجهة (التي ينبغي أن تكون مواجهة الوطن الشاملة ضد أمراضه وأعدائه) ..

وطبقاً لهذا الإفتراض فإن الشهداء الذين سقطوا صبيحة عيد الفطر وكل الشهداء من المصريين الذين سقطوا كضحايا لإرهاب الفاشية الدينية هم شهداء الشعب المصري وليسوا شهداء جهاز ، أو فئة أو جهة جزئية ، وأن كل الدماء التي نزفت علي طريق تلك المواجهة هي دماء وتضحيات الشعب المصري ..

وبالقطع فأن مثل هذه المواجهة ينبغي أن يتم التعامل معها كمواجهة وطنية شاملة ، ولاتعني تجزئة المهام الوظيفية بأي حال من الأحوال أن يتم إطلاق جزئية منها عنواناً للمواجهة ..
فتصبح المواجهة هي مواجهة (الداخلية)
ويصبح الشهداء خاصة الداخلية
ويصبح الثأر ثأر الداخلية ..

فضلاً عن أنه ليست هناك ثأرات مطلوبة لذاتها
ولا أن هناك انتقاماً مطلوباً لذاته
ولا أن في تلك وذلك مايصلح كأهداف ، أو كشعارات لتلك المواجهة ..

ومن جهة أخري فالمواجهة أعمق وأشمل من أن تختزل في مواجهة (ثأر) وانتقام وماإلي ذلك من توصيفات تخرج المواجهة عن سياقها الحقيقي كمعركة من أجل وحدة وسلامة الوطن واستنارته ، وتقدمه وحريته وحرية شعبه، وحماية حق مواطنيه في الحياة الحرة ، وضمان حقوقهم الوطنية والمدنية والديمقراطية ..

ياسادة
"الداخلية" جهاز من أجهزة الدولة له دوره الوظيفي المؤسسي في سياق كيان مؤسسي أشمل هو الدولة .. وجوهر وظيفتها هو السهر علي تأمين تطبيق القانون ، وحماية أمن المواطنين وحرياتهم العامة والخاصة ، وحماية المنشآت العامة والخاصة وتأمين حقوق جميع أبناء الوطن في ممارسة حقوق وواجبات المواطنة طبقاً لما يحدده القانون ، وإيقاف خطورة الخارجين علي القانون وضبطهم وتقديمهم لجهات العدالة والتحقيق لخدمة العدالة ، وخدمة التحقيق الذي يمكن أن يمد جميع الجهات والأفراد بالحقائق والمعلومات التي تساعدنا علي القضاء علي مواطن الإجرام ومسبباته ..

وهذا هو مايجب أن يشكل ثقافة هيئات الداخلية (الشرطة) ورجالها ، وليس ثقافة الثأر والإنتقام التي لاتقدم في العمل الحقيقي ، والمهمة العلمية الواجبة لجهاز مثل هذا الجهاز ، بل تؤخر كثيراً علي مستوي إنجاز العدالة وتطبيق القانون ومعالجة أصل المرض والداء ، وتغيب المجتمع وهيئاته عن الحقائق الهامة التي يمكن ضبطها ووضعها بين يدي العدالة والتحقيق ..

وهي لاتنفرد هي أو أي مؤسسة بتقرير المواجهة أو تحديد مواجهتها ، والمفروض أن الدولة هي التي تقرر ذلك وفقاً لإرادة شعبها والأجهزة والمؤسسات تنفذ وفقاً لأدوارها الوظيفية ..

ومن نافلة القول هنا أننا أمام دولة مؤسسات ولسنا في دولة أجهزة تنفصل بوظائفها وأدوارها لتعمل ككيانات مستقلة بذاتها وتحدد هي معاركها وتسمي وظائفها وتنفرد بتسمية طبيعة مهامها ، ثم تختص هي بحصرية الشهداء ..

ومن نافلة القول أيضاً
أننا أصحاب أقدم جهاز دولة في التاريخ ، وفي ظل هذا الرسوخ فأن مؤسساتنا الأمنية والمسلحة تعمل كأجهزة دولة ، ولاتعمل كميليشيات مثلما الحال في دول غير راسخة التأسس ..

نكرر
شهداء أية مواجهة مع الإرهاب والفاشية الدينية هم شهداء الشعب المصري ..

والقضية لايمكن احتزالها وتستطيحها في الثأر والإنتقام ..
القضية قضية مواجهة الشعب المصري لأعدائه ..

والمواجهة لابد أن تكون علي هذا القدر من الشمولية ..

وبالطبع (وبأقل قدر من التفكير) يمكن لأي إنسان أن يستنتج أن وضع هذا الشعار علي كل الفضائيات المصرية ليس مرجعه قرار ذاتي لكل قناة أو للفضائيات مجتمعة ، فالأمر علي هذا النسق لابد أنه جاء من السلطة التي تعلو كل هذه القنوات
ولابد أنها سلطة تدير
وتحكم وتهيمن علي تلك التنوعات الفضائية.

وهذا يعكس أننا لانزال أمام معاناة لقصور شديد في فهم قضية الإرهاب الديني وقضية مواجهته وإدارة هذه المواجهة وإدارة أدواتها علي نحو أصح ، واشمل..
___________
حمدى عبد العزيز