الحكمة في صياغة كثير من الآيات في قالب مجازي من التشبيهات ورموز واستعارات يحيطها الغموض في الكتب السماوية! (2)

راندا شوقى الحمامصى
2019 / 5 / 15

هاقد طلع الصباح وانتهينا من لقاء طلعته بالامنيات والآمال تحدونا وتسبقنا ويبدأ كل انسان عمله ثم ينتهي منه إلى لقاء تلك الفترة الطويلة التي تمد امامه قدراً لايستهان به من الوقت لتحصيل مايكفل له الاعتدال والاتزان ذلك باعطاء الروح والعقل مايشبعهما.
إذا كانت الغفلة قد انتقلت من توارث ماوضعه(الجهل القديم) وتناقلت إلى شمل الاجيال المتعاقبة فقد ارجعنا ذلك-من بعض نواحيه-إلى صغر السن وعدم المقدرة على التمييز بين خطأ الامور وصوابها في تلك السن المبكرة وهذه جناية الجهل القديم على ضحايا من الغافلين القدماء.
لننتقل إلى الاجابة على السؤال الاخير الذي يستهدف معرفة الحكمة في صياغة الكثير من آيات السماء في ذلك الاسلوب المجازي المغلف بالكنايات:
بديهي أنه من العسير جداً بل ومن المحال أن تحاول شرح أحد الاجهزة اللاسلكية أو العقل الالكتروني مثلاً أو أي نموذج من أحدث الابتكارات لسكان المجاهل والغابات أو الذين لايعرفون من أمور الحياه إلا ماهم عليه من معلومات بدائية فجة ومفاهيم محدودة ضيقة الآفاق إلا إذا اصطفيت نخبة أقل من القليل وجعلت تلقّنهم العلم والمعرفة من المبدأ ومن المنبع. هذا مافعله كل رسول من أقرب الأقربين من خاصته فقط
أما الغالبية العظمى فإنهم لايدركون حقائق مايحيط بهم من أشياء إلا عن طريق الحواس الجسدية فكيف يمكن أن يوصف لهؤلاء عالماً وهو عالم الروح لا وجود فيه للحواس الجسدية بل كله معنويات تحيط بالمشاعر ويدركها العقل المجرد والأفق الواسع القدير على الاستيعاب، إلا أن الرسل قد اكدوا بعبارات لاتقبل الشك ضرورة حدوث أمور معينة وذلك باستخدام اللغة والكيفية الوحيدة التي تصلح لتصوير هذه الامور للعقل المحدود تلك هي لغة الرموز والتشبيهات، فلقد رسموا صوراً بدائية جداً في أول الامر لتساير العقل البشري في تلك المرحلة من مراحل اطواره وتطوره من قبيل الجنة والنار.
فالحريق والبكاء وصرير الاسنان والعذاب من ناحية والحدائق الغناء والخمر والذهب والحوريات من ناحية اخرى. وهذا هو الاسلوب العبقري في تصوير المعاني للاذهان وأن البشر بطبيعتهم لايحبون العذاب ولا النار ولا البؤس بل يهيمون حباً بالجلوس في أماكن محاطة بوسائل الراحة والجمال والتكريم والتمتع والتنقل بين اسباب الرفاهية. وانه رغم تباين عبارات وتعدد التشبيهات المختلفة التي استخدمها الرسل فان الرسالة مع الصورة للناس كانت واحدة لاتتغير في مضمونها، فانت إما ان تكافأ أو تجازى لدى مثولك بين يدي الله في العالم الاخر عالم الروح والخلود بعد الوفاة وينظر الكثير من الناس إلى هذه التعبيرات على أنها مجرد وعظ وارشاد وأنها لاتخرج في اهدافها عن نطاق النصائح ولم يدر في خلد احد منهم أن يسأل نفسه عما إذا كانت هذه المعنيات التي تهدف اليها الرسل والانبياء من وراء تلك الرموز والارشادات ليست مبنية على قوانين وقواعد ثابته شاملة لاتتغير كما هو الحال تماماً في عالم المادة والملموسات. أن الثواب والعقاب أو المكافأة والجزاء هما بدون شك الدعامتان اللتان ترتكز عليهما الحياة جميعا سواء في صورتها المادية الحسية أو الروحية بمشاعرها المعنوية فالحيوانات بما في ذلك الانسان لها من الفطنة مايمكنها من معرفة القوانين الطبيعية للحياة التي تنتظمها ولا من قوة الادراك مايجعلها تعرف تماماً أن في مخالفة تلك القوانين ايذاء لها وأن في اتباعها وطاعتها للقوانين صيانه لها وسلامة وأمان. نجد الصبيه الصغار- يعرفون أن الطاعة نتيجتها المكافأة وان عدم الطاعة معناه العقاب أو الحرمان مما يستهويه.
فإذا كانت أمثال هذه التصرفات تصدرمن المخلوقات البسيطة المحدودة الفكر والادراك وتدل معرفتها الاكيده بأن الانقياد للتعاليم واطاعتها تجلب الراحة والرضى وأن العكس يؤدي إلى الشقاء والتعاسة فإنه أولى بمن رجحت عقولهم ونضج ادراكهم أن يوقنوا بضرورة وجود القوانين التي تنظم الحياة كلها ونتائج العمل بها أو عدمه.
انظر مثلاً إلى نتائج تطبيق القوانين ومعاقبة المجرمين ثم تصور النتائج المريعة لو اننا فتحنا أبواب سجون العالم، أو انظر إلى نتائج صد الوحوش المفترسة عن أن تجوس خلال المدن والقرى ثم تصور النتائج المرعبة لو اننالم نعمل على صدها.
إذا تصورت هذا لامكنك معرفة مدى الفوضى والتخريب واختلال التوازن للانسانية إذا لم تكن هناك قوانين شاملة وعقوبات لمن يخالفها، أو نتائج مخالفة اشارات المرور مثلاً، واترك لعقلك الرحيب بقية تصور المآسي والكوارث التي تترتب عليها حالات المرور دون أن يكون هناك منظّم لها، إذا عرفت هذا ثم ادركت إلى جانبه ان روح الانسان هي كل مايقام له وزن وأن جسمه ماهو إلا وجود مؤقت لفترة قصيرة من الزمن هذا علاوة على أنه قد اتضح لذهنك أن الروح هي مركز الشعور والاحساس، فإنه من مجموع هذه اللمحات السريعة يمكنك أن تطل من أعلا المراتب على ماتدور حوله وتنصب عليه هذه القوانين ونتائجها. ولقد علمنا أن السعي المتواصل الذي تسعاه للحصول على المزيد من المعرفة في نواحيها المتعددة ومنها امثال هذه الدراسات التي تصل إلى اعماق النفس وتطلع الانسان على حقيقته المتشابكة المتفاعلة مع بقية من يحيطون بها كل هذه إنما هي الوان من الاكتساب والتحصيل الذي يهدف إلى ترقيات الروح في عالمنا هذا حتى تصبح على بصيرة بما ستؤل اليه في عالمها، كما وأن هذه الضربات التي تنبض بها قلوبنا وشرايننا المفعمة بالحياة يجب ان تذكرنا على الدوام بأن هذه النبضات عرضة لأن تتوقف سواء في ذلك أن سبق هذا التوقف إنذار أو لم يسبق. فالحياة ينبغي أن ينظر إليها دائماً من ثنايا الوفاة لأن الحياة هي انبات وانماء وازهار أما الثمار والمحصول فيجمع فيما بعد الوفاة، وأن هدفنا من زرع القمح مثلاً ليس لكي يظل اخضراً على اعواده في هذا الحقل فهذا محال ولن يكون بل ان هدفنا ولاشك هو ان نجني محصوله والجني يتم بالانتقال من هذا الحقل إلى مكان آخر فالهدف أولا هو المحصول، ولكي نصل إلى الهدف نزرع هذا الحقل وننمي ونسقي ونتعهد بالزرع وما الزراعة والانماء والتعهد إلا وسائل للوصول بها إلى هدف الحصاد.
والحياة بكل مافيها من تجارب ومحاولات واكتساب وجمال وامال وتمنيات ليست الا عالم الرحم والوفاة هي بدء الحياة الحقيقة التي نولد فيها والوفاة تسير دائما في ركابنا والحد الفاصل بين الحياة والوفاة لايقاس انها مجرد لحظة ولكنها تنتقل بنا من حالة إلى حالة اخرى مغايرة لها تماماً ولارجعة فيها.
ورغم وضوح هذه الحقيقة فإنه قلّما نشغل تفكيرنا بهذا الامر الجلل اللهم إلا إذا حدث مايوجب ذلك من قبيل المرض الشديد مثلاً أو من أنباء الوفيات أو ما الى ذلك ثم نعود بعد ايام طالت أم قصرت إلى مزاولة حياتنا اليومية العادية وننسى أو نتناسى ماكان لدينا منذ ايام على جانب كبير من الاهمية!
ترى هل هذا لون اخر من ألوان الغفلة بانواعها المتعددة؟

وعن معنى الغمام يتفضل:
"...فالمراد من الغمام هنا... تغيير الأحكام وتبديل الشرائع وارتفاع القواعد والرسوم العادية وتقدم المؤمنين من العوام على المعرضين من العلماء. وكذلك يقصد به ظهور ذلك الجمال الأزلي خاضعا للحدودات البشرية، مثل الأكل والشرب، والفقر والغنا، والعزة والذلة، والنوم واليقظة، وأمثال ذلك، مما يثير الشبهة عند الناس ويحجبهم. فكل هذه الحجبات قد عبر عنها بالغمام..."( كتاب الإيقان-ص56)

ونتابع ..........................