هل باستطاعتنا صنع الفرح ؟

عبد اللطيف بن سالم
2019 / 5 / 29


صناعة الفرح تعتبر من الصناعات النادرة جدا في هذا العصر فلقد دأب العالم منذ زمن طويل على صناعة الحزن والكآبة عوضا عن صناعة الفرح وقد صار الناس فيه جميعا متشابهين من حيث المشاكل والصعوبات التي يتعرضون لها أو يقعون فيها سواء كانوا فقراء أو أغنياء وربما كانت مشاكل الأغنياء أكثر تعقيدا وأكثر ضغطا عليهم من مشاكل الفقراء وذلك لأسباب عديدة تربوية وأخلاقية واجتماعية يصعب حصرها ولكن يمكن تلخيصها في أن الفقراء أكثر تدربا على الصبر واللامبالاة بما يحدث لهم في هذه الحياة من الأغنياء ولم يقفوا كثيرا في وجه ما يفتن المال والذهب وما يتبعهما من المغريات وأنهم من جهة أخرى ليسوا مشاركين مباشرين في الدورة الاقتصادية لأنهم في الغالب مستهلكون أكثر منهم منتجون لذلك فإنهم ليسو داخلين في دائرة السباق بكل ما فيها من تنافس و شقاق ونفاق وإنما فقط تقع عليهم تبعاتُها أما الأغنياء فإنهم في خضم المعركة بكل أبعادها هذه المعركة التي اتسعت رقعتها وتضخمت رحاها حتى أخذت بأطراف العالم كله وأصبحت بالفعل "حرب الكل ضد الكل" التي أعلن عنها هوبز المفكر الأنقليزى منذ زمان وأن ضحاياها ليسوا فقط هؤلاء الذين يموتون ويُدفنون وإنما في الأغلب هم الباقون الذين لا يزالون أحياء يُعانون. ولا ننسى في هذه المعركة أو الحرب أن هموم الكبار فيها تنتقل إلى الصغار بفعل عامل الوراثة المتحكم فينا وما دمنا نعيش نفس هذه ظروف ، وإن معاناة الأغنياء فيها تنعكس على الفقراء وتزيد في معاناتهم هم أيضا وفي همومهم وهكذا فإن الأحوال المكفهرة في العالم تكتنف الجميع وكل ضغط ينتج عنه ضغط والضغط يولّد الانفجار والانفجار يُشعل النار وهكذا نجد أنفسنا أمام خراب ودمار فهل بقى لنا رغم كل هذا من أمل في وسيلة للفرح ؟
لقد تعددت بالفعل الوسائل والأدوات و الآليات المختلفة التي قد صُنعت لهذا الغرض وقصد الترفيه عن الناس ولست أنا أول من فكر في هذا الموضوع ليخرج للناس بنوع من الحل ولكنّ معظم هذه الوسائل والآليات والمسارح والمهرجانات وما يتبعها من أدوات قد وُظفت هي أيضا للسوق ودخلت في عالم المزايدات والمتاجرات وبعد أن كانت وسائل للهو والترفيه صارت بخلاف ذلك مدعاة للسأم فما العمل إذا؟ هل لا بد من الاستسلام لليأس والفشل أم أنه لا بد من تذكر قول المسعدي والعمل به : لا,لا, للفشل (ما دام الجد, مادام الجهد, أنا الإنسان , وشرف الإنسان في المحاولة )
أجل لا سبيل لليأس إلى نفوسنا ولا بد من البحث عما يسعدنا.
أليس المخ هو أصل كل أحاسيسنا وسلوكنا كما يقول العلماء؟ فلماذا إذا لا نمسك بهذا المخ ونتدبر معه أمرنا ؟
أليست عناية ما بهذا المخ من حيث هو كائن حي وعناية ما بهذا المخ من حيث هو في علاقة ماسة ودائمة بالمحيط الطبيعي والاجتماعي والثقافي الذي هو فيه يمكن أن تساعدنا على إيجاد الحل الذي نرتضيه ويضعنا على الطريق الصحيحة إلى غايتنا ؟ كيف ذلك ؟
لا أحد ينكر أن كل المؤسسات التعليمية والتثقيفية والاقتصادية والاجتماعية بكل أشكالها وألوانها تعمل في هذا الاتجاه أيضا ولكن بدون تركيز مقصود علي المخ هذا باعتباره العضو المهم في الإنسان والذي هو المسؤول الأول والأخير على جميع تصرفاته و سلوكاته وما يلقاه في هذه الحياة من خير أو شر وما يتحقق له من سعادة أو شقاء ؟ وإنما هي (هذه المؤسسات ) تعمل على تعليمه و تثقيفه والأخذ بيده ومساعدته في السراء والضراء قصد تهذيبه والارتقاء به وبإنسانيته في مختلف أبعادها دون استهداف خاص لهذا العضو المتميز فيه للعناية به العناية اللاّزمة والضرورية .
لكن هذا المخ أو ما يُعرف لدينا أيضا بالجهاز العصبي وبما هو العضو الهام في جسم الإنسان والمحرّك لجميع هذه العمليات ومصدر نشاطها أو خمولها والمتسبب الرئيسي في نجاحها أو فشلها ،أليس هو في حاجة منا إلى عناية خاصة لتطويره أكثر ما يمكن من التطوير لأن في تطويره هو تطويرا لكل هذه العمليات و المؤسسات إلى أفضل ما يمكن من المستويات ونحن في هذه العناية المركزة علي هذا العضو يمكننا أن نوظف العلم مع الفلسفة في عملية إجرائية نتوقع لها كل نجاح .
بماذا نحن نفكر ؟ وكيف نفكر ؟ وإلى أيّ مدى يمكن أن نثق في صحة وسلامة تفكيرنا ؟ وهل لدينا الأدوات اللازمة والضرورية من ( منطق ) تجريبي أو استنتاجي نضمن به سلامة النتائج ؟ تلك هي المسألة ؟
لا شك أن المخ هذا هو الذي نفكر به أما الكيفية التي بها نفكر هي ما يُعرف لدى الجميع بالعقلية السائدة التي اكتسبناها من المحيط . فتفسيرٌ علمي للمخ من حيث هو عضو ووظيفة في نفس الوقت يساعد الفلسفة على فهم العقلية من حيث مأتاها ومنتهاها بالتعرّف الجيد على هذا المحيط وبالتالي نجد أنفسنا في حالة تعاون مثمر وفعال في ما بين العلم والفلسفة وفي هذا ما يؤكد بالفعل قيمة الفلسفة في بعدها العملي كما تظهر أيضا قيمتها في علاقتها ب "اليومي" المعيشي في تفاعله مع العلمي .
لكن هذا العضو في ما يبدو ليس بإمكانه على الإطلاق أن يقوم بوظيفته تلك إلا في ظروف معينة يحددها العالم الخارجي المتفاعل معه على الدوام و المتبادل معه التأثير إيجابا وسلبا وهكذا تكون "العقلية" الناتجة عنهما هي في الحقيقة ابنة بيئتها كما يقال عادة ، وبالتالي فنوعية الظروف المعيشة بكل أبعادها هي التي تصنع نوعية العقليات وتوجه المخ في نوعية ما من التفكير وإلا لما اختلفت عقلية العربي مثلا عن عقلية الياباني وعقلية الأوروبي عن عقلية الآسيوي أو الأمريكي ولما وجدنا أنفسنا أمام تنوع غريب من العقليات ومستويات التفكير التابعة لها .
"المخ والمخيخ والنخاع الشوكى" ذلك ما يسمى ب"الجملة العصبية"أو الجهاز العصبي وذلك هو المسؤول عن كل تحركاتنا وتصرفاتنا و الذي يقوم بمهمة التفكير و التدبير التي نعيش بها في حياتنا بدليل أن أي عطب أو خلل يصيبه يتسبب لصاحبه في اضطرابات في السلوك وفي الشخصية بكاملها تختلف في أعراضها ومظاهرها باختلاف نوعية ذلك الخلل مثل ما يُعرف لدى العلماء ب"الذهان" أو "العصاب" ، والخوف و الاكتئاب والانطواء على النفس والتوحّد والاستسلام لليأس وغيرها من الاضطرابات.
لكن هذا "العضو-الجهاز" يبقي عاطلا صامتا لا حراك به ما لم تشارك في نهضته وتحريكه الظروف الخارجية بكل عناصرها المناخية و الاجتماعية والاقتصادية وغيرها...
النطق أو الكلام وكل ما يُفكر فيه الإنسان هو من صنع هذا اللقاح الذي يتم بين الداخلي والخارجي أي بين هذا العضو "الحي" والمحيط البيو- ثقافي الذي هو فيه. إن كل ما نعرفه أو نفكر فيه وما نعيه أو (لا نعيه) هو مكتسب ناتج عن هذا اللقاح الطبيعي ومتواتر عنه على مر الزمن وان ما نكتسبه هو ما نورثه إلى من يأتي بعدنا وإذا ما حدثت تغيرات في الظروف حدثت معها تغيرات في الوظيفة وفي المكتسبات وهكذا يكون التطور وهكذا هي مسيرة الإنسان منذ أن ظهر على وجه هذه البسيطة حتى الآن.
فإذا شئنا لهذا الإنسان أن يعيش مرتاح البال ومتفائلا ولم لا سعيدا أيضا عملنا جميعا على تغيير ظروفه دائما إلى الأحسن وتغيير طرق عيشه وأساليب تربيته وتنشئته من البداية إلى النهاية بحيث يأخذ الحياة منذ الصغر كما جاءته على أنها كذلك لا محالة وأنه قدرنا أن نعيش على سطح هذه الأرض وأن نتعامل مع ما فيها ومن فيها بكل رضي وثقة في النفس وبكل ما يجب أن يكون لنا من الاستعداد للمواجهة كلما اقتضى الأمر ذلك . إن موقفنا من الحياة والأحياء هو وحده الذي يساعدنا على الاستمرار فيها والفرح بها أو بالعكس من ذلك كرهها والتنكر لها وربما أيضا التفكير في مغادرتها والتفريط فيها بأي شكل من الأشكال. يقول تشلر أحد الشعراء والمفكرين الألمان : "الهم لا شئ وإنما يصير شيئا إذا فكرنا فيه" لكن هل بإمكاننا أن لا نفكر ، ليس بإمكاننا ذلك أبدا إلا إذا كنا بشرا غير أسوياء لان الإنسان "حيوان ناطق"كما يقول أرسطو أي مفكر ولكن يمكن أن نوجه تفكيرنا هذا فيما يجب أن نفكر فيه بالفعل وفي كيفية التفكير فيه وهذه هي المسألة التي دعت أرسطو لان يضع علم المنطق في كتاب سماه L’organon »" أي الآلة وقصد به العلم الذي يعصم الإنسان من الوقوع في الخطإ وهو علم لا يزال نافعا ومعمولا به إلى حد الآن وذلك في مستوى التفكير العام أما حينما يتعلق الأمر بالعلوم الخاصة والصحيحة منها بالخصوص فإن ما يُعرف بالمنطق التجريبي الذي أشار إليه أرسطو ولم يتعمق فيه كثيرا لكنه قد تطور كثيرا بعده مع تطور العلوم إذ يكاد يكون اليوم لكل علم منطقه أي طريقته خصوصا منذ أن ظهرت هذه الآلات المتطورة التي ساعدت على تطوير تقنيات البحث في جميع هذه العلوم وبالتالي فإننا مطالبون اليوم أكثر من أي وقت مضى أن نراجع أنفسنا ونراجع عقلياتنا ونتفحص جيدا أدوات بحثنا ونعمل على تطويرها بقدر ما نستطيع وهذا هو موضوع "التربية الفكرية الجديدة أو التربية الفلسفية" التي يجب أن نصبو إليها لأننا صرنا في أشد الحاجة إليها هذه الأيام للتحرر من الضغوط النفسية التي نُصاب بها و مشاعر الإحباط التي لا تنفك تراودنا كلما تأملنا في ما يجرى في العالم من حولنا ونحن لا نزال واقفين في مكاننا.
أساس هذه " الفلسفة التربوية" هو تعويد أجيالنا الحالية و القادمة على حب الحياة والتحلي بالصبر والتشبع دائما بالأمل الكبير في أن يكون المستقبل أفضل من حاضرنا ولا يمكن أن يتحقق لنا ذلك إلا بحبنا لبعضنا بعض لأنه بذلك وحده يمكن أن نتغلب على جميع المشاكل و الصعوبات وإنه بذلك وحده يمكننا أن نفكر في الحياة وفي المستقبل بطريقة أفضل ، بطريقة تجعلنا ننوي خيرا ونلقى دائما خيرا لان حبك للناس يجعل الناس يحبونك وحب الناس إليك يجعلك تحب نفسك وتثق بها وتعول عليها وإذا ما رضيت يوما على نفسك وأحببتها بحق فقد صنعت الفرح لك ولغيرك.
عندئذ فقط يكون تفكيرنا قويا وتكون شخصيّتنا كالحصن المنيع ضد كل الضغوطات والصعوبات .

فكر في الفرح تفرح وفكر في الألم تتألم، وكما تكون يولى عليك.
ومن هنا نستنتج أمرا مهما ومتأكدا وهو أن الذين يكرهون الناس ويظلمونهم أو يقهرونهم أو يمثلون بهم إذا وقعوا في أيديهم أو حتى يُهينونهم أو يعتدون عليهم بأي شكل من أشكال الظلم والاعتداء هم أناس بالفعل يكرهون أنفسهم قبل أن يكرهوا أحدا وهم قد مروا بأزمات كره الغير لهم واعتدائه عليهم ولهذا السبب ذاته نجد في الحرب المرتزقة هم دائما في طليعة الجيش أي في المقدمة لأنهم في الغالب"لقطاء" لا أصل لهم ولا موطن أو مرجع، يكرهون غيرهم كرها قويا كما هم يكرهون أنفسهم لذلك فأنهم سيضربون بشدة كل من يلاقونهم لأنهم وهم يحاربون غيرهم في الحقيقة هم يحاربون أنفسهم . كان "فريدريك نيتشة" يعاني الأمرين من أمه عندما كان صغيرا كما ذكر هو نفسه في بعض اعترافاته فنشأ يكره الناس عندما صار كبيرا ويكره جميع أعرافهم وتقاليدهم وحتى دياناتهم. أما هتلر فقد كان في طفولته من أبناء الشوارع يتسكع في أحياء وساحات مدن النمسا قبل أن تبلغه الدعوة إلى الخدمة العسكرية ببلاده ألمانيا التي أصبح فيها عنيدا متجبرا يكره الناس جميعا أيضا ولا ينزع إلا إلى السيطرة عليهم أو احتقاره لهم أما بوش الابن فلعله كان يحب القردة التي في مزرعته بتكساس أكثر مما كان يحب نفسه أو يحب الناس لأنه كان أيضا قد منى بفشل ذريع في طفولته أراد أن يُعوض عنه في كبره بفرض إرادته على جميع الناس في بلده وخارجها ، وهكذا فإننا إذا أردنا خيرا بهذه الإنسانية وعزمنا علي إنقاذها من الهوة التي تتردى فيها غالبا ، هوة الحقد والكراهية والمظالم المتعاقبة من بعضها لبعض لا بد من إعادة النظر في طريقة تربية أبنائها على "الحب" حب أنفسهم وحبهم لغيرهم وحب الغير لهم حتى يمكنهم أن يفرحوا ويستديموا الفرح بينهم.
كيف يمكن تحقيق ذلك؟
يمكن تحقيق ذلك مبدئيا بتنمية خاصة للمخ العضو الجهاز الذي نعتمد عليه في جميع تصرفاتنا.
نحن نعلم أن كل عضو في الإنسان كما هو في غيره من الكائنات الحية الأخرى وكما هو مؤكد لدى جميع العلماء اليوم، يقوى بالاستعمال ويضعف أو يزول بالإهمال فلا بد إذا أن نُخضع هذا العضو الجهاز إلى تدريبات خاصة جدا منذ الصغر تساعده على النمو السريع المتكامل في ما بينه وبين أعضاء الجسم الباقية وذلك بكل ما يتوفر لنا من معرفة وجهد . ألم يتدخل الإنسان في إحداث التغييرات النوعية في كثير من الخضر والغلال والدواجن وغيرها من الحيوانات الأخرى ونجح في ذلك أيما نجاح ؟ فلم لا يتدخل الآن في نوعه فيوجّهه في ما ينفعه ويسره ويصل به إلي شاطئ الآمان؟ هل سننتظر ذلك من الاستنساخ؟ أبدا لا يمكن أن نحصل على ما نريده من الاستنساخ لأن الاستنساخ يكرر الموجود ولا يغير من نوعه ونحن نريد تجاوز الموجود بالتغيير في نوعه وحفظ البقاء للأفضل والأصلح منه مادة ومعنى هذا الأمر في غاية الأهمية وفي غاية الخطورة أيضا إنه في غاية الأهمية إذا حسُنت النوايا وقمنا به فقط من أـجل أهداف إنسانية وهو في غاية الخطورة إذا ساءت النوايا وقمنا به فقط من أجل تحقيق أغراض تجارية لأن "السوق" اليوم لا ترحم، إنها كالبحر الجائع الذي يريد أن يبتلع في جوفه كل المنتوجات البشرية، إنها سوق العولمة والكونية ، سوق الجبروت والهمجية.
انه كما يحتاج هذا العضو إلى تغذية علمية خاصة جدا ومدروسة جدا كي يستطيع القيام بوظيفته أحسن قيام وينهض بأعباء مسؤوليته على أحسن ما يرام ليتحقق منه الهدف المنشود، يحتاج في المقابل وبالتوازي المحيط الخارجي أو (العقلية) إلى تحوير متكافئ بوسائل علمية خاصة جدا ومدروسة جدا حتى تتلاءم وتتناغم مع الذي هو مطلوب منهما معا الارتقاء بالعقل والعقلية في طريق حب الآخرين وحب الذات معا وحب الآخرين هو من حب الإنسان لذاته وتتم المصالحة الجريئة بين الذات والموضوع الذين هما لو تأملنا قليلا وجهان لشئ واحد هو "الإنسان" الذي لم نعد نريده" شيئا "بقدر ما نريده إنسانا متميزا بالفعل عن كل الكائنات والأشياء ، إنسانا جديدا مختلفا عن كل إنسان وجد حتى الآن وهذا ليس بحلم يصعب تحقيقه على أرض الواقع ، يكفي فقط أن تتعلق همتنا به حتى يصير واقعا ملموسا وفي أقرب الأوقات وذلك بتعاون المؤسسات المسئولة عن التربية والتعليم مع أصحاب الاختصاص الأكفاء والفلاسفة والعلماء...
إن إحداث التغيرات النوعية في الكائنات الحية- بما فيها البشرية – لهو اليوم أسهل وأسرع مما كنا نتصور كونه في الماضي لأن هذه التغيرات في الماضي كانت تحصل ببُطإ شديد وعبر تاريخ طويل لأنها كانت فقط رهينة بحركة الطبيعة وفعل الزمان فيها لوحدها وما يتوفران عليه من عاملي الصراع من أجل البقاء وعامل الانتقاء. أما اليوم فقد صار بإمكان هذا الإنسان ذاته التدخلُ في عملية التغيير هذه وتسريعها والتدخل حتى في عاملي الصراع والانتقاء ذاتهما وذلك بفضل ما صار له من علم ودراية بحركة الطبيعة هذه وبفضل ما صار له من قدرة على مساعدتها وتوجيهها أو حتى الدفع بها خارج الزمان والمكان . ألم يعد الإنسان اليوم بإمكانه أن يتمرد على قانون الجاذبية ويخترق الأجواء؟ فلم لا يتمرد الآن على قانون النسبية ويتدخل في تأهيل الإنسان إلى الإنسان الأرقى والأفضل الذي تطمح إلى تحقيقه كل البشرية ؟ حتى "الانتقاء الطبيعي" لم يعد يعمل وحده وإلا لما رأينا بلدا كتونس مثلا الذي كان فيه حوالي ثلاثة ملايين نسمة فقط طيلة القرون الماضية قد صار يضم الآن أكثر من عشرة ملايين في ظرف بضعة العقود الأخيرة فقط من الزمن . إنه لم يحدث ذلك في هذه المدة القصيرة لولا تدخل "اليد العاملة" التونسية الحديثة من السياسيين والأطباء والعلماء والمثقفين وغيرهم من الصّناع والمبدعين...
أليس الوجود سابقا على الماهية كما ترون ؟ وإنه لوجود متغير على الدوام وليس بالتالي لماهيته من حدود لا في الزمان ولا في المكان ولا في الأشكال ولا في الألوان ؟ وما دام سرّ هذا الوجود في التغير المستمر وعدم الثبات لماذا لا تكون لنا فلسفة جديدة مجهزة بالعلم لنرقى بالإنسان ؟ أليس هو ذا اللقاء الذي كان يطمح إليه كل منهما حتى لا يجن العلم كما قد يحدث له أحيانا في العالم الغربي وحتى لا تضيع الفلسفة كما قد يحدث لها أحيانا في العالم الشرقي؟