يوميات الثورة السودانية.. الحل في البل (١٨)

أحمد موسى قريعي
2019 / 5 / 15

يوميات الثورة السودانية.. الحل في البل (18)
ثورتنا وثورة الكيزان المضادة
أحمد موسى قريعي
عظيم أن يقترب اتفاق الثورة مع المجلس العسكري من نهاياته التي كنا نرجوها، ومن أجلها قدمنا الأنفس والدماء، وتشردنا ونحن في وطننا. لكن هذه النهاية السعيدة للثورة سوف تواجه بأمزجة الثورة المضادة التي تحرص دوما أن تبقينا في مربع الإنقاذ الثلاثيني. لذلك سوف تعمل على إفساد فرحتنا بشتى الطرق المتاحة والمستحيلة، وفي هذه المرة ستأتينا الثورة المضادة من داخل الاتفاق نفسه، سنشاهد في الأيام القادمة واجهات ثورية مزيفة تعمل على شيطنة الاتفاق وتصويره بأنه معيب وناقص وأن قوى الحرية والتغيير قد انبرشت وقدمت تنازلات للمجلس العسكري ما كان ينبغي لها أن تقدمها، وأحاديث من هذا النوع الرخيص. وطبعا غاية هذه الواجهات إفشال الاتفاق وارجاعنا إلى حيث كنا حتى يسهل على ثورة الكيزان المضادة اجهاض ثورتنا، أو تقسيمها إلى واجهات ثورية متعددة كل منها يدعي أنه الثورة الحقيقية.
ينبغي أن نضع في أذهاننا أيها الثوار في هذه المرحلة فقط كيفية إدارة ثورتنا والاستفادة منها، وأن ندرك أن الثورة هي أول الطريق نحو ما نتطلع إليه، وأنها ليست كل الطريق، لكن نحن في مقدورنا أن نجعلها كل الطريق بحسن تصرفنا وتعاملنا معها في هذا الظرف الدقيق والحرج. وأن نحافظ على سلميتنا حتى وإن تشكلت الحكومة المدنية لأن قوى الثورة المضادة في هذه المرحلة ستعمل على جر الثورة وحكومتها المدنية إلى العنف وذلك لإعاقة عملية البناء التي ننشدها.
يجب أن نعيد فهمنا لمعنى الثورة المضادة بشكل أعمق حتى نستطيع التعامل معها بالشكل الذي يناسبها. وعلى هذا الأساس يجب أن نعرف أن "الثورة المضادة" تتضمن معنيين مختلفين من الخطأ أن نخلط بينهما.
المعنى الأول:
ينحصر في بعض مواقف الفئات الاجتماعية لحظة انفجار الثورة، فالفئات المستفيدة من وضع ما قبل الثورة سوف تعارضها وتأخذ مكانها في طابور "الثورة المضادة". أما الفئات المتضررة من الوضع السابق ستقف في خانة الثورة وتدعمها بالجهد والروح والدم، ولا ننسى أن هنالك فئات اجتماعية منا ارتبط ولائها ولقمة عيشها بنظام الكيزان، وهؤلاء أنفسهم منهم من يلتحق بركب الثورة وتحسن "ثورته" ومنهم من يلتزم بولائه للكيزان مهما كلفه الأمر كل حسب استفادته من نظام البشير. والأخطر أن الفئة المستفيدة من النظام قبل الثورة سوف تنجح في التكيف مع الثورة وتحاول الاستفادة منها، الأمر الذي سيصيب الفئات الأكثر دعما للثورة بالخيبة والإحباط وبالتالي تفضل أن تكون خارج نطاق الخدمة الثورية وهنا سنفقد عنصرا ثوريا كنا نحتاج إليه في عملية البناء والتعمير. ولكن هذه الفئات الاجتماعية من قوى الثورة المضادة ستفقد جدواها إن أحسنا الانتقال إلى بند إدارة الثورة بطريقة بعيدة عن الاستقطاب والاستقطاب المضاد.
المعنى الثاني:
يتعلق بعملية اقتسام "غنائم الثورة" إن صح التعبير، أي أن قوى الثورة المضادة تعد نفسها أن تكون جزءا من عملية نجاح الثورة، وتحاول بمختلف الطرق أن تكون ضمن عناصر البناء حتى تستطيع أن تمارس عملية القضاء على الثورة من الداخل. وهنا تسلك الثورة المضادة ثلاثة افتراضات:
الافتراض الأول: أن تجهض الثورة، وتخربها وتقعد على "تلها" وتجعلنا نخرج من العملية الثورية "صفر" اليدين، كل ما نملكه هو أن نحاول إعادة ترتيب صفوفنا من جديد.
الافتراض الثاني: أن تتغير الفئات المستفيدة من "الغنائم الثورية" من دون أن تتغير قواعد "الاقتسام" في عملية احلال وابدال معقدة جدا تعتمد على وسائل معقدة أيضا وماكرة ومخادعة كأن تمتص الثورة المضادة جزءا من العوامل التي أدت إلى انفجار الثورة دون معالجة لأسبابها العميقة، بالإضافة إلى إضفاء الضبابية على المشهد الثوري برمته وإظهاره دوما بأنه بحاجة إلى التبديل والإضافة والحذف وفقا لرغبات الكيزان كأنه "نظام أساسي" للجنة كيزانية صغيرة.
الافتراض الثالث: أن تتغير قواعد توزيع "غنائم الثورة" في المجتمع، وفي هذه الحالة لا يكون أمام قوى الثورة المضادة إلا التعايش مع الوضع الجديد. ولتقريب المسألة بشكل يفهمه الجميع أن "الافتراضين" الأول والثاني هما ما كانت تدفع قوى الثورة المضادة المجلس العسكري لتحقيقهما أو تحقيق أحدهما لذك كنا نرى المجلس يتماطل ويصر على مشاركة القوى المعادية للثورة بالمشاركة فيها. وهذا ما قطعته قوى إعلان الحرية والتغيير في الجولة الجديدة من التفاوض بالافتراض الثالث عندما أصرت على تغيير قواعد توزيع المشاركة في الفترة الانتقالية، وهنا يجب ألا يؤاخذني القراء على مصطلح "اقتسام غنائم" الثورة، لأنني لم استخدمه إلا لأكون قريبا من أدبيات الكيزان.
يجب ألا يغيب عن أذهاننا أن "الثورة المضادة" ليست حالة واحدة بل أوضاع كثيرة ومتغيرة وفقا لمراحل صراعها مع الثورة وقواها الحية، فالثورة المضادة مرتبطة بالثورة حتى تكاد تطابقها، وقد تكون انقلابا سياسيا مضاد للثورة، وقد تكون جزءا من مستقبلنا الثوري لفترة ربما تستهلك كل الفترة الانتقالية وتزيد لأنها في الحقيقة فعل مضاد لحركة التقدم التاريخي . والحل الوحيد لمجابهتها والتعامل معها هو انجاز أهداف الثورة كاملة وغير منقوصة أو مبتورة أو مزايد عليها.
قد تتحرك الثورة المضادة إقليميا متأثرة بالأبعاد الدولية، لأن الكيزان كانت لهم ارتباطات مشبوهة مع كثير من الأنظمة والجماعات الارهابية، ولهم تبعية مع دول بعينها ربما تلجأ إليها للتشويش على الثورة وإعاقة علاقاتها الخارجية بمحيطها الإقليمي والدولي.

(لابد من فعل ثوري يعيد الأمور إلى وضعها الطبيعي)

Elabas1977@gmail.com