أسباب التعتيم على النخب المتميزة و الصارمة

حمزة بلحاج صالح
2019 / 5 / 13

إن أسباب التعتيم بنيوية و لها تكوين سوسيو - تاريخي و سوسيو - ثقافي في إطار سيرورة تاريخية وسياق جزائري و عربي متشابه و منها غلبة العقلية الجماعاتية و الحزبية و التنظيمية الضيقة و التراثية و ايضا الحداثوية ..

فيراد من المتميز الإنتظام مع تيار أو فكر أو تنظيم المؤيد و المساند غالبا إلا بعض الشرفاء...

أو هو لا يدعمك و لا يساندك و لو كان منحك كبير و واسع و عميق إلا إن أعلنت النخب الولاء و الإنحناء و التبعية و أعلنت أنت ذلك...

فالتنظيم غاية عندهم لا وسيلة و يفعل هذا جميع أو جل أفراد المجتمع و المعارضة و السلطة و الاسلاميون و العلمانيون و اهل الطرق و اهل العقل ..الخ..

كما يشترط منك المساند و الداعم لك كما قلت الولاء و تنميط عقلك أو إلغاءه و رهنه لجهة ما هو ينتسب إليها و إن رفضت فهو لا يدعمك أو فهو يعاديك و يكرهك و يتفه و يسفه ما تكتب..

أيضا من أسباب التعتيم خوفه و عشقه و تماهيه مع السلطة أو تماهيه مع المعارضة ملة و تفصيلا أو هو يراك خطرا على طموحاته و محرجا و فاضحا و مزعجا ..

و لأن خطابك الصارم يضعه وجها لوجه مع ذاته و دواخله و نفسه و عيوبه و تقصيره واتباع هواه..

أيضا من أسباب التعتيم أنك لو خالفته و قمت بنقد أصنامه و رموزه أصبحت عدوا و خصما..

أيضا من أسباب التعتيم صراحتك و صرامتك وحدة طبعك في عرض الحق فهو يشتغل بمدى تهاوي تميزك و فرادتك و قابليتك للإستلاب و الخضوع ..

و بعنوان التواضع يريد سحقك و باسم الإختلاف في الرأي و أي رأي يفعل هذا و يسوي الاعمى بالبصير ..

فهو يهتم بأسلوبك و نبرتك العالية و يملي عليك كيف تخاطب الضمير العقل و لا يشتغل بما تنتج و يمكن أن يفيد الأمة و الوطن

و أيضا من أسباب التعتيم المستويات العلمية و الفكرية و الثقافية الضحلة و ذهنية التقليد و انعدام التحرر العقلي و الفكري و المعرفي من سطوة التراث و سطوة الاخر..

و كذلك من بين أسباب التعتيم التعصب المذهبي و الطائفي و اللغوي و القومي و انفصال الاخلاق عن العلم و الفكر و المعرفة و منها أخلاق الإعتراف و العمل بالقول الحق و الحجة ..

و حمل هم و هاجس التغيير و أخلاق الصدق و النزاهة و تغليب الحقيقة على الهوى..

و كذلك مغالطة الناس بأن الرأي السديد هو رأي الأكثرية و غالبا ما يهملون أو يرفضون الإعتراف بأن الرأي الإنطباعي غير الصادر عن عقل ممنهج و علم و كسب علمي راسخ و وافر و متنوع و عميق و مؤسس و إحترافي..

وغالبا ما يحدث أن الناس يتعاندون و يقلد بعضهم بعضا و يهجرون الجيد لأنه يكسر أهواءهم و يحسسهم بمسؤولياتم و التكاليف الملقاة على عاتقهم ...

و ينبههم الى مخاطر حبهم للظهور و الزعامة و يكرهون الصريح و المباشر و الحاد و الصارم ..

و هم لا يكترثون بالمعقد و المركب و العميق من المسطور و المكلف و المتعب بل يصفونه بالمتعالي و الصعب و المبالغ فيه و النرجسي و النظري و التجريدي ..

و أن صاحبه يهمل أن الناس تخاطب بما يعقلون و يفهمون فاستوب النزول اليهم و تبسيط الكلام لهم ..

و يحكمون جميع أهواءهم تحت عنوان الإختلاف في الرأي مثلا ليستوي المفكر بغيرالمفكر...

و تحت عنوان المتأثر بالغرب و المغترب أو الإسلامي أو الشاذ عن الجماعة و المنحرف أو ناكر الإجماع و القطعيات و الثوابت و اليقينيات ..الخ ..

هكذا تتم الحملات الممنهجة ضد التمايز و الفرادة ..

او وابل من التهم من نوع ربما متشيع و الشيعة مجوس و غيرها من الدعاية المغرضة او مشتبه فيه تماما كما تفعل الأنظمة العربية ..

أو ربما تابع للنظام و استخباراته هذا إن كان من قام بتصنيفك هو ضد النظام كما يزعم..

فهو يعجز أن يجد لك ما يستبعدك و يسحقك إلا إشاعة تبعدك و تنتشر بين الناس مثل هذه التي ذكرت ليقصيك و يهمشك و يلطخ سمعتك..

إنهم يخافون النخب العنيدة و المتميزة أن تلقي عليهم بالظل فيختفون و يفقدون مواقعهم الرمزية أو المادية أو السياسوية أو الدينية..

فيهابك و يخشاك الجامعي و غير الجامعي و العوام و شيوخ زعامات الدين و اللغة و المنافحين عن القيم بشوفينية لا عن علم و بينة..

إن النخب المتميزة تفزع السلطة و المعارضة عل حد سواء و الإعلام و الرجال و النساء و هواة كتابة الأدب و القصة و الشعر و الخاطرة و الفكر و الفلسفة و الحداثة و المحافظين و التقليديين..

و الطرق الصوفية و الزوايا و التكايا و جميع السماسرة لأنها تعترض طريقهم و وجودها محرج لهم..

كما أن الخوف من إلتفاف الناس حول هذه النخب جعل تجار الدين و الوطنية و اللغة و الحداثة و العلمانية يفضحهم خطاب النخب القديرة و الصريحة و المتميزة..

بل تعريهم وتسحب منهم مواقعهم و منازلهم و امتيازاتهم و تهددها..

كما أن الإعتدال و الصراحة لهما كلفة باهظة يدفعها أصحابها أمام المجتمع والسلطة على حد سواء..

كما أن الوضع الثقافي السائد له دوره في تشكل حالة التخلف هذه..

كما يغلب على الناس تمسكهم بتقافة القطيع و خصي الفحل و الإحتكام إلى منطق الكثرة و مدح الناس على أساس من الهوى و المجاملات ..

و استدراجهم للتنظيم و الجماعة فقط بدل إنزالهم منزلة فوق التوظيف السياسوي و المصلحي ...

فهم لا يؤيدون بعقلهم و علمهم بل بأهوائهم حتى إذا تعرض تنظيم الواحد لنقد عالم و متبصر سفهوا الناقد و نالوا منه و اجتمعوا عليه مع خصومهم في الطرف الاخر و النقيض ضده..

من يواجه من النخب الصادقة اليوم إنما يواجه السلطة و المجتمع معا..

أشكرمن حفزت عندي الرغبة في كتابة هذا التعليق و نشره لعله يفيد..

أقل واجب على من هم معي يتابعون ما أكتب هو تعميمه بصفة واسعة و تلكم مقتضيات ديناميكية نشر الافكار و تبسيطها و تعميمها تعميما واسعا نشرا للتنوير و الوعي ..

لعل الله ينفع بها الناس و يتعلمون أن الفكر موقف و علم و عمل و ليس إعجاب عابر و انبهار منقضي ..

بل ليس موقف يتخذ باسترخاء و متعة و ينتهي في اللحظات و يتلاشى و يزول ..

إنه إنفاق من الصحة المال و الوقت و صيانة لكرامة النخب من التسول والحاجة..

فكثير من النخب تتألم في صمت و تعفف و يكتفي المار في أحسن الأحوال بالثناء و الشكر بكلمة طيبة لا نقلل من قيمتها طبعا..

لكننا نعيب أن لا تتحرك الناس لحماية هذه النخب في المعاقل التي ضربت فيها و تضررت هي و عائلاتها حتى تستمر في العطاء..

لقد قال أحد الأئمة الفقهاء قديما " لو كلفت بصلة ما تعلمت مسألة "..


11