موقف المثقف مسؤولية تاريخية

طه رشيد
2019 / 5 / 21

لم تمر في العراق فترة مظلمة، اشد حلكة، من تلك التي تسلّمَ فيها حزب البعث السلطة بمرحلتيه، الاولى في ٦٣ والثانية بعد ١٩٦٨. وخاصة في الوضع الثقافي العام، حيث حاول حكم البعث ان يدجّن المواطن ويسلب منه روحية الاعتراض، فهو " بعثي وإن لم ينتم!".
وشمل هذا " التدجين " المثقف وحوله إلى شيطان اخرس!
واستطاع النظام أن يحذف من قاموس المثقف، هذا، مفردة "النقد" او "الاعتراض". فلا يمكن لكل "ضمادات" التطبيب أن تعالج الجرح الغائر في جسد الحركة الثقافية، التي تحولت إلى طفل معوق في ظل ذلك النظام!
اعتقل الكاتب الراحل عبد الستار ناصر في مطلع سبعينيات القرن الماضي بسبب نشره قصة " سيدنا الخليفة"، اي انه اعتقل بسبب عمل أدبي وليس بسبب بيان أو منشور سياسي، فما هو موقف اتحاد الادباء آنذاك؟ واي من المثقفين العراقيين أصدر أو وقع أو ناقش قضية اعتقاله ورافضا لها؟! ولكن للتاريخ لا بد ان نذكر حادثة مرتبطة بهذا الاعتقال:
كانت مقهى " البرلمان " في شارع الرشيد محط استراحة ولقاء المثقفين، يجلس في جانب منها البعثيون وهم يلعبون الدومينو، وجانب اخر للشيوعيين واليساريين، أما ان يلعبوا الشطرنج أو يقرؤوا صحفهم مثل طريق الشعب والفكر الجديد . دخلت امرأة، ترتدي السواد، المقهى وارعدت وشتمت و"بهذلت" الجالسين، وعرفت فيما بعد بأنها الكاتبة بثينة الناصري زوجة عبد الستار ناصر! ولم ار ولم اسمع بعد ذلك، باية حادثة فيها هذا النوع من الاحتجاج!
لم يصدر حينها اتحاد الادباء او اي تجمع بيانا يرفض فيه اعتقال عبد الستار ناصر باستثناء الادباء المغتربين، وكانوا على عد الاصابع انذاك، وبينهم د. حسين الهنداوي، فقد شنوا حملة في اوروبا من أجل إطلاق سراحه. وهذا مثبت في بيان نشر في إحدى إعداد مجلة أصوات التي كان يرأس تحريرها الهنداوي.

ولاحقا وبعد الهجمة الشرسة التي قادها حكم البعث ضد الحركة الوطنية ترك عدد كبير من المثقفين الوطن وتوزعوا في الشتات. وجرت اغتيالات عديدة لهؤلاء المثقفين العراقيين في الخارج، ونذكر منهم الاستاذ الجامعي توفيق رشدي الذي اغتيل في اليمن الجنوبي. وشاب موسيقي اسمه عبدالله اغتيل في بيروت، وجرت محاولة لاعتقال بعض الأسماء ونقلهم للعراق ولكنها باءت بالفشل.
فمن، يا ترى احتج من المثقفين البعثيين عن تلك الحوادث؟!
وفي تلك الفترة المظلمة اغتيل الكاتب عزيز سيد جاسم ، فكيف كان موقف اتحاد الادباء أو من يدعي انتسابه له؟!
واغتيل شفيق الكمالي وهو شاعر قبل أن يكون سياسيا فمن اعترض؟!
اعتقل الفنانون دريد ابراهيم وعبد الحسن سميسم وماهر كاظم وسامي العتابي والمغني صباح السهل وتم تصفيتهم في منتصف الثمانينات فمن احتج؟!
ربما يتحجج البعض بأنه، لا يعرف بهذه الحوادث، في حينها، لأنها تجري بشكل سري. طيب .. ولكن هجرة المئات من الادباء والفنانين والصحفيين في نهاية السبعينيات ومطلع الثمانينيات ومنع تداول أسمائهم وعناوين كتبهم، إلا يثير الأسئلة لدن المثقف البعثي؟!!
كيف يريدون أن يحرروا فلسطين قبل ان يحرروا انفسهم من كوابيس الفترة المظلمة؟!
وكيف يستطيعون أن يحررونا من المحتل وهم ما زالوا يتغزلون باسم سفاح لا ترمش له شعرة جفن حتى لو قتل عشرة آلاف مواطن!
كيف؟!