إعدام أسرار الرسائل وأشفار جنونها القابعة خلف نقاب العقل

فاطمة الفلاحي
2019 / 5 / 6

" إعدام أسرار الرسائل وأشفار جنونها القابعة خلف نقاب العقل " من "الكتابة قطب الأدب وفدامة العقول ، وصناعة الترسَّل– أدب الرسائل-" "الحلقة الخامسة من حوارنا مع الأديب هاشم مطر في" بؤرة ضوء "

" إعدام أسرار الرسائل وأشفار جنونها القابعة خلف نقاب العقل "
لا، ولست من القائلين بإعدام هذه الرسائل باعتبار أنه لم يقصد بها النشر، فهي بعض من آثارهم لا يقل قيمة عن ملابسهم المحفوظة في المتاحف مثلا، ومازلت أرى في نشر ما لدي من رسائل الأدباء فوائد أدبية للدارسين والنقاد والقراء جميعا " نقولا يوسف

ما سبب اختفاء فن أدب الرسائل ؟
- هل بسبب ظهور العالم الافتراضي؟
- أم بسبب التقنية الحديثة وتنوع وسائل الاتصال أدت إلى اندثاره؟
- لماذا ارتأى الأدباء أن نشر المؤلفات وتدبيج المقالات أهم من نشر الرسائل ؟
- لماذا يطالب البعض بدفن الرسائل الأدبية على اعتبارها "رسائل خاصة" ولا يجوز نشرها على العلن ؟


اُسبق حديثي بإشارتين: الأولى الجزع من عدم انتظام النص، والثانية وضعنا النجاح هدفاً بحد ذاته، فإن مرافقتنا association ظروف الكتابة هي متعة بحد ذاتها تجدها بقيمة تحدي النص لموضوعه أولًا ، وثانيًا تحدينا النص وظروف كتابته، ومثلما نغامر بأشياء أخرى بالحياة علينا المغامرة كذلك بالنصوص، بالطبع مغامرة ليست طائشة بأي حال من الأحوال. وهنا بالذات يكمن ما أسميه تجاوز حدود الفشل. الكثير من الكتّاب يتوقفون عند هذا الجدار الوهمي الذي يحد من الفرصة، بل ويقتلها. تبدو هاتان الإشارتان/الفكرتان بأنهما تنطويان على طعم لاذع بالنسبة للكاتب فيصاب باليأس لأنه سيودع منتجه الذهني والورقي شجار الحريق أو التلف أو الدفن. أسوق هذا باختصار لأقول الآتي:

كثيرا ما تأملنا جميعا أتلال أوراقنا القديمة وتنقلت معنا أينما حللنا وذهبنا وكأنها كنوز لو ضاعت فلن نعثر عليها بعد الآن أبدًا، أو سنصبح عراة وبلا بيوت من دونها، وهذه فكرة أخرى تجعلنا نتوقف ونتأمل ماضي كتاباتنا فلا نتركها لحال سبيلها، فتصبح (كراكيب) بالية بمرور الزمن. فمثلما نتخلص من ركام الأشياء المادية علينا أن نتخلص من رواسب الأفكار وحتى المنجزات نصف الناجحة. فكل شيء له روح فلا تجعله يتنقل معك وينمو عليلًا بنصف حياة!، سيرثك حتما الأسر ويسلمك إلى فشل آخر، وإلا ما نفع ما قرأته وتأثرت به مع تغيير مفاهيمك واستقامة وعيك ونضوج لغتك وما زلت تتأمل ركام رسائل ومخطوطات بعد ثلاثين أو أربعين عامًا !. يصاب المبدع بالجزع واليأس واللاجدوى لهذا السبب، بالرغم من أنه يحيل ذلك إلى مسببات ودوافع أخرى، التي لا ألغيها من خانة الأسباب.
في دراسات علم النفس الحديث يُنصح باستقدام الإرث القديم على نحو صورة يتم استحضارها ثم إبعادها تدريجيًا بعد تأملها ذهنيًا عشرات المرات أو مئات منها، ثم يتم اطلاقها لترحل بعيدًا، كذلك في معاينتنا للناجح منها، فتوصي الدراسات باستقدامها على نحو متوهج، بذات الفعل، حتى تطلق فيها روحًا جديدة قابلة لاستخدام جديد. هذه التقنية تساعدنا على التخلص من أمراض الكتابة، ومع تعاملنا مع القديم على هذا النحو يكون عقلنا الباطن قد اختزن أهم الأشياء من دون تفكير، فلا تأسف حتى على فكرة اختفت فجأة وأنت تحاول كتابتها، فما عليك إلا أن تبتسم وتقول «إذهبي بعيدًا، فعقلي سينتج بعد قليل أفضل منك»، وتستمر.
إذن حرق الرسائل هو جوهر في ذات السياق، الإبقاء عليه علة مرضية، فمثلما نصاب بالأمراض فالكومبيوتر مثلًا يصاب بالفايروسات، كذلك الأشياء الجامدة وكل شيء، إنه شكل من أشكال التشذيب والقطع وإعادة الزرع، كل شيء يهرم، فما بالك بشيء هرم أصلًا لا ينتج ثمرًا؟ فلا تفتح سلال كتاباتك كلما حان الوقت لتستنجد بفكرة ما، فأما أن تستخدمها أو تتلفها بالحال وهذا أفضل.

قبل أن تسألي كنت في واقعة مشابهة، عثرت فيها على صندوق، لغم من الأوارق التي كتبتها في القديم، لم أجهد نفسي عناء تقليبها فاكتفيت بإرسلها إلى الإعدام. فماذا ستحتوي تلك النفايات الذهنية المكتوبة منذ عشرين أو ثلاثين سنة؟ لاشيء، إنها لا تنفع حتمًا، فالمستودع الضامن هو عقلي حسب ولا غيره. وإذا ما أردت أن أنتج شيئًا جديدًا فما عليّ سوى استخدام العقل وليس أوراقًا صفر. أما ما عثرت عليه من مراسلات مع الأصدقاء وكانت مودعة في صندوق آخر فسأطلقها للحياة في مشروع رسالة سيختار هو توقيته وشكله الجديد، ولا أشك أنه سيكون ماتعًا للنفس وللآخرين.
وطالما تعلقت أسئلتك بحاضرنا الذي نعيش، وهو حاضر متعدد الأقطاب من حيث مصادره الثقافية والمعلوماتية، كذلك التقنيات الإليكترونية والنظم الرقمية، فبالطبع سيكون شكل الرسائل قد تغير، إضافة لخروجها من الحيز الشخصي إلى ما هو أكثر شيوعًا ومشاركة. فالنشر بصورة عامة هو رسائل والكثير منه يحمل نزعات شخصية معممة بصفة متداخلة مع العام، فما أن نفتح (الفيس بوك) مثلًا حتى تداهمنا مئات الرسائل، ولا عيب بذلك، إنما في الواقع جعلت تلك البرامج فرصة أكبر للفرد ليرسل رسال ذات عروق حية.
والسؤال هل في هذا علاج؟ نعم؛ هو في الواقع كذلك أن نبتكر مداواة أو أشكال علاجية treatment هدفها الإفصاح عن مكنونات عصابية ستنتظم بعد حين لتصبح أكثر جدوى، بمعنى أن يخرج الأمر من المواربة الشخصانية إلى الفتح والمشاركة العامة. ولهذا نندهش عندما نقرأ لغير (المثقفين) مساهمات رائعة، فصاحب المساهمة اشتغل لا إراديًا على حصافة امتلكها بتخطيه الشخصي إلى ما هو أكثر رحابة. شخصيًا لا أرى أن الرسالة قد اختفت إنما تغير شكلها ليصبح إلكترونيًا حسب، أما جوهرها فهي في اتّساع وعمق واستقبالها أصبح أكثر رخاءً وإصابتها أكثر تأثيرًا.
يقول الطبيب الباحث النفساني Robert Maurer : هل سألت نفسك عن مساهمتك بحيث تكون كمشاركة إنسانية كبيرة؟ نعم إن وضع هدف للرسالة وليس الرسالة كهدف، حتى وإن كانت شخصية، هو أهم ركن في الكتابة، وهي علاجية أولًا لأننا مصابون بالكثير مما لا نعرفه حتى، نتشارك بحسية موائمة للسلوك الإنساني، فنحن نجبر أنفسنا على إهمال العام النافع عندما نقوم بفعل شخصي صرف عبّر عنه "مورر" بكلمتين «أن تسأل بلطف وروحية المريض.. بعكس ما يكون كروح مناكدة». قد يُدهش البعض من كلمة (مريض) فأطمئنه أن ليس بذلك عيبًا، ذلك أن الحياة التي نعيش هي عبارة عن جرح Troma، إنما الحكمة والفضيلة تكمن بقدرة الإنسان بتحويلها إلى منتج مفيد، وهذا ما أتينا عليه في حلقة سابقة، إضافة إلى عنصر آخر ينتظم بذات السياق وهو المواجهة، فمن دون مواجهة صريحة مع مصادر الألم لا نصل إلى نشوة الانتصار على الذات المشاكسة أصلًا، وسيطرتنا على طبائعنا وسلوكنا، بل يحتوينا اليأس واللاجدوى. أخلص إلى أن كل مشغلنا يكمن في بيئة مشاركة، وعندما نصل إلى الحد boundary لا نستطيع تخطية مع مجاملة عدم الرضا وحتى الرضوخ إلى نجاحنا بمفرادات السعادة اليومية الشائعة كالإمتلاك المادي والعائلي وسواه، إنما النقلة لما بعده بأي أداة حتى وأن كانت جارحة للذات، وهذا هو جوهر الرحلة وروعة الاكتشاف المشترك. وعليه يكون دفن البوح أشبه بؤد الفكرة، ناهيك عن الدعوة لها مهادًا لموت الأفكار وشطوحها. فأنت تمتلك فكرة ولكن لا تعرف كيف تكتبها ومن أين تبدأها، وعقلك مازال فارغًا أو عائمًا بأحسن حال، هل واجهك هذا؟. فما عليك إذن سوى الشروع والإحساس بأن الأحرف التي ستكتبها هي ليست لك، إنها كتلة إحساس رابض له طاقة الإصابة، حس ومجسات تعرف فائدتها. أما الخجل الذي يصاحب موروثنا فهو قاتل، وإن فعلت فأنك ستدفن ليس نصوصك ورسائلك حسب، وإنما تدفن الحياة بصورها الجميلة حتى وأن كانت مؤلمة أو شخصية صرفة. أنا شخصيًا لا أثق بهذا القول الناصح لتأسيس ثقافة المنع التي نرفضها من جانب ونقبلها من جانب آخر، إنه البارودوكس الذي يخنقنا ويخيفنا ويتركنا لليأس. مثل هذا البوح لا نجده في التجربة الغربية لماذا؟. لسبب بسيط جدًا يعرفه الجميع، وهو شاخص في مخيلتكِ كما أرى، في سؤالك، ولكن أحد المسببات الأساسية هو أن نضع الحواجز البينية وتصنيف المساهمة بين ما هو شخصي وعام. فعلام إذن تتملكنا روحية التستر على أشياء عظيمة الإنسانية، متفجرة وجريئة؟ إنها مجاملة الواقع المُر، المرتبك والخارج عن الإداء الإنساني الطبيعي والتلقائي. أليس كذلك ونحن نقوم ببرمجة يومنا على وفق مؤثرات خارجية لا نؤمن بها! سوى إنها حزمة من المتشددات والمعارف الفائضة عن اللزوم، بل وافدة أتت على نحو مسطرة تفضي إلى العجز، وهذا بذاته واحد من أسباب الخمول واليأس وإنعدام المبادرة إضافة إلى تفضيل الشخصاني على العام. وهنا بالذات يكمن دور المثقف، ليس بدفن الأشياء إنما تعريضها لشمس ساطعة وعلى مرأى من الجميع، إنها الثقة والجرأة والعاطفة التي يتوجب العناية بها، مصحوبة بالمشاركة لنبدو أكثر تجاوزًا للحدود، بل أكثر رفضًا للسائد ومن دون مجاملة، وما وُضع أصلًا لهدف لا نعرفه ليصبح فيه التقديس أهم أركانه وكل منتج فكري يدور بفلكه، وشواهدي كثيرة ممكن إرجاعها حتى إلى قرون ملهمة سابقة ومهمة بصراعاتها. فحتى العلماء والفلاسفة آنذاك جعلوا نصف أدائهم في تخلصهم من (الشبهة)، وهذا محبط حقًا، حينما يحرق ابن حيان كتبه ويفعل مثله ابن رشد وغيرهم الكثير. أو يدور الفيلسوف ألف دورة ليطلق رسالته التي ستحتاج إلى تفسير بعناء شديد وكثير من الجدل، وبذلك يتم ترك السياق المعرفي وإعادة الدوران. فلا مُنتج المعرفة يكون قد قدم مساهمة حرة، ولا مستوى تلقيها حرة كذلك بما يكفي لإنتقالة أخرى.
***
لذلك، وعطفًا على سؤالك الخاص بالتدبيج، وهو سؤال ذكي، يقع في ذات السياق، فالرسالة في شروطها الوافية أن تكون واضحة المعنى والمراد ومن دون شرح وإطالة، هي قفزة معافاة غير مشروطة، واثقة وسهمها حاد شديد المضاء. فعلى سبيل المثال تكون الرسائل العاطفية أشد أنواع الرسائل فتنة، لكننا نجدها في العام مبهمة وعليك تفسير باطن معناها، وبالأدب الصوفي ملحقة بالاداء العرفاني، وهي رائعة، لكنها اختارت منفذًا آخرًا لنهوضها، وفي الشعر متروكة للتفسير أو قل الهذيان المحبط من قبل المفسرين، حتى اقتربت من حالة تناغمية مع الشعر (الحديث) بشكل من أشكاله الرائجة من عدم الوضوح، فلم تتمكن الرسالة في هذه الحال من التغيير لشدة الحصار المعرفي الدارج والذاهب إلى تكريس سلطة المقدس مصحوبًا بنزعة شمولية لا تقبل بسوى الموت لصاحبها، إضافة إلى سلة التراكمات القبلية التي حشرت في ثوب الأحكام. ومثلما عكفت (الثورات) بمعنى الإنقلابات التاريخية/المجتمعية، والدينية منها على وجه التحديد، على ثني السياق الإنساني وعقفه، بحيث ينحو الفيلسوف والكاتب المساهم المنتج إلى ذات الفعل من جانب آخر، مستخدمًا أشد الفنون تعقيدًا من حيث التورية والمصاحبات الذهنية المكبلة للإفصاح التام. فهل تساءلنا عن مصير آلاف الرسائل التي كتبها وطمرها الأجداد، وما زلنا نتعثر بالبعض منها تنقيبيًا، أو لماذا أصلًا نكرر بلادة القول بأن (الشعر ديوان العرب)؟. ذلك بسبب اختفاء النثر المسترسل المتصالب مع قيمة أوجدها السيف وحماها الخالق الذي لا يعرف شيئًا عن عصاب خلقه. وإن أجبت بمستوى أكثر صراحة، فالشعر العربي بعمومه لم يورثنا تلك الإطلالة التي نحن بأمس الحاجة لها في عصرنا هذا، وعندما نتحدث عن الميراث والموروث تواجهنا الحواجز والحيطان، فهو من دون إنتقالة تذكر، فهذا شاعر العرب وهذا فحل الفحول إلى آخره من التدبيجات والأوصاف. أعطني مثلًا واحدًا عن جدوى المعلقات وما نحل من الشعر من أجل تأسيس منظومة غير تلك المساندة للسياق الذاهب لإعادة نسخ النموذج ذاته، مترافقًا مع اختفاء النثر، ومكرسًا غموض العلاقة الجوهرية الخاصة بالتسجيل، فحتى النموذج العاطفي منه لم يأتِ إلا على نحو قصص وطرائف لا تحمل مصداقيتها، وهذا المبحث كان على سلم أولويات " د. طه حسين" ، و "الشيخ علي عبد الرازق" من حيث روحانية الدين وطقوسيته الصرفة، وحتى نظام الخلافة ذاته كابتكار سياسي بإمتياز، وكثير من الكشوفات كان عصر التنوير الإسلامي واحدًا من صوره وشهوده فالجميع قُتل أو غُيب بأفضل حال.
ما أن نسهب أكثر فستوجهنا برك التيزاب والخوازيق والحرائق، وهي رائدة حتى يومنا هذا. حتى ذهب المفكر "داريوش شايغان" في كتابه "النفس المبتورة" إلى فتح بئر التناقض وسائد الثقافة ومنتجها (الُمبجل)، وكشوفات بواطن (التجربة) المشرقية، وهي ليست تجربة إنما حطام وإشذاذ مترسب. وعلى ذات النهج قام المفكر "علي شريعتي" في كتابيه، التشيع العلوي والتشيع الصفوي، ومسؤولية المثقف؛ المثقف «المقلد» وهو حسب اعتقادي يقع في شريحتين الأولى تبريرية صرفة قوامها تسويغ الثقافة السائدة وتكريسها على نحو ديماغوجي لا أبرئ منها أكثر المثقفين شيوعًا (…)، والثانية ما ذهب إليها شريعتي على نحو موائمة مع المثقف العربي، وهو محق بذلك، فجاءت ثقافته من دون نسيج يرتبط بواقعه الرث. فإجمالًا حتى الحداثة لم تسلم منها، وربما يختلف معي الكثيرون حينما أذكر التجارب الشعرية المحدثة كتنغيم منضبط الإيقاع مع الشعر الغربي.
اعتقد أن الصورة واضحة الآن بما يكفي أن تختفي ملامح الرسالة بصفاتها المطلوبة، وتستبدل لبوسها بمقالات غير منتجة في أغلب الأحيان، فهي نظام رد فعل أو فعل على فعل أو قل جواب الجواب كما في الموسيقى لا يختلف إلا بصوته. ولكي أكون انصافًا هناك من يحاول رد الإعتبار تحت طائلة الاستخدام الرقمي، أو الكتابة من المهجر لضمان أقل الحدود سلامة، فالمثقف الجيد يروز عباراته بالكثير من التورية لإنتاج مضمون نافع في بلدان جُبلت من طينة الاستبداد. وهذا ينطبق على سعة البوح الإلكتروني في يومنا هذا، لكنه يفتقد للأسف إلى المنهجية، وأحيانًا يكون متوترًا لدرجة الرفض عكس ما يحمله أو ما أراد أن يقوله في أقل حال، وهو في حالة شرود من أين سيبدأ وبماذا سينتهي.
أما جانب الإلتباس الآخر في ذات الشأن فهو الإنصراف عن ما أسميه بـ (العزلة)، فالكثير من منتجي الثقافة تدهشهم الأضواء للأسف فيدورون بفلك مؤسسات وشخصيات مانحة، تؤسس إلى ثقافة بوجهين، أولهما المواضعة الهرمة، وثانيهما بؤس الحداثة للأسف. فيحضرني مثالًا عن قامة شعرية مهمة حصل صاحبها على جائزة عربية بقيمة مادية، ثم كتب مقالًا يمس أصحاب الجائزة بهذا القدر أو ذاك، فطالبوه باستعادة مبلغها المادي فسكت ولم يبح!! نعم (سكت ولم يبح) تلك هي الحقيقة. أما الذاهبون للحصول عليها، فهم كثيرون، يطوعون المعرفة لتكريس سلطة ثقافية من بيئة نفطية. وهناك المعتكفون الجميلون منتجو المعرفة الحقيقيون تسعدهم لحظة واحدة، ومضة واحدة، (لايك) واحد على منشور مهم من شخص غير (مهم) فأولئك مقبض الأمل وهم في ازدياد مبهر. كما أن مبدأ التعالي من قبل المثقفين من الأجيال السابقة نراه في تناقص، وهذا أمر مفرح أن يُأخذ بيد المغامر الجديد وتوجيهه.

نعم يا فاطمة الرسائل تدفن لعدة أسباب، منها ما ذكرناه وهو الخاص بفسحة الحرية التي لم تعرفها مجتمعاتنا، إلا على سبيل المصطلح، فهي تنمو خدوجًا، هذا إن ولدت، وما عداه، فحتى مثقفًا اجمالًا يحمل ذات الموروث الذي يحمله الجميع، وبكلمة أوضح نحن مصابون بـ شيزوفرنيا ثقافية، لا أعني الإبداعية منها، ولكن تلك التي تجعل المنتج يدخل ساحة قتال دائمية عديمة الجدوى بين ثقافته الخاصة ومؤهلاته، وبين روز ما يكتبه تحسبًا لعدد من السلطات، مجتمعية وأخلاقية وسياسية، وعلى ذلك عرجّنا على الأدب الصوفي المغامر من باب آخر، فبالرغم من حجم التورية والمقصد الذاهب لما بعد الوجود لم يفلت من العقاب، حتى عاقب الصوفي نفسه بنفسه. وعرجنا على المصاب الـ بارادوكس والتناقض الرهيب بين مسار العقل الحر وبين العقل الُمشرع بالأحكام حتى أصبح ثقافة سائدة. فحتى المنتج الآيروتكي المترجم يخلو من أشد الومضات الإنسانية تحاشيًا لذلك، وعليك تخيل باقي الصورة المشوهة. تصوري أيضا أنت تكتبين نصًا يفترض أن تكون التلقائية ركنه الأساسي، ولكن واقع الأمر غير ذلك، بأن يتم إذلال القوانين الليبرالية المانحة للإبداع، وهي صعبة المنال أصلًا، فتدفعيها بعيدًا، بل بعيدًا جدًا، عن «فوضى القلم»، باستعارة مقاربة ليست قياسية، متأثرًا بجمال التعبير، فيهبط مستوى النص وأنا على يقين بأن الكثير من المبدعين ارتأوا إهمال نسخهم الأولى واستبدلوها بأخرى (مشذبة) وهم تحت وقع الخوف من الإفصاح، وعلى يقين أكثر أن هناك نصوصًا بالغة الكشف والجمال، شخصية وعامة، مدفونة في الأدراج أو في الصدور. ترى أي مدى سيكون المبدع حريصًا على المجاملة التي تحدثنا عنها كذلك، فأنت تجاملين الواقع وتجافيه على نحو ترتجفين منه مع أي اقتراب، أظنك توافقينني ذلك.
في جانبه القديم، ارتأى الأجداد حرق أو طمر رسائلهم، بل كامل النثر القديم لم يصلنا منه الأدب المغامر الذي كان يفترض أن يؤسس إلى مدارس وتيارات، فجعلْنا في يومنا الحديث مسايرة مدارس الغرب الإبداعية من دون أن يكون لنا فيها مساهمة واضحة، إلا على مستوى الصدى وصداه، فتصوري أن كتبًا عظيمة جرى منعها، ومبدعون حقيقيون، عشرات بل مئات جرى اغتيالهم أو قُدموا إلى المحاكم بما فيهم التنويريون أنفسهم. تلك هي هشاشة الفكر الذي نعيشه واقعًا، ذلك هو المقدس الذي كان متشردًا على نحو بدواة وأعراف أتى ليصبح قانونًا يجلّه الجميع، وينتظم ليخيط لنا ثوبًا رديء الخياطة، ناشزًا بألوانه، مضحكًا بمقاساته.
أما تنويعات طمر الرسائل فأنها اتخذت أشكالًا متأثرةً بنوع السبب، فضلًا عن دوافع شخصية أخرى طُمرت أسبابها مع غياب أصحابها، بل وما زالت تلك الأنواع تعلن عن اختفائها بطرق متقاطعة في رفضها للمسببات، فالحرق الفعلي للمساهمات هو اعتراض مُبهر بإشارته تسبب في كتابة نصوص رائعة يحضرني منها رواية 451 فهرنهايت لـ "راي برادبوري"، الكتاب الدي صرخ بوجه الثقافة الشمولية، والنصوص المهاجرة الأخرى التي أدت إلى انتزاع قيمة معرفية مدرسية حينما التقت بمدارس أخرى كالشكلانية وحتى البنيوية؛ وأشعارًا حازت على قيمتها الرافضة في الأدب العالمي كالمهاجرين الروس من جيلهم الأول، وانطوت على الشفافية والتفاؤل في جيلها الثاني فأصبحت لوحدها مساهمات مستقلة؛ والرسائل الوجدانية والعاطفية كأدب ظهر بأجمل تجليلاته في أدب “رسائل الزجاجة”، التي يتم العثور عليها في بحار عظيمة بعد حين، يحضرني منها الرواية الكبيرة (رسالة في زجاجة) لـ نيكولاس سباركس. أما رسائل المكتشفين الجغرافيين التي عثروا على بعض منها مطمورة مع أجساد المكتشفين المتجلدة فهي صرخة إرادة مذهلة، تحضرني منها رسائل كتبها أصحابها الأوفياء كأعظم نصوص في رحلتي الإنجليزي سكوت، والنرويجي أموندسن، فالغريب بهذه الرسائل كانت تدفق بالحياة والوصف المذهل، حتى آخر لحظة يراقبون أنفسهم بأنفسهم آخر نفس متجمد يدخل رئاتهم، مشجعين على المغامرة والحب وفرض قيم الجمال.
ونحن إذ نعقد هنا هذه العلاقة فأننا ننتج أدبًا لم يأتِ على نحو مرثية للغائب منها، إنما نقوم بكشف آخر سيقوم أي مبدع بانتزاع هيبتها واطلاقها للوجود بنص آخر.
شيء آخر ينضوي تحت هذا الفتح هو أدب الرحلات، فهو كاشف مضيء وعمل مشترك بإمتياز بين الكاتب ناقل الصورة ومنتج لها هو (اللحظة المعاشة) بتركيب اجتماعي غير مزوق، وبين متلقي يسعى إلى الفضول والمتعة. والجميل في هذا الأدب هو منقول.
يفلت من العقاب في أغلب الأحيان، وهو حقيقي بدون رتوش وبلا تدبيج ظاهر يقلل من هيبة المعنى وجمال السرد، مشرعًا على مدن وبحار ومجاهل باعتبارها انفعالات اجتماعية متفاوتة الجمال، عناد مشرأب نحو الكشف، أدب برغم قلته أصبح مزدهرًا للحد الذي جعل حتى الروائيون يضمنوننه أعمالهم بقدر ما.

وكخلاصة أنتهي إلى أن كل ما نكتبه الآن من نتاج ثقافي له علاقة أو يندرج معرفيًا في سياق الرسالة الحديثة وبنيتها الأممية، ناهيك عن الخصوصية التي تميزها عن غيرها، فلم تعد المواصفات فردية أو إقليمية، تلك هي الحقائق التي أشرنا لها ووصفناها بالرحلة الإبداعية المشتركة التي ستمتعنا مصاحبتها. كما أن فحوى الخصوصية في الرسالة قد اختلفت وأصبحت انزياحتها موائمة لروحية عصرية شملت مرافق الحياة جميعها وهي في تشابك مثير، فلم تعد الموانع صلبة كما في الماضي فضلًا عن وسائل التعبير التي قربت المشاركة وفضلتها على الفردية، ولذلك يظهر للعلن ما تم حجبه عن النشر في زمن آخر، فأصبح متاحًا كثروة إنسانية، ومصاحبة رومانسية حسية في الوجدانية الإنفرادية وتوئمها العام المعبّر عن بواطن الإبداع والرؤى التي تستحق أن تتنفس فضاء الحرية. وفي المقابل نجد نزوعًا مهمًا في التقبل بعد ما كان مغمض العين أو مصابًا بعمى الألوان في وقت من الأوقات. وفي هذا ما يفسر دفع المراسلات الخاصة للنشر بعد أن كانت حبيسة الانقباض والتخوف من ردود الفعل والاعتراض.

شاكرة وبعمق نحن إدارة الحوار الأديب هاشم مطر في حوارنا معه" الكتابة قطب الأدب وفدامة العقول ، وصناعة الترسَّل– أدب الرسائل- " والذي توسع فيه بميادين أدب الرسائل واتجاهاته وموضوعاته.. فقد ارتقى بأسلوب تعبيره في السمات والخصائص الفنية واللغوية ، وهذا ماميز كتاباته من حيث البناء والألفاظ ، والمعاني والتعبير عنها.
ألتقيكم مع شخصية أخرى قريبًا.