تفكيك العنف وأدواته.. (17)

وديع العبيدي
2019 / 6 / 4

وديع العبيدي
تفكيك العنف وأدواته.. (17)
السيادة والزيادة..
(كلا. ان الانسان لَيطغى. ان رآه استغنى. ان إلى ربّك الرجعى/العلق 96: 6-8)
(1)
الجزيرة المقفرة، صارت تموج بالبشر. الأرض التي كانت آمنة، صارت مرتعا للصوص. الناس الذين ما كادوا يجدون لهم طعاما، جاء من يتسلّط عليهم، ويقاسمهم اللقمة، جاء من يغتصبهم ويصادر قوتهم.
هذا أيضا من دروس علم اجتماع السكان. لا انتاج بلا لصوص، لا حضارة بلا مخربين، لا مدنية بلا أوباش وغوغاء. لا انسان من غير شيطان. وبجانب كل مجتمع كدود، هوامش من سقط المتاع. من هنا ظهرت المنظومة القيمية في الشرق. منظومة الكرم والضيافة والصدقة والاحسان.
ثقافة الجواب قبل السؤال. التسليم قبل مدّ اليد.
فالاخلاق، لم تظهر كترف اجتماعي، أو مظاهر برجوازية للتفاخر، انما كانت نظام حصانة ذاتية ودعامة اجتماعية، لقطع دابر الشرّ، واستباق أسباب الجريمة، قبل استفحال عصابات القرصنة. ولم يكن نتشه [1844- 1900م] دائما على حق، عندما نسب الأخلاق إلى الضعف، لكنه على حق إذ احتقر الشفقة.
الشفقة دالة ذل، والشافق والمشفوق، ليس احدهما صنو الآخر.
بالتأكيد، ثمة بون شاسع بين الاجتماع والسياسة، بين نظام القبيلة والمحلة، وبين سلطة الدولة. الانسان يحتاج القبيلة والمحلة/(العائلة الكبيرة)، ولا يحتاج الدولة/(الطاغوت والطغيان والنهب المنظم بحكم القانون). القانون يضعه القوي/ الطاغية، لفرض رغباته وتنظيم آلية أطماعه. كلّ ما عدا هذا تخريف وافتراء، وخداع شيطاني.
لا يوجد قانون في خدمة الانسان. لا يوجد قانون صادر من الانسان بالمفهوم الجمعي، بل الفرد الطاغية. أما وصف البرلمان بالسلطة التشريعية، فهو من نكات الحداثة وهرطقات التمدن. فالبرلمان هو لعبة الملك/ الحاكم، لامتصاص نقمة الشعب. يحله متى شاء، ويذله متى شاء، تارة يضغط به على الحكومة، وتارة يراوغ به الشعب.
والنظام الاميري/ الملكي من مواليد الغرب/ القرصنة، حيث الشحة والتسلط والدكتاتورية. في رواية (القصر) لكافكا [1883- 1924م]، يدور الموضوع طيلة الوقت، حول اجراءات مقابلة الموظف مساح الأرض، لصاحب القصر/(غير المنظور).
الرفض المستمر لصاحب القصر لرؤية (الغريب). رفض قطعي قلعي. عدم اي تعامل بشري/ اجتماعي، يدفع بالموظف ان يشعر انه (حشرة)، أو (عدم) بحيث لا يحظى باعتبار، رغم حاجته لمن يصادق رسميا على أمر وجوده أو التحاقه بالعمل، والذي يأتيه الرد بالوساطة: (لا حاجة لمساحين، لا حاجة لموظفين، لا حاجة للغرباء. غادر فورا).
(غادر فورا).. يعني عدم حصوله على مرتب، يعني البحث عن وظيفة أخرى. يعني العودة، عبر الجبال والأودية. والرواية تدور في القرن الثامن عشر. صاحب القصر، هو صاحب القرية، هو مالك البلدة. كل الاخرين يعملون عنده. كلهم يأكلون من فضله. وبيده وحده، حياتهم وموتهم.
في هاته الرواية صوّر فرانتز كافكا نقطة انطلاق الاجتماع السياسي الأوربي، نواة جماعات: الفرسان، النبلاء، أمراء الحرب، الاقطاعيات والدوقيات التي خرجت من رحمها العوائل المالكة، ملكية وامبراطورية، ارستقراطية وبرجوازية، اقطاع ولوردات ورأسماليين وتجار بلا حدود ولا أخلاق.
هؤلاء هم السادة، أصحاب الدم الأزراق، وبقية الناس هم الخدم، الغجر، الهمج، الرعية والمواطنون بالمفهوم العصري. العمال والموظفون في دولة الملك، الذي يطيعون وينشرون نفوذه، ويعملون ويدفعون له الضرائب والرسوم بالمقابل.
الدولة/ السلطة في الغرب، ليست اختراع اغريقي أو روماني، ولا ابتكار فرانسس بيكون [1561- 1626م] أو جون لوك [1632- 1704م]، انما هو استنساخ قميئ لسلطة الكهنوت، التي اشتقها اليهود والمجوس من بابل، ونسختها بابل عن كهنة سومر القديمة.
هل كان كهنة سومر ملوكا أم كهنة. لا نعرف. لكننا نعرف، أن ملوك حمير كانوا كهنة. ومن هنا عرف الملأ سلطة/ دولة الكاهن الملك، النبي الملك/ الحاكم، في اليهودية والاسلام. موسى تبرع بالسلطة والكهنوت لأخيه هرون، واختفى من اللعبة. هرون وأولاده هم ذرية الكهانة/(ابناء لاوي).
وأبناء لاوي، هم وكلاء السماء، الذين خصصت لهم ثلاثة اسفار من التوراة: [خروج، لاوي، تثنية]، لوصف أنواع الذبائح والقرابين والاطعمة ومناسباتها وتقنياتها الظرفية، التي يأكل منها الكاهن وحده، وما يأكله الكاهن مع الذكور من العائلة، وما يجوز ان تأكل منه النساء في عائلة الكهنوت. ما يسمح أن يأكل منه الكهنوت فقط، وما يسمح أن يشارك به العامة، مما يلقى للكلاب.
تحوّل السلطة من موسى إلى هرون، هو السياق/ (ستاندارد)، الموروث الذي تمت استعارته وتبنيه، لنقل السلطة من (محمد) إلى (علي)/ (الكاهن الأعلى)، ومؤسس سلك الكهنوت الاسلامي، تحت مسمى (الإمامة/ أئمة) ووكلائهم العجم حتى اليوم.
ولا تستغرب وجود حديث موضوع فحواه (مكانة علي مني، مكانة هرون من موسى). موسى اختفى وليس له قبر. وذرية كهنوت هرون لا زالت في ولاية (المعبد اليهودي)، وخوارنة الكنيسة المسيحية، جيلا بعد جيلا، حتى يظهر المسيح على السحاب.
وأئمة (علي: الولي)، ووكلائهم المتكاثرين على الطريق السريع، في زيادة واضطراد وتطور، حتى ظهور (المهدي) من أعماق البئر/ البحر الذي يقيم فيه، منذ أول غرقه، كما عاش اوتو نبستي/ (الرجل الخالد) في ملحمة جلجامش في قاع (ملتقى البحرين).
المهم في كلّ ذلك، هو (السلطة والطعام).
هؤلاء محتكرو الأموال والريوع والضرائب والخراج والوقف والصّدقات والاعطيات والقرابين، حتى جلود الناس وفروج النساء ودمائهم وأرواحهم، هم السلطة والدولة والاقلية الاقطاعية/ الرأسمالية/ التجارية، التي لها الاولوية والأفضلية والارجحية والعلو والسموّ والغلوّ، اصحاب الدم الأزرق/(ابناء الله/(تك 6: 2))، وما عداهم العامة والخدم والغوغاء والهمج، ممن يدورون ويمذرحون بين أقدام وسيقان أصحاب الملك ذوي الدم الأزرق.
وتستأثرني من رواية كافكا/(القصر)، ثيمة ان (السيد/ صاحب القصر) الغائب عن العيان، والممنوع دخول القصر للبحث عنه، أو حتى محادثته من (وراء حجاب)؛ كان يراقب الناس من خلال (ثقب سرّي) ويتنصت لآحاديثهم، وما يقال عنه. والسيد الأعلى (في قبو النجف)، لا يقابل أحدا، ولا يراه أحد، ولديه سكرتاريا تمنع الناس عنه، وتصدر البيانات والرسائل وتوقعها عنه وباسمه.
فهو (ممنوع من الصرف والمقابلة)، لا تلسعه شمس ولا يمسه هواء ولا تلمسه يد عامي/ غجري. هناك في برجه الذهبي، يراقب العالم من ثقب سري، والناس ترفع له الادعية والصلوات والقرابين والدنانير المتلتلة، ليشتري لهم قصورا في جنة سستان.
ومفاتيحها في خزانة المهدي عند مجيئه الوشيك، ليأخذ المانحين العطائين الى قصورهم السماوية، كما يأخذ المسيح أتباعه الى منازلهم/(أدنى من قصور) في مدينة (الأب) الاوغسطينية. [في بيت أبي منازل كثيرة. وإلا لكنت قلت لكم. أنا ذاهب لأعد لكم مكانا. وإذا ذهبت وهيأت لكم مكانا، آتي ثانية وآخذكم إلي، حتى حيث اكون، تكونون أنتم أيضا/(يو 14: 2- 3].
هذا هو جوهر لعبة/ نكتة الدولة.
ودعك من كل الهراء الفكري والديني والفلسفي الذي يدعى بالعلوم الاكاديمية: السياسية والاقتصادية والقانونية والعسكرية والأمنية، مما لا يخرج عن خدمة غريزة الملك وتلبية احتياجاته. الدولة هي الملك الحاكم، والملك هو الدولة، والحاشية/المافيا المحيطة به.
والرحمة للقائل: ما هو القانون: القانون جرّة قلم!. بكل بساطة ووضوح، ومن غير خداع والتواء وباطنية، دولة عميقة ودولة خارج دولة/ داخل دولة، ارتوازية / افقية، سطحية، ممنوعة من الذكر أو التنويه أو الاشارة، ومن يذكرها يجري اعدامه بالرافعة....
الغرب الأوربي، كله خرج من بين دفتي التناك والانجيل. وكما ان يهود صفد كانوا أذكر من موسى، فأن بروتستانتية لندن صاروا أذكى من يسوع الناصرة. هؤلاء لم ينتظروا الأب، انما اخذوا دور الأب، وشرعوا سنن القيامة.
وكل ما ورد في سفر الرؤيا من فك أختام وتكنولوجيا شيطانية، ووشم على الجبين أو الرسغ، اختصرته التكنولوجيا الرأسمالية في أمصال ومجسّات وشرائح الكترونية، تزرع تحت الجلد، أو داخل أوعية الدم وعضلات الجسم، ويتم مراقبتها -لا سلكيا- على شاشات مكاتب المخابرات الامريكية.
مفهوم السلطة الغربية خرج من قدس الأقداس، المعبد المقدس، وبدل أن يكون الحاكم وكيل الاله في الشرقيّات القديمة، صار الحاكم/ الملك هو (الاله زيوس) في روما القديمة، هو وكيل بطرس الرسول في الفاتيكان، وهو رئيس الكنيسة الأعلى، والحاكم الاعلى للكنيسة الانجليكانية في لندن والعالم.
هل ما زال أحد يتحدث عن العلمانية والدولة والدين. هل كانت الدولة توجد لولا الدين. من هو الأسبق، دولة أم دين. متى كانت الدولة علمانية في الغرب. وكيف تكون انجلتره علمانية وملكها رأس كنيسة. وكيف تكون الولايات المتحدة الأمريكية رمز الحرية واللبرالية، وسياساتها الستراتيجية تمتح من اصولية دينية: صليبية صهيونية.
ما هي مرجعية انجلتره السياسية، (رأس؟.. (أم) كنيسة؟..). الجواب هو الرأس. ولا يمكن فصل الرأس عن الكنيسة، الراس هو الملك، والكنيسة هي (الشعب). ولا قيمة لشعب بلا رأس: يعني بلا ملك. (منذ 1534م) كان الملك/(هنري الثامن) رأس الكنيسة الأعلى، ورئاسة الكنيسة ميراث ملكي، حتى تنتقض الملكية.
الكنيسة هي مؤسسة سلطوية اجتماعية، قبل أن تكون مؤسسة دينية، تقيم صلوات وترفع أدعية وتوزع بعض اعانات غذائية على الارامل. والكاهن سلطة، رئيس الكهنة سلطة، (ارك بيشوف) سلطة، وهو نائب ملك انجلتره، في تمثيل الكنيسة.
في التطبيق الديني، يتمتع المتدين/ الكليرك بحصانة واستقلالية من الخضوع للقانون المدني أو تطبيقاته. وهو في ذلك يتمتع باستثناءات، لا يتمتع بها عامة الناس. وفي غير بلد، تتمتع الجالية الدينية بنظام تعليم خاص، وقضاء شرعي خاص، وأنظمة اجتماعية ومالية خاصة. فالدين، ليس مجرد سلطة سياسية اجتماعية، وانما هو (مبدأ سيادة).
وفي انجلتره، ظهر قانون السيادة/(1532م) مع انفصال انجلتره عن روما كنسيا.
ما أعنيه من خلال هذا، ان الدين هو أصل السلطة/ الدولة، تاريخيا وعصريا. ويلحق به مفهوم السيادة والاستقلال.
ان كل دين/(ديانة) يتمتع باستقلالية متطرفة عن الدين الآخر. وكل طائفة، تلح على استقلالها التام عن الطائفة الأخرى. فضلا عن كون كلّ دين وكلّ طائفة وكلّ مذهب، يزعم نفسه هو الحقّ المطلق، وهو الأفضل والأعلى والأوحد.
كل هاته المفاهيم والنعرات، وجدت مكانها داخل المنظومة السياسية لسلطة الحكم. بدل الدين تضع (السلطة)، وبدل الكاهن/ النبي، تضع الحاكم/ الملك/ رئيس الحزب. الفارق هو المعجم السياسي. المصطلح الديني ينقلب الى مصطلح سياسي. المصطلح اللاتيني يتحول إلى مصطلح عربي.
وفي الدولة العربية جرى اشتقاق مصطلح هوائي هو (أمير المؤمنين)، وصار من ألقاب الحاكم: سواء كان خليفة أو ملك أو رئيس جمهورية أو رئيس حزب، فهو أمير المؤمنين وقائدهم، بغير منافس أو اعتراض. أمير المؤمنين يؤمهم في الصلاة ويرأسهم في المجالس ويقودهم في الحرب. أمير المؤمنين هو رأس الكنيسة في أوربا المسيحية.
(2)
(السيادة) كمفهوم سياسي لوصف (الدولة)، يقابل (الكرامة) كفهوم اخلاقي لوصف (الانسان الفرد).
انسان بلا كرامة، يقابل دولة بلا سيادة. والعكس بالعكس.
هذا هو الفارق بين دولة ملكية ودولة رئاسية. الملك له ميراث وتقليد عريق، وله دم أزرق. فيما الرئيس يفتقد الميراث والتقليد العائلي ومن عامة الناس.
في المملكة، فصل بين سلطات الملك وسلطات الحكومة. وفي الدولة الرئاسية، رئيس الدولة هو رأس الحكومة.
الفصل بين السيادة والحكم امر وجاهي لازم. يقال لرئيس الدولة: (السيد الرئيس). أما رأس الحكومة، فهو وزير أقدم، ولا يمثل السيادة والرئاسة. انه خاضع للرئاسة ويلتزم خدمة السيادة، اسوة بكل العاملين في الدولة والمجتمع.
قد يكون ثمة شبه اجماع/ (شبه اعجاب)، بالخطوة الانجليزية في (قانون السيادة)، واعجاب أكثر بالفكرة البروتستانتية في الاستقلال عن تبعية بابوية الفاتيكان. رغم ان الفضاء الانجليزي بعيد عن الفضاء العربي. ولكن هذا الاعجاب وشبه الاجماع، لا يجد له ما يقابله نظريا أو عمليا.
ما من بلد، بين بلدان تبعية الثقافة الانجليزية، من تبنى أفكار السيادة السياسية والاستقلالية العقائدية والهوية الثقافية الوطنية في رأس اهتماماته وتفكيره. بعد قرن منه، لم يظهر عنوان (عرب ستايل/ عراق ستايل) كعنوان اجتماثقافي يكون له جمهوره ومجتمعه العامل على ترسيخه.
ثمة مطعم انجليزي. في الفطور تواجهك لائحة (فطور انجليزي)، بيض على الطريقة الانجليزية. يكاد كل شيء في الطعام والثياب والسكن والعمل وطريقة الحديث والتفكير والجلوس، يحمل سمة: (انجلش ستايل/ برتش ستايل)، ابتسامة انجليزية، ملامح انجليزية.
لكن لا يوجد شيء يتعارف عليه مجتمعنا، يقترن بسمة عراقية، باستثناء ما ينسب لتاريخ البداوة والتقاليد القبلية أو الدينية، والتي صارت مأثورا سلبيا لدى العموم، وسيما الشباب الذي ينسب نفسه للعمانية والحداثة والأمركة، مستخفا بتراثه الوطني. وهم في ذلك في قمة الخطل والتشوّه.
كثير من ثيابنا وقمصان أطفالنا تحمل اسماء ودعايات اميركا ونيويورك ولندن، وهاته ثياب مستورة يتم ترويجها داخل بلاد العرب، ولم يفطن لأي فرد عربي ان هذا يخالف قانون السيادة والكرامة. ان العرب يروجون للغرب مجانا. بينما الدعاية والاعلان في الغرب (بزنس) رائج يكسب المليارات.
لكن التاجر العربي أو العراقي هو اما شخص ساذج أو خائن. ربما يتقاضى مكسبا معينا، لترويج بضاعة مخالفة للسيادة الوطنية. هذا يحدث في كل بلاد العرب، تيشيرتات تحمل رمز مكدونالد وقبعات نيويورك وول ستريت. ومع ذلك، ثمة من يتحدث في الاعلام العربي عن السيادة الوطنية، وان (العراق له سيادة)، ولكنه يفتقد دائرة سيطرة نوعية على الاستيراد، أو السلوك السياسي.
في دراستنا التقليدية للاقتصاد، كان التاجر والرأسمال العربي، يوصف أنه (جبان)، ولما يزل (جبانا) وسيبقى كذلك. ولكن المستجد في الأمر، ان التاجر/ الرأسمال العربي هو خائن ومخالف لشروط السيادة/ الكرامة. كل ما على الفرد أن يعمله، هو مراجعة ثيابه وطعامه وقائمة مشترياته، ويسجل (كم) الدعاية التي يقوم بها مجانا، ويدفع مقابلها اجورا عالية، هي اختلاس من المال الوطني.
أما حجم الدعاية والاعلان والترويج في خدمات الهواتف الخلوية وووسائل الاعلام والتلفزة، فهي أكثر من مائة في المائة.
من هذا المنظور، تعرف حجم السيادة والكرامة، وليس بكلام فارغ وانتفاخ مجاني.
حاول أن تعطي صديقتك قميصا أو قبعة، تحمل اسم بلدك أو أحد مدنه، تحمل صور اثر تاريخي أو ماركة سياحية عربية. إما أن ترفضها منك مباشرة، أو تأخذها منك ولا تجدها ترتديها مرة. هذا هو الفارق بين ثقافة سيادية، وثقافة غير سيادية. السيادة ليست مبدأ سياسيا واعلاميا استهلاكيا، وانما معيار فاعل في العلاقات الاجتماعية بين الأفراد.
ان الضرورة هنا، ليس أن (نتأنجل) أو (نتأمرك) ولا أن (نتفرنج) أو ( نتأسبن)، ولكن؛ في كيفية الاستفادة من كل أولئك وتجارب غيرهم، في العمل على بناس وصياغة وتطوير كياناتنا وهوياتنا الوطنية المستقلة.
لقد كان لوليم الفاتح الأول دور مؤسس في بناء دولة المؤسسات وتشريع النظم والمبادئ والاقنية المجتمعية والسياسية لمملكة انجلتره، ولكن الانجليز يقابلونه بالاحتقار، ويدعونه:(وليم النغل)، لمجرد كونه فرنسيا وغازيا.
ورغم كون هنري الثامن سفاحا وأنانيا ومؤسسا لكثير من الفضائح والفظاعات التي يضطر الانجليز لكتمانها وتسويغها للكوميديا، فأنهم يقدرونه بوصفه (الأب الروحي) لانجلتره المستقلة والدولة ذات السيادة المطلقة.
التشهير بلوليم الأول لا يقلل من شأنه وأهميته عند دارسي السياسة، ولا ينال من مقام فرنسا وتاريخها العريق والمتفضل على كل العالم، بضمنه انجلتره التي تطورت ونمت من حاضنة نورمندية وبريطانية فرنسية؛ لكن التشهير الانجليزي بالاخرين، شكل عوقا جينيا في الذات والعقلية الانجليزية، في طريق نموها ودوام صيرورتها.
لقد كانت انجلتره الفكتورية هم ذروة الامبراطورية والنفوذ الانجيزي والبريطاني في تاريخها. وهذا يعني، بداية انحطاط انجلتره عالميا، وعجزها عن مواكبة التطورات والظواهر الدولية والاقليمية الجديدة. بل أن انجلتره، منذ لحظة (1820م) تخذت قرارها بالتحالف الدائم مع غريمتها (الولايات المتحدة الأمريكية)، في موقفها من بلدان أميركا اللاتينية، وذلك كطريق أوحد، لحماية نفسها من الغياب أو الهزيمة، في مواجهة القوى البلدانية الاوربية، ونهوض القوى الاقليمية العالمية في اميركا اللاتينية واسيا وافريقيا.
ذلك التحالف، الذي سوف يستمر قرابة قرنين، منها سحابة القرن العشرين، وأزماته الكارثية. وفي كل ذلك، تدين حكومة انجلتره ومملكتها، بالفضل للحماية والسيادة الأمريكية، وليس لهزيمتها الداخلية، واستغراقها في النفخ في قرب الاخرين.
يقول تشرشل: (لقد كانت السياسة البريطانية منذ أمد، كما الآن، دعم البلدان المتأخرة في سبيل الاستقلال، ومنع أي من أقاليمها التمرد على الحكومة المركزية. ومن هذا المنظور، لا يحتاج القرن العشرون الى دليل، للحروب الكبيرة التي جرى خوضها في هذا السبيل)/(ونستون تشرشل/ تاريخ الشعوب الناطقة بالانجليزية/ المجلد الرابع: الدمقراطيات الكبرى- لندن- ط1- 1958م- الفصل الثالث- ص37).
ليس أجمل وأطرى من هكذا دعاية قومية، تجعل زعيمة الامبريالية الرأسمالية، منقذة البشرية، كما هي ربيبتها الامريكية اليوم. وإذا كان الاحتلال البريطاني للعراق، من ثيمات القرن العشرين، فذلك لم يكن احتلالا، وقد لعب تشرشل دورا محوريا فيه، وانما كان، -أمس كما اليوم-، مساعدة تضحوية بريطانية، في سبيل مساعدة العراق للاستقلال.
الحرب هي الدعاية. الدعاية هي الحرب. التاريخ مجرد كلام، يبيعه القوي للمفلسين تاريخيا. التاريخ مجرد غبار، يذره المحتل، ليعمى عيون الضحية عن فضائحه. (ومن الحب ما قتل، والحب أعمى أصلا). ولماذا لا يصدق المصدقون، ان الولايات المتحدة الاميركية، ارسلت نصف مليون عسكري، وأضعاف حجم الأسلحة والعتاد المستخدم في الحرب العالمية الثانية، لمجرد تحرير العراق، وتحويله الى واحة للفساد والانحطاط. وذلك أسوة بفتح الانجليز لخليج البصرة في نوفمبر(1914م).
فكرة قانون السيادة الذي اختطه كرومويل كانت جميلة، لو كانت في حدود الأخلاق الكلاسيكية. أما التطبيق الشيطاني[حلال عليّ، على غيري حرام]، فهو لا ينشجم مع التصوّر التشرشلي لبلده، داعية السلام والاستقلال والانقاذ. ما يجري هنا هو هيئة الشيطان، عندما يأخذ صورة المسيح، أو عندما يدخل الكنيسة.
وهذه اشكالية المسيحية المزمنة. كل مسيحي، حتى لو ادعى العلمانية، يرتدي ثياب الحمل/ المنقذ، وفي داخله، يفعل كل شيء لاشباع حاجاته وغرائزه، دون أن يفقد، صورة البار المسيحي، السائر ويده في يد الحمل السماوي؛ ودون أن يرتاب لحظة، في كونه الأفضل دائما، ووكيل الحق المطلق.
لم تقتصر بروتستانتية انجلتره الطارئة على حالة الملك أو المملكة، وانما سرعان ما تحولت الى حملة عالمية شاملة، ومشروع انشاء سلسلة كنائس انجليكانية في الخارج. ولم يتوقف مفهوم السيادة عند وقف التدخل الاجنبي في الشؤون الداخلية لانجلتره، وانما تجاوزه، لامتلاك الحق المطلق لتدخل بريطانيا في شؤون البلدان الأخرى، وبمبررات مسرحية وصبيانية، مثل دعم استقلال البلدان والمساهمة في تنمية المجتمعات، وكلها بلبوس مسيحي مثالي.
فتدخل الانجليز في تحريض اميركا اللاتينية ضد نفوذ اسبانيا، وارسال الجيش الانجليز لليونان في حربهم ضد العثمانيين، وجملة السياسة الخارجية البريطانية، الموجهة لتدمير واضعاف الامبراطوريات والقوى العالمية التقليدية، واستحلال نفوذها؛ وليس محبة في عيون الشعوب، ولا استكمالا لرسالة مسيح السلام والحرية.
لماذا هربت انجلتره من صراعات القارة الأوربية، للبحث عن مناطق نفوذ في أسيا وأفريقيا وشرق أوربا؛ لماذا حاربت كل المراكز الأوربية، وبشكل تكتيكي مراوغ، لينقض بعضها على بعض، ويصفو حساب البيدر لسلة لندن. لهذا لعبت الى جانب الحلفاء ضد المحور، بينما العائلة المالكة تصاهر الألمان منذ ثلثمائة سنة.
البراغماتية، وهو مصطلح أكثر شيطانية من الميكافيللية، هو ابتداع انجليزي بريطاني. البراغماتية هي جماع الانانية والغرور والاحتكار والاستغلال والنهب المزوق والسيادة المفرطة، وفق أفضلية عنصرية معادية للبشرية.
المغالاة في عقدة السيادة، وراء الغرور الانجليزي ومنح أنفسهم حق الوصاية على العالم، واعتبار المجتمعات قاصرة عقليا وثقافيا عن ادارة شؤونها، والاهتمام بنفسها. ولابد للقانون الاخلاقي الدولي، ان يراجع يوما، مسألة (الانتداب والوصاية) التي منحتها عصبة الامم لبلدان غربية في التسلط على مجتمعات أخرى، وتوجيهها حسب هواها المطلق.
سيادة انجلتره التي بدأت داخلية خجولة، انتهت دولية عابرة للحدود والمياه واللغات والعقائد. وكان الأساس في التحرك البريطاني استيراث غنائم الامبراطورية المتهاوية، بدء من بيزنطه والعثمانية، وليس انتهاء بميراث هولنده واسبانيا والبرتغال.
الناس يتحدثون في كل شيء. كل شيء ما عدا المسائل الاساسية وطوارئ التاريخ التي تأخذ سياق القضاء والقدر. ولكن الانسان لن يحقق وجوده، ولا المجتمعات تبرر وجودها، بدون امتلاك سلطة القرار وسيادتها الذاتية.
لربما اختلف راهن العرب، لو لم يقدموا بلادهم، غنيمة/ فريسة، (للصليبي الكافر)، ويمنحوه ثقتهم، كحليف ستراتيجي، يتلاعب بهم ويحرضهم ضد بعضهم، حتى ينهاروا بالجملة، وينتهوا بلا بوصلة ذاتية، متنافسين في الخضوع لأعداء الامة، ودمارهم الذاتي.
ان المشروع الانجلوميركي في بلاد العرب، لا يختلف عنه في المحيط الأوربي، بتدمير الجميع في اقتتال داخلي، لينتهي صافي الخراب العربي والأوربي، للثنائي الانجلوميركي.
العراقيون الجدد يصفون العهد العثماني بالاحتلال، والحكم البعثي بالاحتلال الفاشي، ولكنهم يتغزلون بالاحتلال البريطاني ، الاحتلال الاميركي، الاحتلال الايراني، للعراق، بوصفهم (ايلاف) اجتماثقافي وجماع مصالح ولقاء ارادات وأحقاد ومحاصصات.
مجرد عودة إلى فلسفة الصباح، واستعادة لفردوس الحشاشين.
(3)
قانون سيادة الاحتلال.. ووهم السيادة العراقية..
مشكلة الاسلام السياسي نادرة تاريخية وظرفية، لا أهلها يستحون منها، ولا الكتاب والمتثاقفون، شخصوا طرافة أسسها ومزاعمها. ورغم ان تيارات الاسلام السياسي قديمة، وأقرب عهودها في أيام العباسيين، فأن ظهورها المعاصر، اقترن بأواخر العهد العثماني، والمزاودة على زعامة الاسلام، ومزاعم الطائفة النجية.
لكن استلام الجماعات الاسلاموية في مصر والعراق، كان مجرد نكتة، ومناسبة للفوضى الادارية والسياسية في البلدان. وإذا كان المصريون كشفوا هشاشة دور الرئيس، وضياع السلطة بينه وبين المرشد الغائب، وتنافح اعضاء مجلس الارشاد ليتصرف كل منهم، وكأنه الرئيس/(بالميانة والاريحية).
حركة الاخوان المصرية التي تعود لثلاثينيات القرن الماضي، خلال الاحتلال البريطاني لمصر؛ احدثت خلالها كثيرا من الضجيج وأوهام القوة والشعبية، اكتشفت نفسها إذ استلمت الحكم، أنها بلا مسودة حكم، أو مشروع سياسي. وبقيت شعارات تطبيق (الشريعة والحدود)، دون أن تعرف هي مسودة (الشريعة، وحدودها) عمليا.
الحالة العراقية- اذا صحّ وصفها هكذا-، أكبر حجما وادعاءا، وقد نجحت بفضل الدعم الاميركي، في تدعيم قضيتها بمزاعم الاضطهاد والتصفية والمقابر الجماعية، أسوة بمزاعم الضربة الكيمياوية لحلبجه عند نظيرهم الكردي. وهو أمر، لم يلجأ اليه الاخوان المصريون، لتبرير وجودهم وحقهم في الحكم.
الاسلام السياسي العراقي ليس عراقيا في اصله، ولم ينبت أو يولد في حاضنة عراقية عربية. وكلّ اجنحته الرئيسة والماثلة في الحكم ووراءه، تم تدجينها وتعشيقها في ايران خلال أيام حربها الطويلة ضد العراق. وكان لكثير من أتباعها شرف القتال إلى جانب العدوّ، ضد بلدهم الأم.
وبغض النظر عن اللعبة/ الحماقة الاميركية، في تسليمهم السلطة، بدل التيارات العلمانية، فقد قدم الاسلام السياسي العراقي، شهادة تاريخية على فشله وافلاسه الذريع في كل صعيد. لقد نشأ هؤلاء في حاضنة ايرانية، وعندما استلموا السلطة، استلموها مع حاضنتهم التقليدية، والتي ما زالت تتعامل معهم من منطلق الوصاية الشرعية والسياسية.
عراق الاحتلال الامريكي كان دولة داخل الدولة الامريكية، وجزء من أمنها القومي العالمي. وعراق الاحتلال الانجليزي، هو دولة داخل الامبراطورية البريطانية وسيادتها القومية. وعراق الاحتلال الايراني هو دولة داخل دولة المرجعية والامبراطورية الايرانية، وإذا كان حاصل تقسيم الثلاثة على واحد، هو الثلث. فأن المتبقي من العراق، بعد استقطاع ثلاثة اثلاثه، هو (10%) ، نسبة السالب السائب، أو الهدر الاجتماعي القومي.
أي من الثلاثة له نصيب في السيادة. مبدئيا، لا تخضع السيادة للتجزئة والمساومة والادعاء. هل توجد سيادة حزبية، طائفية، دينية، أغلبية، طفيلية؟.. ان اصل السيادة هو الوطنية الامبراطورية في المثال البريطاني، والسيادة القومية الامبريالية في المثال الامريكي، والسيادة الايرانية الشاهنشاهية الصفوية في المثال الايراني.
اما العراق المتشظي، المنقسم، المتوزع، الطائفي، العرقي، الحزبي، الأممي، فيفتقد الأرضية الاجتماعية والسياسية لفقه السيادة، فضلا عن مشروع توزيع العداوات والاحقاد والغنائم، بين فئة وفئة، ومحلة ومحلة، وبيت وبيت، وبين كل فرد وذاته..
ان عراق ما بعد (2003م)، ليس دولة أساسا. الطائفة لا تصنع دولة في زحمة طوائف. والطائفة ليست مستقلة بذاتها أساسا، وانما مرتبطة بجهة خارجية، بحسب ظروف نشأتها. وما من جهة في عراق اليوم، تملك أمرها.
فكرة دولة داخل دولة، شاعت منذ خلع المالكي من الحكومة، عقب ظهور داعش. وبعد انسحاب داعش من المشهد السياسي، حسب مجريات اللعبة الدولية. ومع تفاقم الفساد والانحلال والانحطاط، وارتفاع وتيرة الانتقادات والتذمر في الشارع العراقي، صارت حكاية (المنظمة السرية) و(الدولة العميقة) و(دولة داخل دولة).. لما لا نهاية له، أداة تنفيس عن غضب الشارع، والاتهام الأعمى الذي لا يوجه لجهة محددة.
بعبارة أخرى، انها مناسبة لتضييع الوقت. ولا يتعدى هدف الطغمة الحاكمة ، غير اللعب على عامل الزمن، بانتظار ركلة الكرة الجديدة. وكل الجهات تنتظر الركلة من كل الجهات، داخلية وخارجية. لكن الركلة، سوف تنسف الغشاء الخارجي للسلطة، طغمة الحكم الساذجة، والغارقة في مستنقع البراءة.
وما يبقى بعد الركلة، هي الدولة العميقة، المنظمة السرية. ولكل منهما طبقات متعددة، كما يخبر عنها تاريخ العقيدة الباطنية، منذ جذورها اليهمسيحية، والقرمطية والصباحية.
معناه، ان الاسلام السياسي العراقستاني، يستخدم منظومة الدولة العميقة، كسلاح وتهديد ، ضد كلّ جهة، تحاول تهديد الوضع الحالي، أو تطمع في سرقة السلطة من أتباع ايران.
لا سيادة بلا دولة مستقلة. ولا دولة بلا سيقان تقف عليها. لا دولة بالاستعارة. ولا دولة بلا ذات أو هوية.
ثمة أكثر من مأزق يخنق الحالة الشائكة والمتخلفة في العراق، لكن المواجهة والامتحان الفكري لما حصل منذ (2003م)، لما يزل غائبا للان.
وقد نجحوا، - كما يعتقدون- في تأجيل المواجهة، لترتيب وضعهم الداخلي، لكنهم ازدادوا شقاقا.
دولة بريمر اختارت المثال الانجليزي، لإعادة هيكلة الدولة والنظام السياسي في العراق حسب مبادئه واملاءاته.
بينما اللبراليون والتكنوقراط، ينهجون حسب المثال الأمريكي، لدولة قائمة على أساس المصالح وليس الثوابت. والكليرك الديني منقسم لأجنحة وأهواء، أبرزها التيار الايراني ومقلدوه، وهؤلاء، يجعلون العراق ولاية ايرانية، خاضعة لولاية الفقيه؛ وتيار يدعو نفسه عراقيا، لمجرد انه لا يأخذ بولاية الفقيه، ثم ماذا.
عراق اليوم هو الغائب عن الحضور. لا ولاية فقيه ولا دولة شريعة. لا دولة سطحية ولا دولة عميقة.
انه عراق فوضى وتناحرات ومزاودات، أغلبها داخل الطغمة السياسية. وكل طغمة الحكم موالية وتابعة للمرشد والخارجية الايرانية.
اذهب للسفارة الايرانية في المنطقة الخضراء، لتعرف المندوب السامي والوصي الحاكم، من غير حرج.
واذكر، ان العراقيين ثاروا على الحكم الهاشمي، وما زالو حاقدين على الوصي عبد الاله، وما حصل له في التاريخ القريب. نحن اليوم، ما بعد نهاية التاريخ.
عراق اليوم غريب عن ذاته. ضد نفسه. أنه (أرض لا أحد/ نيماندز لاند).