تفكيك العنف وأدواته.. (18)

وديع العبيدي
2019 / 6 / 6

لماذا احتلت بريطانيا (العراق).. ولم تحتل (ايران)؟..
(1)
ايران أكبر من العراق مساحة، وأكثر منه نفوسا، وأوفر في مواردها الاقتصادية ومصنوعاتها اليدوية، وتشتهر بالسجاد والكرز، فضلا عن كونها أكبر قوة تهيمن على الخليج، وحركة الملاحة فيه. وكان أولى ان تنزل القوات البريطانية في شواطئها الخليجية ، بدل تضييع وقتها وجهدها، في بلد متخلف صغير المساحة، قليل الموارد، لا يسلس قياده.
بل أن السيطرة على ايران، كمفتاح ستراتيجي للسيطرة على عموم أسيا، يساعدها في ذلك، نفوذها الراسخ في شبه جزيرة الهند وكشمير وباكستان وافغانستان. وسوف يحظى طريق الحرير، بأهمية ستراتيجية، وهو يمرّ عبر ايران الى الصين.
أليس هدف انجلتره هو التجارة، والتجارة الحرة، وتأمين طرق المضائق والموانئ والخلجان، والملاحة العالمية الحرة، أمام قراصنتها وتجارها ؟.. كما ان سيطرة ايران على السواحل الجنوبية لحوض الخليج، من قمته حتى مضيق هرمز وبندر عباس، حيث تمتلك مكتبا وحامية عسكرية فيه منذ تاريخ أقدم، يدعم نفوذ بريطانيا في الخليج.
فالقيمة الستراتيجية للعراق محدودة ومتواضعة، قياسا بما تمثله ايران من موقع ونفوذ وامكانيات.
ان السيطرة على ايران، سوف يسهل لبريطانيا اختراق العراق من كافة الاتجاهات، الشرق والمياه الجنوبية، وعبر الفرات الغربي والبادية الجنوبية. ولا ننسى هيمنة انجلتره على حوض الخليج وشبه الجزيرة، منذ القرن الثامن عشر. فضلا عن نفوذها في مصر، وعلاقاتها مع حكام الحجاز.
ان الاطماع الغربية: الأوربية والامريكية، في ميراث آل عثمان يعود للقرن الثامن عشر، عندما كانت الصراعات السياسية والحدودية بين الزعامات الأوربية على أشدّها. وكانت وفود القراصنة على الباب العالي، تشتغل حسب قانون (الغيرة والحسد).
فكلما حظت فرنسا أو ألمانيا بامتياز في الملاحة أو سكك الحديد، اندفع قراصنة انجليز واميركان لاكتساب ضمانات وامتيازات مماثلة. وكان السلطان المسلم، كريما وشهما -بشكل مبالغ- في عدم احباط الصلابوة، وهو يعرف أنهم أعداؤه المتربصون به.
عمليا، حصلت القوى الغربية على كل ما تحلم به، وما يتجاوز أحلامها، في وقت مبكر، يسبق (1914م). وكان التذمر والاحتجاج داخل السلطنة وأروقة الحكم والبرلمان والمجتمع الثقافي، تتزايد بسرعة. بينا شعبية السلطان في تراجع، حتى جعل أمر الانقلاب عليه أدنى من رمشة عين.
ان العدوّ الأول للغرب هو الدولة العثمانية، التي تحتل قلب العالم الستراتيجي، وتسيطر على شرق أوربا وحوض المتوسط والبحر العربي. وهذا النفوذ الواسع والستراتيجي، يعيق حركة الملاحة الغربية والتجارة الحرة حول العالم. ورغم تراجع النفوذ العثماني واختلاف سياسته من الغرب، فلم يكن ذلك كافيا للغرب.ـ
(2)
كانت الدولة العثمانية بحاجة لمعارف الغرب العلمية وقدراته العسكرية، وذلك جراء فشلها في احتلال النمسا، وتمديد نفوذها في كل أوربا. لكن التوجه العثماني الاصلاحي هذا انطلق من موقع ضعف، وليس من موقع قوة. فكان مقامرا فاشلا، مع أطراف تتربص للانقضاض عليه بغتة.
وقد رسخت ضعفها وهشاشتها، في اعلان افلاسها المالي عام (1750م)، وبدء استجدائها القروض من الحكومات الغربية. ولعل السؤال هنا: ما أهمية لهاثها وراء المعارف والتقنيات السياسية، وهي تتهاوى بسرعة، وتخسر نفوذها وصيتها ومستقبلها الامبراطوري؟..
هذا ما جعل الباب العالي مزدحما بسفراء الغرب ووسطائه. هذا ما جعل الدولة العثمانية مفرغة لأزمات الغرب وأطماعه وعقده الداخلية. ونظرا لتاريخ الصراع التقليدي الطويل بين روسيا القيصرية والعثمانيين، وخشية وقع الأخيرة تحت قبضة الروس، كانت انجلتره وأخواتها، على استعداد للقتال، لتهميش الروس، وابعادهم عن قلب العالم الذهبي.
وتتضمن حقبة التردي السياسي العثماني جملة تنازلات سياقتصادية، من خلال توزيع امتيازات وحقوق مجانية لثعالب الغرب في أطراف الامبراطورية، ومنها بلاد العرب، كما لو انها غنائم بخسة، لا كرامة وكيان لسكانها، وحقهم الطبيعي في تقرير مصيرهم وادارتهم لبلادهم. فهي إذ تخلت عن الدور الشريف/(المقرر دينيا وتاريخيا)، صادرت حق السكان في سيادتهم على أرضهم.
حصلت انجلتره على حق استخدام نهر دجلة للملاحة التجارية/(1834م، 1909م)، كما حصلت على امتياز مد سكك الحديد داخل العراق/(1916م)، وعبره نحو الحجاز. وكانت المانيا أول من حصل على امتياز السكك الحديد/(1899م)، ضمن مشروع ربط أوربا بالشرق [خط برلين- بغداد].
13 مارس 1914م احتكرت بريطانيا حق الملاحة النهرية في انهار العراق، ابتداء من شط العرب/ البصرة، رغم اعتراض التجار والنواي العراقيين وممثليهم في المبعوثان العثمنلي. وكانت الحكومة العثمانية قد باعت حقوق الملاحة النهرية وطقمها للانجليز في صفقة سابقة، ورفضت بيعها لجهات عراقية، عرضت ضعف المبلغ.
(3)
وبالمقابل، لم تظهر ايران في موقف العدوّ المباشر للغرب. فموقع الدولة العثمانية شكل حاجزا ودعامة لحماية فارس جيوبوليتكيا. بينما كانت فارس تتحرك جنوبا وشرقا، وتشكل ضغطا عسكريا وتهديدا سياسيا لجوارها العثماني. وليس من المجدي هنا، التطرق لوحدة الصف والموقف الاسلامي تجاه (الكفار).
عمليا، كان الصفويون أول من وقع معاهدة دفاع مشترك مع دولة أوربية، لتسهيل ملاحتها في المياه الجنوبية، مقابل اطلاق اسمها على الخليج العربي، وهو المثبت منذئذ باسم (خليج فارس) في الخرائط والادبيات الغربية. ولم يكن البلاط الايراني: الصفوي والقجري، خارج نشاط سفراء الغرب ووسطائه.
ولم يكن شبح الافلاس المالي قصرا على خزانة الاستانة، انما كان مهيمنا على الخزانة الايرانية، سيما في العهد القجري. والواقع ان الهيمنة الغربية على مقدرات ايران وحكومته، كانت شاملة ومبكرة، مقارنة بالسيادة العثمانية ازاء الغرب. وكانت لجنة خبراء روزفلت هي السند الايمن لشاهات القجر، ولم يكن المكوك البريطاني غائبا عن بلاط فارس.
مرة أخرى، دعنا نعطي فرصة لسؤال ساذج أو غبي، مهما كان: لماذا لم تتوافق الحكومات والبلدان المسلمة- يومذاك- في سياسة خارجية عسكرية مشتركة، وتحالف دفاع مشترك غير منافق؟.. لماذا بنى الصفوي دولته على اساس مخالفة العثمانيين في العقيدة والتوجه السياسي؟..
التاريخ لا يموت.. والسؤال لا يموت. ولابد للبلاد المتهمة بالاسلام، أو تزعمه هوية وعقيدة ووووو، الاجابة عن هذا السؤال.
هل يوجد نص قرآني، دعا المسلمين للتشرذم والاختلاف في العقل والعقيدة والاحتراب الداخلي، أم أن بدعة علي في نقل الحرب الاسلامية من اتجاهها الأصلي ضد الكفار، لاعلانها ضد الصدر الأول من اصحاب الدعوة، وجعلها دائرة داخل البيت والمجتمع الاسلامي.
فحتى عهد عثمان الشهيد كانت معارك العرب والمسلمين ضد الكفار، حتى ظهر علي، فجعل سيوف المسلمين تخرط اعناق المسلمين، ومعارك بني الاسلام وقادته المزعومين، تتجه نحو أركان الدعوة وقادة الأمة.
ان انشاء ثقافة تقديس (علي ابن ابي طالب) ورهطه، ورفعها درجات تتجاوز (النبي)، والعالم الدنيوي، إلى بعد ميتافيزيقي، يجعل مفاتيح (الجنان) بيد (فاطمة وعلي) وذريتهما، لن يعفي أيا منهم، عن المساءلة عن أعمالهم الشخصية، سواء في الدنيا، أو يوم الحساب، الذي يكون الجميع فيه تحت اقدام عرش القضاء، بما فيهم الملائكة وكبار الانبياء.
لقد تم اغتيال عثمان، وتضييع دمه بلباقة المدونين يومذاك. وبدل اخماد نار الفتنة، والكشف عمن وراءها، بحياد واستقلالية وشرف، تركت الفتنة تشتعل والدماء تسيل -حتى اليوم-، ليتقلد الامام الزاهد المقدس ربيطة الحكم، وسط احتجاجات واعتراضات ورفض مبايعة.
وماذا كان ردّ الزاهد والنقي، في استخدام السيف والحديد، ضد أهله وقومه وأهل نبي الاسلام ورسوله، الذي لم تمض ثلاثة عقود على وفاته. لقد أدخل علي في الاسلام ما ليس منه، ولا ينبغي له أن يكون منه. وما يزال أدعياء الاسلام وعلماؤه يبلعون ألسنتهم، ولا ينتصرون لقولة حق. متذرعين بقرابة علي من محمد.
وهل كان لمحمد قرابة في موقفه من ابي طالب، عندما رفض تزويجه بنته. هل كان لمحمد قرابة في موقفه من عمه أبي لهب، الذي رعاه وكساه وأنفق عليه وخصص له جارية، لارضاعه وتربيته حتى يستقيم عوده. متى فسح محمد مجالا لقرابة أو محسوبية أو نفاق، من بين عائلته أو زوجاته، حتى يتم تلفيق محسوبية خاصة لبنت محمد وابن أبي طالب؟..
ولماذا فاطمة أصلا، ولمحمد أكثر من بنت. وماذا عن أزواجهن، وحرمانهم من امجاد وحصانة (أهل البيت)، واحتكارها المتأخر في بيت فاطمة؟.. اليس عثمان القتيل زوجا لأثنين من بنات الرسول؟.. أم أن العصبية المشوّهة، أفرزت نفسها، لشق العرب أكثر من شق الاسلام، بذرائع ليس لها اعتبار في أخلاق العرب، فكيف باسلامهم.
من أعطى تاج الامامة والولاية والوصاية والخلافة والامارة لشخص ما، على اساس المصاهرة. تلك المصاهرة التي جعلت قانونا لمصاهرة تالية، صادرت مجد النبوة والخلافة خارج حدودها الثقافية والقومية. والتاريخ يكتب دائما بسياق رجعي، يجري تزويقه وترتيبه بحسب الايديولوجيا الباطنية.
لماذا يجري أهمال الاسئلة والتحديات الفكرية على مدى التاريخ، وتستمر خرائط الانحرافات. لقد قدم الدكتور حسين مؤنس [1911- 1996م] أسئلة علمية وموضوعية، لا ينبغي اهمالها والهروب أمامها. ولابد أن يظهر جيل وعقل عربي جديد، أكثر شجاعة ونزاهة، في الانتصار للحقيقة، ووضع حد صارم للنفاق والتزوير التاريخي الذي جلد قفا العرب والمسلمين، وطبعهم بالخنوع والركوع للاكاذيب والافتراءات، التي حذر منها القرآن ونهى عنها، ووصف أهلها بالكافرين والمنافقين والكاذبين.
(4)
ان حصيلة اجتماعية لعشرة قرون من التزوير والافتراء والانحراف، لا يمنحها شرعية اخلاقية أو سياسية، وفق مبادئ الدمقراطية الغربية، التي لم يكن لها وجود في حياة المسلمين قبل ثلاثة عقود، وليست عربية ولا اسلامية من منظر فكري/ (سيد قطب- معالم في الطريق).
كيف ترتفع يد المسلم على مسلم، وكيف يشهر سيف مسلم في وجه مسلم، ولا ينتفي نص الاسلام. كل من قابل أخاه المسلم بغيض أو بطانة أو عنف، يسقط خارج الاسلام، ويسقط خارج رابطة العروبة، ولو كان زعيما للامة. هاته هي أيضا وظيفة الطابور الكبير من المتثاقفة المسلمين والعرب من يومه حتى يوم القيامة.
في سياق سيوف علي ضد عائشة والزبير، والصحابة والعشرة المبشرة الأكبر سنا من علي ورهطه، سوغ الحكام العرب والمسلمون تشغيل سيوفهم على رقاب أخوتهم. وإذا كان محمد قد غيّر موقفه من يهود يثرب، لمجرد مباطنتهم المهاجرين، فماذا كان سيفعل، في مواجهة أول حرب أهلية اسلامية، يقودها زوج بنته ضد وحدة البيت المسلم، بدل تحصينه وحمايته.
اسماعيل الصفوي اقام دولته لمباطنة البرتغال ومعاداة ال عثمان، ونهج لنفسه اتجاها مذهبيا، خارجا عن أصولية العقيدة والايمان، ثم جعل نهجه صراطا، للمتمردين والمتذمرين والمخالفين للعروة الوثقى.
باسم الذرائعية نفسها، خالف ال سعود القواسمة في الخليج وال سعيد في عُمان، وانشقوا على الباب العالي ودولة محمد علي، وأنشبوا سيوفهم في جلود كل من لا يغني/ يصلي للملك. وفجأة، تطور حكام الاسلام الجدد تطورا عظيما. انهم جعلوا (المصلحة)، أساسا للعلاقات والسياسات والحكم.
رجحان المصلحة، يعني وضع الدين والانتماء والأخلاق والتقاليد دونها. كيف اصبحت البراغماتية الميكافيللية ديانة للعرب وأدعياء الاسلام، فتلك أية لا يأتي بها إلا (نبي). نبي مثل لورنس [1888- 1935م] أو برنار لويس [1916- 2018م]، أو أي نبي منقذ تلفظه الدعاية الغربية.
واليوم، في وجه الضياع والتفاهات وبرامج التسذيج والتسطيح العقلي، والاعلام المزور والمؤدلج لترويج فوضى خلاقة، تنتشر مظاهر شقاقات وتنابزات وخلافات واختلافات، وشتى مظاهر الانحرافات والعلل الطارئة والباطنية، بين شباب العرب والمسلمين ونسائهم.
من الأفضل اعلان (موت الاسلام) و(قبر العروبة) بدل تشويهها وتلويثها، وتخاذها موئلا للعن والشتيمة، ووصمها بالشرّ والبداوة والرجاسة، مما يدخل في باب علم النفس التعويضي. لماذا تشتم وتلعن، اخرج من الملة، وابتعد عن مكان السوء.
ان كل فرد، له الحق في اختيار ما يعتقد به ، والانتساب للجماعة واللغة والثقافة التي تعجبه. أما أن يتحدث العربية ويشتم العرب، ويشتم الاسلام وأصوله، ثم يدعي أنه (مسلم علماني/ مسلم تنويري/ شيوعي شيعي)، فلا توجد هكذا منتجات في أخلاق العرب والاسلام.
ثقافة الشتم واللعن والزراية، لها أصولها المعروفة، والتي انتشرت في أوقات الانحطاط والفساد والضياع ليس إلا. واستخدامها والترويج لها انما من قبيل الخناثة، وهي الديانة الثانية للعولمة بعد البراغماتية. ويعرف المرء، أنه لن يستطيع أن يقدح في انجلتره أو البيت الأبيض، ولكنه يحصل على مكافأة وتزلف، بشتمه الاسلام والعرب، لخدمة استعدائهما من قبيل المركزية الغربية.
(5)
القلق يساور كثيرين، حول احتمالية الضربة الامريكية لايران. هؤلاء لم يساورهم الموقف الاخلاقي ازاء السياسة الغربية اللاأخلاقية ضد العراق، وليبيا واليمن وسوريا والسودان ومصر والجزائر. ليس بالمنظور القومي العروبي، وانما بالمنظور الانساني واليساري- إن كان ثمة معنى لها اليوم-.
في السبعينيات العراقية، كانت جريدة طريق الشعب تزدحم بكتابات وقصائد عاطفية عن فيتنام وكمبوتشيا، حتى تصدى لهم شاعر بما معناه: (وندافع عن كل قضايا الكون ، ونسكت أمام قضايانا!). ألا توجد في العراق أزمات، ولا مشاكل في حياة العراقيين، أليس مثلها في سوريا ومصر والمهجر، وكل امبراطورية الاعلام والتشاكل الالكتروني، لماذا السكوت والتغييب، والمنافحة المجانية عن الغير، بل عن العدوّ.
متى يتعلم العرب والمسلمون أن يتفقوا ويتعاونوا ويتحدوا، ليس في سبيل الشر، وانما في سبيل الحياة؟..
لما لا يجري الفصل بين السياسة الخارجية والسياسة الداخلية، بدل أدلجتهما على أساس منفر؟.. لماذا يحتل بلد عربي بلدا عربيا، ويرفض الاعتراف بشعار (وطن عربي واحد)؟.. إذا كان بلد مسلم يحتل بلدا مسلما، يشابهه أو يخالفه، فما يتبقى للعدو الأجنبي؟ ولما يسمى نفسه مسلما بالمرة. ثمة لزمة للحياء، قبل أن تدمر السياسة والغريزة كل شيء.
هل يوجد حق وحقيق، وأفضل وأسوأ، في حالة الضياع التي تسود العالم الاسلامي والعربي الراهن، بفضل تخلف مجتمعاته وانتهازية حكامه؟.. اتعجب كيف يقبل أحدهم بكرسي السياسة، بكل ما استغرقه من عار ودنس!
(6)
تهاوي أركان الامبراطورية العثمانية، رافقه تنامي الشعور القومي التركي، داخل قطاعات الجيش والحكومة. وسوف يتزعم مصطفى كمال[1881/ 1923- 1938م] هذا التوجه، واشتقاق حركة استقلال تركية، مطلع القرن العشرين. وهنا أشير الى تناقض اتاتورك وغروره الشخصي، وهو ازاء مفصلية تاريخية اقليمية وعالمية.
لقد رفض اتاتورك معاهدة سيفر/(1920م)، وأعدم الموقعين عليها، بعد تجريدهم من الجنسية التركية. ولكنه لم يتوان عن التوقيع على معاهدة لوزان/(1923م) بنفسه، عندما فرضت عليه من قبل الحلفاء، وبنفس البنود والتنازلات. ولم يملك أحد يومها الاعتراض عليه وانتقاده، أو تجريده من الجنسية واعدامه، لتفريطه بالحقوق القومية والعثمانية، فهو اليوم رئيس البرلمان ورئيس الحكومة ورئيس الجمهورية الوليدة لثلاث دورات.
هذا الترقيع القومي غير الاخلاقي، لا يصنعه قادة شجعان شرفاء، وهؤلاء لا يصنعون بلدان عظيمة، أو تجارب تاريخية لا يثلمها الزمن. وفضلا عن المداورة الكمالية بين سيفر ولوزان، سرعان ما عاد عصمت اينونو [1884/ 1938- 1950/ 1973م] للمطالبة ببعض ميراث مزعوم، مستذكر ان أهل ولاية الموصل/(وبضمنها كركوك العراقية) يتحادثون اللغة التركية.
وبذلك أختلق أزمة غير مبررة، بعد اقرار حكومته التخلي عن كثير من الاراضي والبلدان، نزولا عند املاءات بريطانيا. وقد انعكس ذلك على أوضاع الدولة العراقية، التي تأجل تتويج الملك واعلانها الرسمي، لما بعد اعلان تركيا الحديثة/ (1923م).
لكن الشق المقابل للمعاهدة البريطانية التركية، هو سكوت العراقيين، بله، العراقيين والسوريين، عن امتدادهم القومي والعربي حتى منابع دجلة والفرات، ومقاطعة ديار بكر سياسيا واداريا. وبحسب المام الانجليز بتاريخ العراق القديم، ما كان جنوب الاناضول وديار بكر القبيلة العربية المعروفة، خارج حدود الكلدان والاشوريين.
وبغض النظر عن مشروع مصطفى كمال القومي العلماني العصري، فأن دفعه لهذا المصير، كان غربيا. والدولة الغربية الكولونيالية، هي التي اجبرته على طرد السلطان ونفي الخلافة وانتهاج العلمانية، وتحويل نظام الحكم من امبراطوري إلى وطني. وبمقتضى المعاهدة، لم يستطع كمال التدخل في التدخلات البريطانية والفرنسية من حواليه.
وبعد تنازل العراق عن ديار بكر، والقبول بترسيم الحدود شمالي الموصل/(1926م)، لم تتورع ايران عن مد نفوذها حتى شط العرب ورأس الخليج، مقتطعة امارة الخزاعل الكعبية/ عربستان عام (1925م) من الكيان السياسي لبلاد العرب. ثم تنفتح شهيتها لاحتلال الجزر الاماراتية الثلاثة عام (1975م) -غيرة من احتلال حكومة بولند اجويد جزيرة قبرص/(1974م)!-، وصولا لاحتلال العراق وجنوبي اليمن، بالتواطؤ مع الاميركان.
ان تاريخ (1925م) يؤرخ لتاريخ مسبق لاعلان الدولة العراقية العصرية/[1920- 1923م]، حيث كانت عربستان امتدادا للعراق العربي الجنوبي. واالمفارقة، ان تستذكر ايران اليوم، غب احتلال اراضي العراق، مدّ خط سكك الحديد يمتد من الشلامجة الى البصرة/(32كم)، ومن البوكمال حتى اللاذقية السورية.
ويعتبر خط السكك الايرانية، أول مشروع علني معلن، على الاطماع الامبراطورية الايرانية، وجزء من المرتكزات المادية التحتية، التي لا يمكن معارضتها أو تحديها بسهولة، فضلا عن أنه يمر في بلدان عربية منهارة سياسيا ومفككة مجتمعيا، ومتنازع عليها دوليا. ان ايران تلعب على العرب والعالم، في اللحظة التاريخية الصح.
ورغم ان الشرطة العراقية كانت تتوزع مراكز لها في عربستان، قبل (1925م)؛ فأن الصوت العراقي، الرسمي والشعبي، كان خجولا بحيث لم يترك صدى، اقليميا ودوليا. فما حدث في ديار بكر، حدث في عربستان، وسط التسامح والأريحية العراقية، في توزيع الهبات على الجيران. وهي سمة مستمرة لكل الحكومات والانظمة المتعاقبة في العراق.
هل يستطيع العراق مواجهة تركيا عسكريا؟.. هل يستطيع العراق مواجهة ايران عسكريا؟.. هل يستطيع العراق مواجهة الاطراف الاقليمية والدولية دبلوماسيا؟.. أين هي حصانات العراق الأمنية والستراتيجية إذن؟.. هل العراق بلد مؤهل للاستقلال والسيادة الفعلية على أرضه، من غير نفاق اعلامي دبلوماسي؟..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* معاهدة فرساي: عقب انتهاء الحرب العالمية الاولى، حيث وقع الحلفاء اتفاقيات منفصلة مع أطراف المحور، جرى المصادقة عليها في [10 يناير 1919م]: وكان من بنودها الانسحاب العثماني من أراضي أوربا، تحمل المانيا نفقات الحرب، الغاء الامتيازات الالمانية لدى الدولة العثمانية، وتقاسمها بين الثلاثي [بريطانيا، فرنسا، ايطاليا]، تحتكر بموجبه بريطانيا الامتيازات التجارية والنفطية، ويتم تقاسم الشركات الالمانية بين الثلاثة، انشاء عصبة الامم.
* معاهدة سيفر: [10 أغسطس 1920م]: وهي معاهدة هزيمة العثمانيين، وتضمنت: تخلي الاتراك عن الاراضي التي لا يتحدث اهلها التركية، واستيلاء الحلفاء عليها، تقسيم شرق المتوسط العربي بين بريطانيا وفرنسا، وادرتها تحت عنوان الانتداب. حركة الاستقلال التركية الغت معاهدة لوزن، واستبدلت بمعاهدات لوزان/(1923م).
* معاهدة لوزان: (1923م): بعد الغاء حركة الاستقلال التركية لمعاهدة سيفر الاستسلامية، وضع الحلفاء معاهدة لوزان التي صادق عليها الاتراك، وتضمنت تقرير وضع تركيا الحالية/ [الاناضول + تراقيا/(الجزء الاوربي من تركيا)]، وتعتبر بمثابة اقرار أوربا باستقلال تركيا الحديثة. تنازلت تركيا بموجب لوزان عن: العراق وسوريا/(3) وقبرص وجزر دوديكاسيا؛ كما تضمنت لوزان ترسيم حدود تركيا، سوريا، المشرق العربي، اليونان، بلغاريا. وقد واجهت معاهدة لوزان معارضة، واعتبرت مسؤولة عن جملة الاوضاع غير الطبيعية في الشرق الأوسط، ومنها تخلي تركيا عن دورها الديني تجاه المسلمين.

(7)
ايران رقم خاص في الخريطة العربية، ورقم خطير في المعادلة الاسلامية، وهي اكبر عدو ستراتيجي استهدف العروبة وبلادهم أولا، ثم ديانتهم تاليا عبر العصور. وإذا كان العرب تحدثوا عن عدو طارئ: تركي، بريطاني، فرنسي، اميركاني، اسرائيلي؛ فكل أولئك أهون على العرب من المشروع الايراني.
لا أحد من اولئك يستهدف نفي العروبة أو مسخها، ليس من اولئك من يستهدف نفي اللغة العربية والثقافة العربية وتهجينها بلكنة فارسية معروفة، وتلقيحها بثقافة عجمية زرادشتية مزدكية بهلخمينية، كما تسعى وتعمل لأجله ايران، وزبانيتها غير قليل من سكان العراق/ الطابور الصفوي.
ماذا تريد ايران من العراق العربي، ولماذا تتهرب من افغانستان وبلاد وسط أسيا؟.. لما تتداحم حدودها الغربية وتتهرب من حدودها الشرقية والشمالية والجنوبية؟.. هل ايران امبراطورية حقيقية انجبتها الطبيعة وحتمية الجغرافيا والتاريخ، أم ثمة ولادة قيصرية، ومولدات دولية وراء الكواليس؟..
ما الهدف الذي تعرض ايران لها نفسها، مستهينة بالكيان العربي، وكيف تطمئن لمواثيق بلد ومجتمع مشهور بالنفاق والازدواجية والفصام، بدلالات تاريخية منها خداع علي وخذلان الحسين، والمراوحة بين العثمنلية والصفوية والقجرية والملكية والجمهورية على تعدد الوانها.
ألم يكن عراقيو اليوم هم عراقيي النهوض البعثي والجيش الصدامي؟.. ألم يكن عراقيو الجيش الصدامي الذي قاتل بضراوة في ايران والكويت، هو نفسه الجيش الذي انقلب ضد قائده عندما أوجعته الضربات الاميركية، وطاردته ذليلا في حفر الباطن.
العراقي يحب الكبرياء والانتفاخ والغرور، حتى لو كان جائعا.. لكنه لا يحتمل الاذلال ولو مقابل كنوز الارض. وقد أخطأت ايران. ايران أذلت العراقيين، مرة داخل ايران وهم أسرى ولاجئون، ومرة وهي تستبد بأرضهم تحت غطاء اميركي. والعراقي لا ينسى.
التيارات الحزبية التي دجنتها ايران في أقبية استطلاعاتها في الثمانينيات. تعرضت للاذلال والامتهان ومنافاة ادنى حقوق الانسان. كيف تستقدم ايران، بالتعاون مع أجهزة حكام دمشق، الجماعات العراقية اللاجئة هناك، إلى داخل ايران، ثم تقوم باهانتها واذلالها واجبارها على تشكيل مليشيات مسلحة وواجهات سيادينية خمينية للدعاية لها داخل العراق، ومحاربة جيش العراق في الحرب بين البلدين.
وهؤلاء المستخدمين اليوم في تكميم العراقيين وتصفية شرفائهم، يعانون سقوطا مزدوجا، خزيا مزدوجا، فهم مهانون من قبل سادتهم، مذمومون وخونة للبلد والمجتمع، الذي لن يجدوا أكثر أصالة ودفئا منه.
المجتمع الذي خانوه وباعوه، لن يجدوا له بديلا، ولن يغفروا لانفسهم غدرهم به.
اولئك هم مادة ايران واتباع الاحزاب المخابراتية الهجينة لاستطلاعات ايران السارحة بالحكم اليوم، هم بقايا العشرة ملايين بعثي في حكم القائد الضرورة؟.. استطلاعات ايران ادرى بذلك. أليس (الحشد الشعبي) هو نسخة مشوهة من (الجيش الشعبي)، بابتزازه النوستالجيا العراقية لاستعادة الماضي الوطني القريب.
وكيف يكون قائد بدر والحشد الشعبي رمزا للوطنية والمتحدث الرسمي عن الوطنية العراقية والمشروع العراقي، الذي لا يكتفي بالربط بين تيار المالكي والعبادي، ولا بينهما وتيارات مقتدى المهدي، بل هو الوسيط السماوي بين كل مكونات الفسيفساء العراقية، التي يأكل بعضها بعضا في الظلام، وتتغازل في ساعات العمل الرسمي.
وليس حال سوريا المتشرذمة طائفيا وعنصريا بأفضل، بل أسوأ من العراق. فرغم اشتقاق وانشقاق الطوائف السورية من رحم عقيدة باطنية شيعية واحدة، فهم أشد على بعضهم، وأكثر انفصالية ورفضا لبعضهم البعض. بل هم طوائف واقليات ذات مشروع سياسي انفصالي عمليا على مسار التاريخ، وجهاديا في سبيل المستقبل.
ولم ينبع المشروع الفرنسي من فراغ، بتقسيم سوريا الى ثلاث/ اربع ولايات، وذلك على شاكلة لبنان المارونية.
ان العراق الاكثر اندفاعا لاحضان ايران، هو اضعف أوراقها وأدواتها، والأدنى موثوقية. لكن الموثوقية لا تدخل في القاموس الايراني التاريخي. ثمة.. من يخدع من.. ايران أم العراق؟.. الخمينية والمزدكية أم المراجع النجفية الكربلائية والكاظمية والعشائر الموالية والمراوغة بين الاطراف.. بأي عملة تنوي ايران شراء ذمم العراقيين..
منذ ألف عام وايران تحوك وتنسج خيوط مؤامرتها ضد محمد بن عبدالله [571- 662م] وكتابه العربي المبين.
نافحته بجيش من الاخباريين والمفسرين والمؤولين المعتدلين، وقابلتهم بجيش من المفسرين المكذبين والمناوئين للأولين، ثم جعلت بينهما جيشا محايدا منافقا، يأخذ شيئا من هنا مقابل الفريق الأخر. ثم يأخذ شيئا من الفريق الثاني ويقذفه في وجه الفريق الأول.
ومنحوا كل جهة ألقابا طنانة اشتهر بها الفرس، ونبذها العرب ولم يأخذ بها الأعراب.
فهذا الامام الأكبر، وهذا شيخ العلماء، وهذا اية الله، وذلك الامام الحجة وحجة المسلمين، حتى لم يعد يتساءل العربان، ما شأن هؤلاء العجم بكتاب عربي مبين. ألم يرد في الكتاب، لكل أمة بعثنا رسولا منهم، فهل العجم من العرب، أم محمد من العجم، أم علي من العجم أم.. ماذا..
ماذا قصد القرآن بالذين يلوون ألسنتهم في الحديث.. أليس هذا تعريف اللحن(!) والعجمة(!!) كما وردت في المعاجم.. وما لببغاوات العراق يتحدثون في الأسواق والمحاضرات الدينية ويقرأون الكتاب العربي المبين بلسان ملتوٍ.. هل ضاعت منهم ألسنتهم، أم أن أقبية ايران مسخت أشياءهم.. أين يمضون بألسنتهم عندما تنتهي اللعبة..
(8)
انتقلت لجنة الرقابة المالية الامريكية باعضائها التسعة من كوبا المحتلة الى ايران القجرية، وقامت بتوظيب دوائر الحكومة والمالية والشرطة وتحت اشراف خبراء وعناصر أمريكان، استمر وجودهم في ايران في عهد البهلوية حتى ثورة مصدق [1882/ 1950- 1953/ 1967م] الاشتراكية الذي خانه ابو القاسم الكاشاني [1877- 1962م] وكفّره، ليسلم ايران للعاصفة والالعاب الدولية منذئذ.
ايران منذ دولة الصفويين/(1501م) لم تكن مستقلة أو ذات سيادة، وانما خضعت لخبراء من هولنده والولايات المتحدة الاميركية وبريطانيا على التوالي، وبين الأخيرتين بالتداخل والتشابك. وقد لحق الروس كدولة رابعة في المستشارية الايرانية. بينا يعود التعاون البريطاني الروسي في ايران، إلى أيام العثمانيين، وتوجيه الفرس ضد الرجل العجوز.
ايران هي نقطة التقاء المصالح الغربية في قلب الشرق. دولة تنتصف الوجود العربي من جهة، والوجود التركي من جهة، والوجود النفطي من جهة، وملتقى المضايق والمياه الدولية من جهة أخرى. وفي كل ذلك، لم يصدر من ايران أي موقف سياسي أو عسكري أو دبلوماسي معارض أو معاد للقوى الغربية التي عاثت فساد وخرابا في المنطقة، -ما عدا ايران-.
وفضلا عن تناغمها ضد العثمانيين وتركيا والعراق والخليج عبر القرون المتأخرة، فقد لعبت ايران الى جانب الصلابوه دورا ميدانيا ضد سلطنة عُمان منذ القرن الثامن عشر، وأنزلت حامية عسكرية ايرانية في جبال ظفار، وجنوبا نحو حضرموت، وما زالت تعزيزاتها العسكرية هناك، في ظل تجاهل غربي انجلوميركي تام.
فبينما أنذرت المنظمة الدولية حكام السعودية وحربهم في اليمن، لم يتتم اشارة عابرة للدور الايراني في تأجيج الحوثيين، واستخدامهم ضد السعودية/(حرب بالوكالة).
أكثر من هذا السؤال، هو صمت القبور الأمريكي والغربي، على احتلال ايران للعراق، وجملة ممارساتها ومجازرها ضد الاهلين، فضلا عم ادعاءاتها الاعلامية، بكونها وراء طرد الاميركان من العراق. علما أن الاميركان لما يزالوا في العراق، -جيش تحت الأرض-. ولهم خبراء عسكريين ومخابرات، داخل القوات المسلحة الرائجة في المنطقة.
ان ايران، هي شرطية الامبريالية في اسيا، في عهد الشاه كما اليوم، وفي كل عهد. انها صنيعة غربية، لا تختلف عن دور اسرائيل واستراليا وروديسيا وكندا. ولكنها، تلعب مع الجميع، ضد استقرار المنطقة، ولما تزل تبتز الغرب، للحصول على شروط أفضلية، تنافس بها اسرائيل المدللة، وتتفاخر على بلدان المنطقة!، ولكنها لا تجرؤ على التمرد ضد سادتها.
لذلك لم تفكر بريطانيا في احتلال ايران، لعدم حاجتها لها أولا، وخشية استفزاز الوصاية الاميركية على ايران. بينما جاء احتلالها للعراق والشام، تنفيذا لبنود لوزان، واقتسام غنائم ال عثمان.
كانت بريطانيا متوجسة من أطماع فرنسا والمانيا وروسيا في ميراث العرب، فجاءت خطوتها بالانزال العسكري المباشر، رغم عدم دخول العراق في الحرب. وتنفيذا لمشروع كروزون بمنطقة تبعية بريطانية تمتد من الهند إلى القاهرة.