هواوي ومعارك القرن

حمدى عبد العزيز
2019 / 6 / 4

الحرب الأمريكية الضارية علي هواوي .. ليست مجرد حرب ضد شركة صينية استطاعت أن تنافس الشركات الأمريكية في مضمار تكنولوجيا الإتصالات والمعلومات ..

وانما هي حرب تستميت فيها المراكز العميقة في المؤسسات الأمريكية من أجل إنقاذ إحتكار الولايات المتحدة للتفوق التكنولجي كعنصر أساسي من عناصر الهيمنة الأمريكية علي النظام العالمي ..

وربما كانت الولايات المتحدة الأمريكية تغامر بمخاطرة كبري في المعركة مع هواوي ..

إذ أن إفلات هواوي من الضربات الأمريكية المتلاحقة ونجاحها في تقديم بدائل فعالة لأنظمة اندرويد ، وتطبيقات جوجل .. ربما سيجعل من نيران هذه الضربات نيران طائشة تلحق أفدح الأضرار بالإحتكارات الأمريكية في هذا المضمار ..

الملاحظ في هذا وغيره أن الولايات المتحدة الأمريكية تخوض معارك شرسة علي أكثر من جبهة وعلي مستويات وأصعدة مختلفة ومتنوعة في وقت واحد ..

وهذا يؤكد علي أنها تخوض معارك القرن الشديدة الضراوة والشراسة من أجل إنقاذ هيمنتها علي العالم ..

والإبتزاز التجاري لأوربا ، وحروب الحمائية الأمريكية ، وتحميل مبيعات السلاح الراكدة علي دول الخليج ، والحصار الإقتصادي علي إيران وشن الحرب عليها تزامناً مع محاولة إنفاذ صفقة القرن ..

كل هذا بالتوازي في نفس الوقت مع التحرشات والمماحكات الحمائية التجارية مع الصين ، ثم إعلان الحرب علي شركة هواوي لاختراقها نقطة اللاعودة في كسر احتكار الولايات المتحدة الأمريكية للتفوق التكنولجي ..

كل ذلك يؤكد أننا أمام مشهد معركة هذا القرن ..
فالمقصود
هو ضرب مشروع الطريق والحزام الصيني الذي بدأ يخطو نحو التحقق الفعلي كنظام عالمي بديل للتجارة والعلاقات الإقتصادية والتمويلية بين الدول يحل محل عالم بريتون وودز ، الذي ضمن الهيمنة الأمريكية علي العالم منذ مابعد الحرب العالمية الثانية ..

ولذلك كانت إيران والشرق الأوسط مجالاً حيوياً لمعارك هذا القرن التي تخوضها الولايات المتحدة الأمريكية كمعارك أخيرة تواجه فيها تحدي فقدان هيمنتها علي العالم ..

كل الأحداث الدولية والإقليمية التي تحتدم في اللحظة الراهنة من عمر البشرية .. يمكن قراءتها من وجهة نظري (كشخص متواضع الحال يفتقر إلي كثير من العلم والمعرفة) في سياق مركزي هو (معركة القرن) ..

ومعركة القرن هي تلك المعركة التي بدأت الولايات المتحدة الأمريكية تخوضها بشراسة واستماتة للدفاع عن الهيمنة

هي معركة الدفاع عن الحلم الإمبراطوري الذي أطلقه توماس جيفرسون (1743 – 1826) والذي اقتربت منه كثيراً بعد الحرب العالمية الثانية عندما قامت بإزاحة الأمبراطوريات الإستعمارية التقليدية عن صدارة المركز الإستعماري لترث هي تلك الصدارة وتسيطر علي مقاليد الإقتصاد العالمي وعلي مراكز الطاقة في العالم وعلي أعصابه الجيوسياسية وشرايينه الناقلة للتجارة ..

الولايات المتحدة دخلت هذا القرن وهي تعتقد أنها قد أزالت آثار هزيمتها في حرب فيتنام ، وحروب التحرير الوطنية التي ظهرت في أمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا وذلك عبر، إعلانها لنفسها كمنتصرة في حرب إنهاء وتفكيك الإتحاد السوفيتي ومنظومة ماسمي بالدول الإشتراكية .. وتفرغها لإنجاز "التكيف الهيكلي" التي كانت تظن أنها ستضع اقتصاديات وموارد ومقدرات العالم كله في سلة الهيمنة الأمريكية ، ولكنها لم تكن تحسب حساب نهوض المراكز العميقة للإتحاد السوفيتي ممثلة في روسيا البوتينية ، وكان النجاح الروسي في الحصول علي القرم ، نقطة تحول تؤكد قيامة الدب الروسي ..

ودخوله شريكاً أساسياً في مجموعة من التكتلات الإقتصادية الدولية علي رأسها (البريكس) ، ومناسبة البريكس فضرب تجربة حكم اليسار للبرازيل وإزاحته ليس بعيداً عن مسعي ضرب فعالية البريكس

الدب الروسي حقق بعض القفزات التي لايمكن تجاهلها منذ أن نجح في ضم القرم ، ونجح أيضاً من الإفلات ولو بشكل جزئي من الحصار الأوربي الأمريكي ، وهاهو الان قوة لايستهان بها في واقع العلاقات الدولية ..

وهاهي الولايات الأمريكية لاتهدأ عن حصاره تارة ، وتارة أخري لاتجد بداً من محاولة احتوائه ومحاولة تجنب قيام تحالف استراتيجي بينه وبين الصين وخاصة، فيما يتعلق بانخراطه في مشروع الطريق والحزام ..

نحن أمام هذا السياق إذن
سياق مواجهة مشروع الطريق والحزام .. الذي إذا مااجتاز تلك التحديات وتم انجاح تحققه فإنه سيعني انسلاخ كامل أوربا - ربما فيما عدا بريطانيا - عن مظلة الحماية الأمريكية ..

(هناك بوادر يمكن، تلمسها في حالة ألمانيا التي لاتتخذ نفس مواقف واشنطن تجاه موسكو وبكين وطهران) ..

وسيعني أيضاً أن هناك آفاق محررة لإمكانات النهوض في قارة أفريقيا

بكين سددت أخطر الضربات في معركة القرن بخروجها المحسوب من عزلتها الإختيارية ، وإعلانها للطريق والحزام ، والولايات المتحدة ترد في مسارات متوزاية ومتنوعة أشرنا إليها ..

المعركة ليست معركة ترامب كما يظن البعض ، بل المعركة هي معركة المراكز العميقة للولايات المتحدة الأمريكية ، وما ترامب إلا رجلاً قد اختارته طبيعة المرحلة التي تعيشها الولايات المتحدة الأمريكية .. معركة قوة عظمي وجدت نفسها بعد سلسلة من حروب الهيمنة تواجه لأول مرة حقيقية احتمال أفول تلك الهيمنة قبل اكتمال هذا القرن ..