فيلم -كولونيا- هل هو رسالة اعتذار سياسي في صورة سينمائية؟؟

علي المسعود
2019 / 5 / 7

فيلم "كولونيا" هل هو رسالة اعتذار سياسي في صورة سينمائية؟؟

علي المسعود

كان للسينما دور مهم في توثيق الانقلابات العسكرية في مختلف البلدان، حتى وإن كان انتاج الأفلام يعقب الانقلاب ببضعة عقود، حيث استطاعت السينما لعب دورا كبيرا في فضح الممارسات التعسفية للانظمة الديكتاتورية. وتحتل امريكا اللاتينية مكانة خاصة في السينما المتعلقة بالانقلابات العسكرية، حيث تكثر الأفلام متعددة الجنسات التي تناولت الانقلاب العسكرية المتتالية في أمريكا اللاتينية، منها فيلم "كولونيا"، وتعني " المستعمرة" باللغة الأسبانية، وهو فيلم ألماني يؤرخ الانقلاب العسكري في تشيلي في أمريكا اللاتينية والذي حدث في يوم 11 سبتمر من عام 1973 ، وكان الانقلاب الذي قام به العسكر بقيادة بينوشيه في تشيلي يتبنى منطق المؤامرة الثلاثية ضد الليندي وحكومته، وأركان المؤامرة الثلاثة هم المخابرات المركزية الأمريكية،والمجلس العسكري التشيلي، وممثلي الرأسمالية التشيلية الكبيرة، وهي أطراف كانت متضررة من سياسات الليندي الاشتراكية التي جعلت تشيلي خارجة عن سيطرة الولايات المتحدة الأمريكية والرأسمالية العالمية، فدبروا المؤامرة للتخلص من الليندي وسياساته ليتولى بينوشيه قيادة البلاد ويعود بها من جديد إلى حظيرة التبعية ويعود لتبني سياسات الاقتصاد الحر التي تخدم المصالح التقليدية للولايات المتحدة والجنرالات وكبار رجال الأعمال. كولونيا ديجنيداد” كانت احدي هذه العمليات السرية في صورة جمعية خيرية تجمع الأيتام والأيامي والراهبات والرجال الذين يريدون التقرب من الرب، في جنوب البلاد بمنطقة معزولة بالقرب من مدينة سانتياجو في تشيلي تقوم الجمعية بعمل حفلات يقيمها الكورال المؤلف من الأطفال المخطوفين واليتامي، الجمعية تجمع تبرعات وتنال جوائز وتكريمات، يطلقون عليها اسم ” مستعمرة الكرامة” هذه هي الواجهة ،أما الواقع ، فكان عكس ذلك!!، الحقيقة أن الجمعية عبارة عن غطاء لإحدي العمليات السرية التابعة للإدارة الوطنية للاستخبارات، ( بول شيفر) هو مديرها ومؤسسها وهو ممرض نازي مجنون مغتصب وسادي ، تابع لبينوشيه ومعه مجموعة من النازيين الألمان، شيفر يقوم بعمل طقوس غريبة وعقائد عجيبة لإقناع المعتقلين بتقبل التعذيب لإرضاء الرب ولإرضاؤه حيث يقنعهم بأنه رسول من الرب و يسيطر علي نزلاء الجمعية بالأقراص المخدرة ليكونوا طوع له وسُخرة لخدمته، النزلاء من المعتقلين والمختفين قسريا والنساء المعتقلات والمغتصبات والأطفال المخطوفين وأبناء اليهود ليستمتع بتعذيبهم في غرف خاصة وأنفاق تحت مبني الجمعية، أنشئت مستعمرة (كولونيا ديجنيداد) جنوب تشيلي العام 1961على يد “باول شيفر” الممرض السابق في الجيش النازي، والذي عمل لاحقاً بالرعاية الاجتماعية للأطفال والمراهقين، في منظمة تابعة لكنيسة كاثوليكية في مدينة المانية "ترويسدورف"، الوظيفة التي طرد منها بداية الخمسينيات إثر اتهامه بالتحرش الجنسي بالأطفال، ولم تتم ملاحقته قانونيا، عمل بعدها واعظاً دينيا مستقلاً حتى العام 1954 حيث أنشأ (طائفة) مسيحية بمساعدة اثنين من أصدقائه، وتبعه بعض الألمان المحبطين وفاقدي الدعم المعنوي بعد الحرب العالمية الثانية، خاصة الأطفال والمراهقين اليتامى أو القادمين من عائلات فقيرة أو لديها مشاكل. قدم لهم شيفر ملجأً ونظّم لهم مخيمات صيفية، وهذا كله باسم الرب، لكن عام 1960 أخبر أحد الأطفال والديه أن شيفر يتحرش به، فحاول والدا الطفل مقاضاته، فقررالهروب إلى تشيلي. دعا أتباعه لمرافقته ووعدهم بحياة مثالية، فتطوع بعضهم للذهاب لأسباب دينية، ومنهم وافق بعد إقناعهم بأن ألمانيا ستقع تحت الاحتلال الشيوعي. الكثير من الأطفال اختطفوا، بعد أن أخبر شيفر الأهالي أنهم ذاهبون الى مخيم كورال، وبعد أن وقّع الأهالي موافقتهم تم تهريب الأطفال بالطائرات إلى تشيلي!، وصل ثلاثمائة ألماني غالبيتهم أطفال، انضم إليهم لاحقاً مواطنون تشيليون، واستقروا في مستعمرة بلغت مساحتها 137 كم. بدت للوهلة الأولى مجتمعا ألمانياً صغيراً في تشيلي، أناس بالزي الألماني التقليدي، يزودون البلدة القريبة بالخبز والزبدة والخضار، أوركسترا وكورال، مدرسة، مدرجات للطائرات، ومستشفى تقدم خدمات مجانية حتى للتشيليين القاطنين بجوار المستعمرة لاستمالتهم وكسب ثقتهم،تحولت هذه الصورة المثالية بعد عدة سنوات إلى جحيم بدا الهروب منه مستحيلاً، فأحيطت المستعمرة بالأسلاك الشائكة وأبراج المراقبة وشبكة تجسس، عُزل السكان عن بعضهم، النساء والرجال كل على حده، وحُظرت ممارسة الجنس. حتى الأطفال فُصِلوا عن أهاليهم وسُلِموا لمجموعة ممرضات، فلم يعرف غالبية عائلاتهم! أُجبِر السكان على تناول الأدوية المخدرة، وتم صعقهم بالكهرباء لتسهيل السيطرة عليهم وإجبارهم على النسيان، ولم يتجرأ كثيرون على العصيان لأن العقوبات كانت شديدة أسهلها الحبس الانفرادي لأيام بدون طعام. الجميع كانوا تحت سيطرة شيفر وتأثير الأدوية المخدرة، فرض شيفر نفسه كإله على سكان المستعمرة، أجبرهم على العمل الطويل دون استراحة أو مقابل، مُنع التلفاز والراديو والتقويم وأي اتصال خارجي، كما كان يغتصب يومياً ثلاثة أو أربعة أطفال، ولا وسيلة لحمايتهم بغياب أهلهم!. وفي اعقاب انقلاب تشيلي، نصب المجلس العسكري نفسه حاكما للبلاد بقيادة الجنرال أوجستو خوسيه رامون بينوشيه، مرّت ثلاثة عشر عاماً منذ تأسيس مستعمرة " كولونياديجنيداد " حتى تسلم بنوشيه الحكم في تشيلي عبر انقلابه العسكري، وبعد أن حوّلَ بنوشيه تشيلي إلى سجن كبير واختفى الآلاف من معارضيه الذين تم تعذيبهم وقتلهم في " كولونيا ديجنيداد"، حيث وجد بنوشيه نفسه بحاجة إليها فقدم الحماية ل(شيفر)، ووفّر له الأخير معقلاً لتعذيب معارضيه وسجنهم. حتى السفارة الألمانية في تشيلي كانت تحت سيطرة بنوشيه، فرغم المراقبة الشديدة والصعوبات الجغرافية، نجح بعض الألمان بالهروب من المستعمرة واللجوء اليها، لكن السفارة أعادتهم إلى المستعمرة، وبالرغم من ازدياد الشكاوى على المستعمرة، وزيارتها من قبل رئيس حزب ألماني وتصريحه أن ثمة أشياء لا تسير كما يجب ( في فترة التسعينيات)، إلا أن أحداً لم يحرك ساكنا!، ولكن ارتفاع أصوات المنظمات الإنسانية وبعض المحامين والناجين الذين رفعوا دعاوي ضد المستعمرة، زاد من الاستياء العام تجاهها، فأمر الرئيس التشيلي الجديد السلطات بالتحقيق، ليهرب شيفر كما فعل قبل أربعين عاماً. وبدأت بعد ذالك الحقائق المرعبة تتكشف، غسيل اموال ومراكز تعذيب، اغتصاب، كميات كبيرة من الذخيرة، رشاشات، قاذفات صواريخ، أسلحة بيولوجية وكيميائية، وكلها جُلبت من ألمانيا، في عام 2004 حصل صحفي على معلومات تفيد أن شيفر مختبئ منذ ثماني سنوات في حقل قرب العاصمة الأرجنتينية، فتعقبه واعتقله البوليس الارجنتيني، وسُلِم الى تشيلي، حيث حكم عليه لمدة 33 عاماً، لكنه توفي في السجن في عام 2010 عن عمر 88عاما .ظهرت كولونيا ديجنيداد كصفقة رابحة لكلا الطرفين، (الديكتاتور بينوشيه والاستخبارات المركزية الامريكية )، فبينوشيه يحتاج هذا المجتمع المُغلق لتعذيب واختطاف وإخفاء معارضيه، أما شيفر فكانت الصفقة تعني له حرية الاستيراد والتصدير دون دفع الضرائب. كما دعمت سلطة الانقلاب المستعمرة بعدد من المزارعين المحليين، بالإضافة إلى مدرسة ومستشفى على أحدث طراز بُنيت داخل أسوار المستعمرة، وفي محاولة للحصول على دعم السكان المحليين ومساعدتهم في حراسة المستعمرة ضد المتسللين قدمت المستشفى العلاج لأطفال المزارعين. قرية نموذجية أُطلق عليها كولونيا ديجنيداد أوما يُترجم إلى “مستعمرة الكرامة”، ولكن هيهات أن تحظى بأي قدر من الكرامة في أرجاء المستعمرة. فهناك على سفوح جبال الأنديز في وسط تشيلي، أٌقيمت كولونيا ديجنيداد ، حيث تعرض السياسيون المعارضون للتعذيب بلا رحمة، وحُفِرت المقابر الجماعية لدفن من قُتِلوا هناك، كما تعرّض الأطفال للإيذاء الجنسي. مستعمرة تابعة لطائفة دينية أسسها النازي بول شيفر، عام 1961م، فقد كانت موطنأ لنحو ثلاثمائة من السكان الألمان والتشيليين الذين تم فصلهم إلى معسكرين: واحدٍ للنساء وآخرٍ للرجال، لا يلتقون أبدًا إلا في العرض المختلط، أو بعض الظروف الخاصة التي يُعلنها شيفر. وكانت هناك مجموعة من الأطفال قَدِموا مع آبائهم، ففُصِلوا عن آبائهم وتابعهم شيفر نفسه، وبعد كشف حقيقة المستعمرة عُرف كيف ازداد عدد هؤلاء الأطفال، وفيما كان يتم استخدامهم. ولم يُسمح للرجال ولا النساء ولا حتى الأطفال بمغادرة المستعمرة أبدًا. واضطُّر الكبار والأطفال-على حد سواء-للعمل في الحقول من شروق الشمس إلى غروبها في ظروف غير آدمية، فالضرب المبرِح والتعذيب بسبب العصيان كانا أبرز ملامح التعامل في المستعمرة. فالمستعمرة محاطة بأبراج المراقبة والسياج المكهربة بمعزلٍ عن بقية تشيلي. أُوكِلت مهمة الحراسة فيها لعدد من الحرّاس المسلحين وكلاب الحراسة، يمنعون أي محاولة للهرب، وبعد القبض على مَن حاول الهرب، يُرسل إلى المسعف النازي شيفر-والذي كان يُصوِّر نفسه برسول الله القائم بأعماله على الأرض، فيزعم "شيفر" بأنه يُطهِّر الهارب المقبوض عليه من ذنوبه عن طريق الضرب المُبرح حتى يخرج منه الشيطان!. وما إن حدث الانقلاب العسكري في تشيلي بزعامة بينوشيه إلا وأصبحت هذه المستعمرة هي موطن أسرار الانقلاب. وتعذيب المنشقين السياسيين والمعارضة وإجراء التجارب على من فَقد منهم عقله نتيجة التعذيب، ويظهر الفيلم في احد مشاهده زيارة الجنرال بينوشيه الى المستعمرة التي فرض تشيفر نظامًا شموليًا ذا قبضةٍ حديدية، عانى المعتقلون فيه من أيام العمل الشاقة التي استمرت 16 ساعة، وعقوباتٍ صارمة ومراقبة لا ترحم. تصل الى حد الضرب والعلاج بالكهرباء والتخدير. كما تم حظر التلفزيون والهواتف والتقاويم، لكن المجتمع المغلق كان يحتوي على مدرسة، ومستشفى مجاني، ومهبطان للطائرات، ومطعم، وحتى محطة كهرباء، كما تم حظر الزواج في كولونيا ديجنيداد ، بينما كانت هناك العديد من حالات الاغتصاب سواء للنساء أو الرجال أو حتى الأطفال، ولم يكن يُسمح للأزواج الذي قدموا إلى المستعمرة بالسكن في مكان واحد، وكانت الوشاية بكل فرد عُرف عنه نيته للزواج قائمة على قدم وساق، فيما أُعطيت المخدرات يوميًا لأفراد المستعمرة، كشكل من أشكال التخدير، لتسهيل السيطرة عليهم. ثم كانت هناك عمليات الاختطاف. فخلال سنوات انقلاب بينوشيه، أفادت وثائق عُثر عليها فيما بعد على فهرس بأسماء 39 ألف شخص. وفي عام 1977، أفادت منظمة العفو الدولية أن العديد منهم قد تم نقلهم إلى كولونيا ديجنيداد. التي كانت بمثابة مركز خاص للتعذيب للدكتاتورية العسكرية. فكشف المحققون ما أسموه “مخبئًا للأسلحة العسكرية”، بما في ذلك أكثر من 100 بندقية، و 90 بندقية رشاشة، وآلاف القنابل اليدوية، وحتى عددٍ لا بأس به من صواريخ أرض-جو. كما كانت المستعمرة بمثابة ملاذٍ آمن للهاربين النازيين-مثل والتر راوف صاحب فكرة غرف الغاز والذي اخترع غرف الغاز المتنقلة-الذين سُمح لهم بالاختباء هناك مقابل الإشراف على أشكالٍ معقدة من التعذيب. صار يحكم هذه المستعمرة وسكانها البالغ عددهم بضع مئات بكل قسوة و عبودية ، بعدها اكتشف التشيليون ان ما يتصوره من القرية المانية النموذجية ماهو الا معتقل وجحيم لمعارضي نظام الديكتاتور بينوشية ( 1973-1990).
"كولونيا" فيلم للمُخرج الألماني «فلوريان جالينيرجر» الذي يُعِيدُ رواية قصّة انقلاب الجنرال «أوغيستو بينويشيه» في تشيلي «إحدى دول أمريكا اللاتينيّة» مِنْ وجهة نظر صحفيٍّ يَساريٍّ عاشَ تجربة الاعتقال، وجزء من المعاناةِ التي أعقبت الانقلاب على الرئيس المُنْتَخب «سلفادور اللّيندي).
تبدأ أحداث فيلم كولونيا بوصول مضيفة طيران في خطوط لوفتهانزا الالمانية المضيفة الجوية لينا، وتقوم باداء الشخصية الممثلة ( إيما تومسون) إلى تشيلي ومعهما مجموعة من أصدقائها المضيفين والطيار "روماني " والذي يبدو من بداية الفيلم أنه صديق قريب من لينا ، وفي تشيلي تلتقي لينا حبيبها الناشط السياسي الألماني دانيال وقام بالدور الممثل "دانيال برول" حيت تصادفه وسط االمظاهرة في شوارع شيلي لمساندة " الرئيس " سلفادور الليندي" قبل ايام من وقوع الانقلاب العسكري. بعد أن قام بانقلاب عسكري وقتل الرئيس السابق" سلفادور ألليندي" ، بدأ بعدها بينوشية حملة قمع واسعة لأنصار الرئيس السابق وجميع المعارضين، يتم القبض على" دانيال" من قبل الشرطة السرية في تشيلي لأنه قام بتصوير الاحتجاجات وشارك مع المحتجين. وتعرف لينا من بعض الأصدقاء أن صديقها، تم ترحيله إلى مستعمرة تابعة للجيش تسمى “كولونيا " أو "مجمع الكرامة” ولكنها في الواقع تكون عكس اسمها تمامًا، وأملًا منها في إيجاد دانيال تتطوع لينا لتصبح راهبة ضمن أعضاء جماعة دينية تقيم في كولونيا، لتبدأ «لينا» رحلة البحث عَنْهُ، وإنقاذِهِ، على الرغم من تَخاذل الجميع عن مساعدتها حتى رفِاقه الثّائرين، لتقحم نفسها داخل جدران تلك المستعمرة، وتعيش أهوال حكمها، والذي يُصوّرها الفيلم على أنّها قومية دينيّة يقودها رجل يدعى( باول شيفر)، وهي عبارة عن غطاء، لتصنيع السّلاح والغازات السامة، بالإضافة إلى كونها مركزًا لتعذيب المعارضين. ولكن فور وصول لينا الى كولونيا تكتشف الطبيعة الرهيبة وحقيقة الجماعة الدينية، حيث يتم تعنيفها، لأنها حاولت تهدئة طفل يبكي ، ويتم تجريدها من ملابس فيظهر أنها ترتدي ملابس عصرية تحت زي الراهبة فتعنف بسبب ذلك ويتهمها قائد الجماعة (بول شيفر) بأنها عاهرة بسبب ارتداء هذه الملابس، وتؤخذ منها كل ممتلكاتها وجواز سفرها، وتضطر لينا للقيام بالأعمال الشاقة داخل المجمع ، وعندما تسقط من الإعياء في أحد الممرات تتعرض للجلد والتعذيب وحتى الحرمان من الماء، ومن ناحية أخرى يتم تعذيب صديقها دانيال على يد رجال الجيش بطريقة وحشية وعندما يكون على وشك الموت ينقل إلى داخل كولونيا ، وهناك يدعي أنه أخرس ويدعي أن اسمه هانز، ولأن الرجال يتم فصلهم عن النساء داخل المستعمرة فلا تقابله لينا إلا بصعوبة ، حيث يتم عمل تجمع أسبوعي بين الرجال والنساء ، ولكنه في الواقع تجمع رهيب يتم فيه إهانة النساء والاعتداء عليهن بشكل فظيع، وبعد عدة محاولات للهرب يكتشف دانيال أن هناك مجموعة من الأنفاق أسفل المستعمرة تؤدي لخارجها ، وبالفعل ينجح دانيال ولينا في الهروب ويصلا إلى السفارة الألمانية ولكنهم يكتشفوا علاقة السفير مع بول شيفر الذي كان عضوًا سابق في الحزب النازي، وفي النهاية ينجح كل من لينا ودانيال في مغادرة تشيلي بمساعدة صديق لينا الطيار" روماني". ينتهي الفيلم بهروب دانيل ولينا من المستعمرة ومعهم صور تم تصويرها للمكان من الداخل، ليتم فضح أمر تلك المستعمرة التي يديرها العديد من الأطراف الفاسدة المسئولة عن الانقلاب ، ربما من المهم المعلومات التى جاءت فى نهاية الفيلم، التى أكدت أن القوات التشيلية والسفارة الألمانية كانتا متورطتين مع بول شايفر، وأنه رغم نشر صور للكوارث التى كانت تحدث فى المكان، لم يتم اتخاذ أى إجراء ضده حتى سنة 2004 عندما كان فى الأرجنتين، وتم القبض عليه ومحاكمته بتهم منها اغتصاب الأطفال،
كولونيا فيلم دراما ورومانسي، تم إنتاجه في فرنسا وألمانيا عام 2015 .. بطولة إيما واتسون ودانييل برويل وميشيل نيكفيست ، الفيلم أخرجه الألمانى فلوريان جالنبيرجر ، وفيه يرصد مشهد آخر من الديكتاتورية البشعة فى ذلك الوقت هى الدكتاتورية الدينية ، والتي تلتقي مع ديكتاتورية العسكر، في أحد مشاهد الفيلم ، يقول «شيفر» أو «بايس» كما يلقبه تابعوه: «إن كل شىء تحت رعاية الرب له فائدة»، ويقصد أنه سوف يجرب الغاز السام على أحد أعضاء الجماعة، كما أن له نظام خاص فى حياة جماعته، فهو يتعامل معهم باعتباره رسولا من الله ينطق بلسانه، ويفصل بين الرجال والنساء ويغتصب الأطفال بعد أن ينتزعهم من أمهاتهم.
بعد تفكيك المستعمرة اختار بعض الضحايا مواصلة الحياة هناك، وعاد حوالي 50 منهم إلى ألمانيا، مازالوا يطالبون بتعويض عن سنوات التعذيب. ويعتقد بعضهم أن المخابرات الألمانية متورطة بشكلٍ ما فيما حدث، لأنها لم تقم بأي تحرك يذكر. هذا الفصل الهام من تاريخ تشيلي ، هو ليس درس في التاريخ بقدر ماهو مهم أن تعلم كل الأجيال والشعوب ما عاناه الشعب التشيلي من ويلات في ظل الحكم العسكري تحت قيادة السفاح بينوشيه عام 1973، إعتمد سيناريو الفيلم على شَخصيتين رئيسيتين: هما الالماني- الاسباني «دانييال برول» بدور «دانييل» أو «هانز»، و الممثلة البريطانية «إيما واتسون» بدور «لينا»، اللذين عاشا قصّة حبّ ومعاناة ليخرج الفيلم من غرضه الأساسيّ، إلى سلسلةٍ من المطارداتِ للوصول إلى النتيجة المتوقّعة. يقول الممثل الألماني دانيال برول:"كنت دائماً على علاقة مع هذا البلد أي مع تشيلي. أمي إسبانية وأنا أنحدر من عائلة مهتمة جداً بما جرى في تشيلي في ذلك الوقت، وأيضا نشطة جدا في هذا المستوى. عندما كنت صغيراً، عاشت معنا عائلة من تشيلي، لذا كنت دائماً في اتصال مع هذا البلد". الممثلة المتألقة إيما واتسون، أعجبت كثيراً بشخصية لينا وهو ما دفعها للمشاركة في هذا العمل السينمائي، تقول الممثلة البريطانية إيما واتسون "الكثير من الناس اعتقدوا أنني شاركت في الفيلم، لأني مهتمة بالسياسة، في الحقيقة، انا أعجبت كثيراً بالدور، الأكيد أن تلك الفترة التاريخية هامة، لكن الشخصية التي اتقمصها هي من جذبتني حقاً". المخرج فلوريان غالنبيرجر، أراد من خلال فيلمه جذب اهتمام عشاق السينما إلى فصل هام من تاريخ الشيلي المعاصر، فطرح موضوعاً هاماً بطريقة سلسلة، يقول المخرج فلوريان غالنبيرجر:"أردنا تقديم فيلم مسل ولكنه يحمل معنى في الوقت ذاته، نحن لم نسع إلى تقديم درس في التاريخ، ولكن أردنا أن نقول لعشاق الأفلام المسلية، إن هذه الأفلام يمكنها أن تحمل معنى أيضا وأعتقد أننا نجحنا في ذلك".
دانييل برويل بطل فيلم كولونيا .. أبدع بدوره في الفيلم تحية منه للشعب التشيلي،فهو من أم إسبانية وعاش طفولته في تشيلي وله من الأصدقاء و وأراد ان يقدم عمل فني يعبر عن جزء من المعاناة الإنسانية التي عاشها الشعب التشيلي. ما أراد أن يخبر به المخرج جمهوره ليس درسا في التاريخ حول الرجوع إلى أعوام غابرة من سنين التعذيب في السجون، بارغم من أن لقطات التعذيب في الفيلم كانت قليلة، حيث عذب بطل الفيلم دانيال باللكم على وجهه والصعقات الكهربائية والشيء الذي شدني إلى الفيلم هي ملامح الممثلة إيما واتسون حيث ظهرت بمظهر اللباقة والرقة في مواقف صعبة ومذلة.
ورَغَمَ كَوْنِ الفيلم يَتَحدّثُ عن أحداثٍ حقيقية، وممارسات لاانسانية جرت في تشيلي ، كالعادة؛ صمَتت الأطراف المعنية بالقضية عقوداً طويلة إلى أن افتضح أمرها بحلول عام 2005، رغم أن التسريبات حولها في الصحافة بدأت منذ ثمانينيات القرن الماضي، وهو ما يعني أن الدبلوماسية الألمانية غضّت الطرف عن ممارسات أحد رعاياها منذ إنشائه المستعمرة سنة 1961
في النهاية ، كولونيا ديجنيداد ، قصة مستعمرة تفضح لنا حقيقة المنظمات الدولية، فلم تتُحرّك تلك المنظمات ساكنًا ولم تلتفت إلى معاناة المستعمرة ولا معاناة الشعب التشيلي ولا إلى مجازر نظام وحشي وهو نظام الديكتاتور بينوشيه، لذا ربما يكون فيلم "كولونيا" رسالة اعتذار سياسي في صورة سينمائية، تعلن عن ندم الولايات المتحدة الأمريكية عن دعمها لبينوشيه وسياساته القمعية في تشيلي التي أنتجت آلاف القتلى والمعتقليين. ذلك الأسف الذي عبر عنه وزير الخارجية الأسبق كولن باول- إدارة الرئيس جورج بوش الابن- بأسفه الشديد لدعم بلاده لبينوشيه في انقلابه عام 1973 علي سلفادور الليندي. ومازالت الأبحاث جارية حول المستعمرة من قبل الحكومتين الألمانية والتشيلية، وهناك خطة لإنشاء متحف لتوثيق ما حدث، وتحتفظ ألمانيا بوثائق لم ترفع عنها السرية بعد، لربما تعطي إجابات عن الكثير من التساؤلات التي بقيت دون أجوبة حول مستعمرة" كولونيا ديجنيداد"، التي تحولت منتجعاً سياحياً يحمل اسم فيلا بافاريا، يقضي فيها السياح عطلهم الصيفية، مما يثير حفيظة المنظمات الإنسانية والضحايا الذين مازالوا على قيد الحياة، لأن هناك أعمال سياحية وتجارية تقوم على آلامهم وعذاباتهم.
علي المسعود
المملكة المتحدة