معنى الجوع و الظمأ عند النخب القديرة و المتميزة و الشريفة..

حمزة بلحاج صالح
2019 / 5 / 7

الجوع و الظمأ عند المثقف المبدع و الباحث صاحب المشروع ليس بالضرورة فقرا مدقعا و الحاجة الى لقمة عيش يومية في حدها الزهيد ..

فقد باتت لقمة العيش في حدها البسيط لسد الرمق ميسورة للكثير..

إن المثقف العضوي و الرسالي يحتاج إلى إستقلالية في العيش و الرزق تؤمن له مستقبله و مستقبل نسله و تحميهم و تمنحه هو و أهله الطمأنينة...

يكتب و يبحث و يتنقل و يؤسس مراكز البحث و يكون الأجيال قرير العين هادىء النفس مطمئنا متفرغا كليا لصناعة العقول ..

كلما ارتبطت علاقة المثقف و النخب بالسلط الحاكمة و ذوي النفوذ رزقا و وجودا ماديا و معنويا إلا و عكر ذلك صفو عقله و نفسه و حالته الإبداعية و نال من إستقلاليته...

لا بد من إيجاد اليات لتأمين النخب المتميزة و القديرة و المنفلتة من هيمنة الانساق السائدة و الفهوم الفاسدة و من سلطة الانظمة و المجتمعات على ندرتها ...

حتى يتفرغوا فقط للإبداع و التفكير في مخارج و خلاصات و مشاريح جادة للتحرر من التخلف لا تهويمات و يوطوبيات و تريدات جوفاء و كتابات سطحية و كلام فارغ من قبيل الثرثرة...

هذا العمل لا يقدمه الفرد المتميز بل فريق بحث يقوده الفرد المتميز مرفوقا بالوسائل و الأدوات يحقق بها أهدافه و مرفوقا بتأمين و أمان للنفس و المال و العرض و القوت و المحيط ..

المثقف الذي يتخبط في وحل نفسه و مع ذاته و يجد صعوبات في لقمة عيشه و تأمين مستقبل أولاده كيف به ترى يبدع ...

بل لن يبدع إلا كلاما فارغا أو مكرورا و ثرثرة مستنسخة و ولاءات بئيسة و محنطة و تحصيل ريوع و منافع مادية يلهث من وراءها على قاعدة " جوع كلبك يتبعك "...

لا يمنح المثقف الصدقات و يطلبها بل يؤتاها و يقبض عليها كحق معلوم و مقنن ..

المثقف الذي يتخبط في وحل مصاريف الكتب و الدوريات التي يقتنيها فلا يستطيع و في طبع و استنساخ كتب يحتاج إليها فلا يستطيع ..

و اقتناء ما يرغب من معرض للكتاب مثلا أو تغطية مصاريف المشاركة في الورشات الجادة العلمية للملتقيات و ورشات العمل و التربصات التي لا تتم المشاركة فيها الا بمساهمة مادية حتى في العالم العربي و الاسلامي على ندرة جودتها ...

و كذلك تفعل الجامعات و مراكز البحث في عالمنا العربي الاسلامي فما بالك عند الغرب رغم هشاشة ما يطرح عربيا و إسلاميا فتراه لا يستطيع...

إن المثقف الذي يجد صعوبة في تغطية مصاريف هاتفه و اتصالاته و شبكة علاقاته المعرفية و العلمية و الثقافية و السياسية و مصاريف تنقله إلى العالم لاكتشاف الإضافات العالمية المعرفية الحديثة ..

ولا يملك مترجما في مؤسسة لو قدر له أن يديرها ليواكب بعض بل قليل مما تقذفه مطابع الغرب و مؤسساته البحثية ..

كيف تطلب من هذا المثقف و المفكر و الباحث الذي يعاني من هذه المشكلات البسيطة أن يفكر بعمق في إشكاليات الراهن و يكون مانحا لأمته و لمؤسسات الأمة التي يلهيها الضجيج و التهريج عن مثل هذا المفكر الجيد على قلته و ندرة أمثاله ..

و العبرة بل التحدي هو كيف نستنسخه و نستنسخ بمعنى ننتج مثله و من هو أفضل منه و توليده كما تولد النخب في مجتمعات حديثة لا يضرها أن تتأثر جماهيرها بالسياق العام..

المثقف و المفكر الرسالي الذي يعجز عن اقتناء الة طابعة و جهاز إعلام الي أو " لاب توب " بسعة تخزين محترمة و " طابليت " فائقة النوعية و الة تصوير و جهاز سكانير لاستنساخ البحوث و الكتب و اقتناء الورق و وسائل التخزين و الاقراص ...

بل الكارثة من اجل تصوير دقيق لهزالة المشهد أنه لو كسر زجاج نظاراته لاحتار كيف يقتني غيرها و هو من يقتني إطارنظاراته الهشة من السوق الشعبية بجودة معدومة لبؤس حاله و غيرها من الجزئيات البسيطة للأسف و التي ترتهنه و تستلبه و تحنطه و تقتله قتلا بطيئا ...

في وقت تستنبت و تشيد في دول الغرب التي تحترم عباقرتها قرى و مدن تتوفر على كل شروط و ظروف الراحة و الإبداع لأنهم فهموا مكانة المثقف و معنى و أهمية قول أحد أئمة المذاهب " لو كلفت بصلة ما تعلمت مسألة "..

فشيدوا في كل بلدانهم و أوطانهم ما يشبه " سيليكون فالاي " فمنها ما نراها و منها ما لا نراها...

كيف نطالب مثل هذا المثقف أن يكون معطاء و وضعه الصحي يتاكل يوما بعد يوم و مشكلاته الإجتماعية و المادية تتفاقم و تغزوه و تكبله..

عندما نتكلم عن نوع من المثقفين نعني نفر/ قدوة و نعني خبراء و نعني باحثين كبارا ..

و لا نعني أن يتم التكفل تكفلا رفيع الكلفة بكل جامعي فليس كل امعي استثمارفي و للمستقبل .. و ممن يسمون جامعيين من يسترزق و ينتهز الفرص و تانفق عليه الدولة تربصات في الخارج يعود منها فارغ اليدين بعد سياحة ممتعة ...

إنما نعني مساحات و حصون الابداع متمثلة في عناصر قليلة العدد كثيرة المنح مغيبة و مهملة نقتلها و هي حية كان يمكن أن تؤسس لميلاد النخب حتى تحيا المجتمعات و الشعوب و المؤسسات ...