العلاقات الدولية والنزعة الكسمبولوتية

لطفي حاتم
2019 / 5 / 15

العلاقات الدولية والنزعة الكسموبولوتية

تتميز العلاقات الدولية الراهنة بكثرة من السمات الاقتصادية والسياسية أهمها محاولة الولايات المتحدة بناء شرعية دولية جديدة ترتكز على التبعية والهيمنة والتهميش وبهذا المسار تنهض امام دول العالم تناقضات جديدة افرزتها السياسة الأمريكية في الطور المعولم من التوسع الرأسمالي.
قبل الخوض في بعض الموضوعات السياسية الشائكة لابد من الإشارة الى ان العلاقات الدولية الراهنة تستند الى عالمية أسلوب الإنتاج الرأسمالي وما ينتجه من تحكم قوانين المنافسة الاقتصادية – والهيمنة السياسية بين الدول الرأسمالية المعولمة وطوابقها الثلاث.
-- تتمثل الطوابق الثلاث بدول الرأسمالية المعولمة أولا والدول المتطورة رأسماليا ثانيا وأخرهم الدول الوطنية. وبهذا المعنى تتحكم العلاقات الغير متساوية وروح الهيمنة في علاقاتها الدولية.
- الطور المعاصر من العولمة الرأسمالية أضفى سمات جديدة على العلاقات الدولية تتمثل بنشوء تكتلات دولية اقتصادية - سياسية بين الدول الرأسمالية المتقدمة وبين الدول الوطنية على أساس توازن المصالح الوطنية.
-- فرضية نشوء تكتلات سياسية اقتصادية دولية ناتجة عن تنامي النزعات الوطنية المناهضة للتدخلات العسكرية وبين الهيمنة الكسموبولوتية المترابطة والروح الأمريكية العسكرية تشترط السعي لبناء شرعية دولية جديدة جديدة تشترطها وحدانية التطور الرأسمالي مناهضة للنزعة الكسموبولوتية الامريكية الهادفة الى وضع دول العالم تحت هيمنتها العالمية.
--- انتقال العالم من ازدواجية خيار التطور الاجتماعي اشتراكي - رأسمالي الى وحدانية التطور الرأسمالي حمل الكثير من التغيرات السياسية والفكرية على صعيد بناء العلاقات الوطنية والعلاقات الدولية نحاول التعرض الى أهمها-
أولا-- أفضى انهيار خيار التطور الاشتراكي الى سيادة نمط الانتاج الرأسمالي فضلا عن اعتماده نهجا لتطور الدول الوطنية وتشكيلاتها الاجتماعية.
ثانيا- أدى انهيار النموذج الاشتراكي الى تفكك وحدة الكفاح العالمية بمكوناتها الثلاث الدول الاشتراكية حركة التحرر الوطني العالمية والدول الوطنية المناهضة للرأسمالية العالمية.
ثالثا-- أصبحت النزعات الكسموبولوتية الرافضة للمسألتين القومية والوطنية الغطاء الأيديولوجي للرأسمالية الأمريكية المعولمة.
رابعا-- تجاوز الكسموبوليتية الأمريكية للشرعية الدولية من خلال تدخلاتها في شؤون الدول الرأسمالية الكبرى فضلا عن تدخلاتها في نزاعات الدول الوطنية وتشكيلاتها الاجتماعية الوطنية.
خامسا-- تميزت الكسموبولوتية الأمريكية بالتدخلات العسكرية في شؤن الدول الوطنية بهدف اسقاط الأنظمة السياسية ناهيك عن مساندتها للأنظمة الاستبدادية.
سادساً-- رفع الكسوبولوتية الأمريكية قوانينها الوطنية الى مصاف القوانين الدولية مطالبة باعتمادها في العلاقات الدولية.
سابعاً-- نزوع العولمة الأمريكية الى بناء شرعية دولية جديدة ترتكز على القوة العسكرية والتبعية والتهميش والتدخل في الشؤن الوطنية.
ان الملاحظات المشار اليها تشترط التركيز على سمات التغيرات الدولية في الظروف التاريخية المعاصرة والتي اجدها في الرؤى التالية –
-- اعتماد الرأسمالية الامريكية المعولمة نهج التدخلات العسكرية والعقوبات الاقتصادية والعزل السياسي في علاقاتها الدولية مع حلفائها في التحالف الأطلسي والدول الوطنية الاخرى.
- تهميش التشكيلات الطبقية في الدول الوطنية عبر اعتماد - الرأسمالية الأمريكية -على الطبقات الفرعية -- الرأسمالية الكمبورادورية وبعض شرائح الرأسمالية المالية.
-- مناهضة الروح الوطنية وذلك من خلال تشجيعها واحتضانها الأنظمة الديكتاتورية لغرض واصلة قمع المعارضة الوطنية الداخلية المطالبة بحقوقها الديمقراطية.
- ربط الدول الاستبدادية بتحالفات عسكرية بهدف مناهضة الحركات الثورية وعرقلة توجهاتها الهادفة الى بناء انظمة سياسية تعتمد الشرعية الديمقراطية أساسا دستوريا للحكم.
ان التغيرات الدولية التي تحملها الرأسمالية الأمريكية المعولمة تلقي بظلالها على علاقاتها مع حلفائها في الدول الاوربية والدول الوطنية الأخرى والتي نحاول رصدها في الموضوعات التالية --
-- مباركة انحسار الشرعية الديمقراطية للحكم في الدول الرأسمالية الكبرى والتركيز على القوى اليمينية المتطرفة ومحاصرة النزعة الوطنية المرتكزة على الاستقلال والسيادة الوطنية.
-- اضعاف مبدأ السيادة الوطنية من خلال مصادرة القرارات الوطنية وتأكيد الهيمنة الامريكية في السياسة الدولية.
-- مباركة قرارات حلف الأطلسي التدخلية الهادفة الى محاصرة الدول الوطنية الرافضة لميول الهيمنة الامريكية.
-- ربط بعض دول النموذج الاشتراكي السابق بالبنية الأطلسية لغرض منعها من التطور الرأسمالي المستقل وعرقلة علاقاته الدبلوماسية مع الدولة الروسية.
-- مناهضة الوطنية الروسية باعتبارها الخصم الدولي للسياسة الأمريكية ومنعها من القيام بدورها الدولي الهادف الى محاربة الهيمنة الأمريكية والتيارات السلفية الإرهابية.
-- ربط بعض الدول الوطنية أو تلك المنسلخة من الاتحاد السوفيتي السابق بحلف الناتو واحتضانها للقوى اليمينية والسلفية بهدف تشديد التبعية والالحاق.

استنادا على ما حمله البحث المكثف من أفكار تشير الى هيمنة العوامل الخارجية أرى بناء جبهات وطنية – دولية تسعى الى --
1- بناء أنظمة حكم وطنية على أساس الشرعية الديمقراطية المرتكزة على موازنة المصالح الطبقية في التشكيلات الاجتماعية الوطنية والتركيز على استبعاد العوامل الخارجية في صياغة القرار الوطني.
2- إقامة علاقات وطنية - خارجية ترتكز على المساواة وصيانة المصالح البلاد الوطنية.
3– رفض التدخل في السياسات الداخلية الوطنية ومناهضة القوى اليمينية الساندة للهيمنة الامريكية وهيمنتها الدولية.
4– بناء شرعية دولية ديمقراطية ترتكز على المساواة والتعاون الدولي في مكافحة نهوج الإرهاب والتطرف.
5– رفض سياسة التبعية والتهميش الخارجية واستبدالها بالتعاون الدولي المستند الى احترام المصالح الوطنية.
6-- التنسيق بين الدول الرافضة لسياسة التبعية والتهميش يستمد شرعيته من مخاطر هيمنة العوامل الخارجية على التطور الوطني الناتج عن النزعات الكسموبولوتية في نهج الهيمنة الأمريكية.
انطلاقا من موضوعات البحث الفكرية والسياسية نتوصل الى بعض الاستنتاجات العامة المتمثلة ب--
الاستنتاج الأول — أصبحت العوامل الخارجية في الطور المعولم من التوسع الرأسمالي عوامل مقررة في تحديد طبيعة وشكل الانظمة السياسية وتوجهات تنميتها الاقتصادية.
الاستنتاج الثاني ً-- الدول الوطنية باعتبارها الطرف الأضعف في التشكيلة الرأسمالية العالمية أمست موضوعا للتدخلات الخارجية الامر الذي يتطلب تأكيد القوانين الدولية الضامنة للعلاقات الدولية المتساوية وما يشترطه ذلك من تفعيل القوانين الدولية.
الاستنتاج الثالث -- يكمن التناقض الأساسي في الفترة الراهنة بين الرأسمالية المعولمة المتشحة بالايدلوجية الكسموبولوتية وبين النزعات الوطنية والقومية الضامنة لتطور الدول الوطنية بعيدا عن الهيمنة والتبعية التهميش.
الاستنتاج الرابع --التناقض الرئيسي في التشكيلات الاجتماعية الوطنية يجد تعبيره بين الطبقات المنتجة الرافضة للهيمنة الخارجية وبين الطبقات الفرعية - البرجوازية الكمبورادورية والفئات المالية الربوية - المتحالفة والرأسمالية الكسموبولوتية.
الاستنتاج الخامس-- رفض التدخل الخارجي في الشؤن الداخلية الهادفة الى تسعير النزاعات الطبقية والحروب الأهلية بما يفضي الى التبعية والتهميش.
الاستنتاج السادس -- صيانة الدول الوطنية ومصالح تشكيلاتها الاجتماعية ترتكز على الترابط بين الشرعيتين الوطنية والدولية وما يفرزه ذلك من بناء عالم يسوده الامن والسلام الدوليين.
ان الاستنتاجات المشار اليها تشير الى ان دول العالم الكسموبولوتية تسعى الى إعادة بناء العلاقات الدولية استنادا الى مبادئ الهيمنة والتهميش وبهذا المسار يتوجب على القوى الوطنية الديمقراطية اعارة اهتماما متزايدا الى التغيرات الدولية وما يرافقها من تغيرات تمس مسار الديمقراطية والتنمية الوطنية.