التغيير في السودان ، لا زال في الفَرَسْ وليس الفُرسان !!

عبدالله صالح
2019 / 5 / 3

منذ سبتمبر من العام الماضي وحتى اليوم لازال الحراك الجماهيري في السودان مستمرا . هذا الحراك ادى الى الاطاحة بالدكتاتور عمر حسن البشير الذي استمر في الحكم لمدة ثلاثين عاما مستخدما القبضة الحديدية ضد معارضيه . كان شعار الحراك في ايامه الاولى ضد الفقر وارتفاع اسعار السلع الاساسية ،تطور فيما بعد لتزداد سقف المطالب الى عزل البشير ، تحقق هذا المطلب اواسط شهر نيسان بعد أن اعلن عدد من الجنرالات الذين كانوا يحيطيون بالبشير من قبل، تخليهم عنه حين ادركوا بان التمسك به رهان خاسر أمام غليان الشارع .
قيادة الحراك منذ بداياتها كانت بيد ـ تجمع المهنيين السودانيين ـ الذي يتألف من (نخبة مثقفة) من أطباء واساتذة جامعات و مهندسين .... ثم ما لبث ان انظمت قوى أخرى الى قيادة هذا الحراك ليتم تشكيل ـ اعلان قوى الحرية والتغيير -الذي يضم احزابا قومية ويسارية واحزابا من اقليم دارفور وحتى بعض الاسلاميين . ما يجمع كل هذه القوى هو هدف مشترك يتمثل في تأسيس دولة مدنية ، دون التطرق الى ماهية هذه الدولة، فلكل من هذه القوى، عدى المطلب العام المشترك ، مطالب خاصة بها ، فمثلا الاطباء تحسين الخدمات الصحية ، اساتذة الجامعات تحسين الوضع التعليمي و....
ما يلفت النظر في هذا الحراك هو المشاركة الواسعة للمرأة في التواجد بكثافة وباستمرار في ساحات التظاهر والاعتصام وفي قيادة الحراك كذلك ، ليس هذا فحسب ، بل تم تشكيل منظمة نسوية باسم – ميدانك – والتي تعرف نفسها بانها حركة نسوية ثورية مستقلة .
لاشك بان المرأة في السودان كانت الضحية الاكبر التي عانت الكثير في ظل الحكم الاسلامي / القومي للبشير من ظلم واضطهاد وتحديد للحريات الجماعية والفردية في ظل قوانين مستوحاة من الشريعة الاسلامية وفرض نظام ذكوري متخلف لا يعير أي اهتمام للمرأة ولانسانيتها ، لذا نراها اليوم تقف في الصفوف الامامية لهذا الحراك .
يُثبت التأريخ بأن الاحداث التي تقع في بقعة جغرافية ما وتؤدي الى تغيير في الوضع السياسيى الاجتماعي ومن ثم الاقتصادي ، لايتوقف مداها في ذلك الاطار الجغرافي فقط ، بل يتعداها الى مديات أوسع ، هذه الحقيقة بالنسبة للسودان تأخذ معنى آخر اذا مانظرنا الى الموقع الجيوستراتيجي لهذا البلد كونه قاسما مشتركا يقع ضمن اطار (البلدان العربية) و (البلدان الاسلامية) والقارة الافريقية . لذا فان أي تغيير يحصل في هذا البلد ستظهر أثاره في المناطق الثلاث المذكورة وهذا بالضبط هو ما دفع بدول هذه المناطق للاسراع بالتدخل للإبقاء على الوضع كما هو والاكتفاء بتغيير صوري من خلال اعلان دعمهم للمجلس العسكري ماديا ومعنويا ، فجاء المحور المصري السعودي الاماراتي اولا ثم الاتحاد الافريقي وحتى اوروبا وامريكا بشكل من الاشكال .
السياسة النيوليبرالية التي يتخذها النظام الرأسمالي العالمي في مختلف بقاع الارض كوسيلة لديمومة تواجده كنظام طبقي، والتي تتلخص في استيلاء الشركات الاحتكارية الضخمة على مجمل مفاصل الحياة الاقتصادية في البلدان وذلك بتحويل كل ما هو موجود في القطاع العام الى القطاع الخاص وخصخصة جميع وسائل الأنتاج ومن ثم تحديد مسؤولية حكومات الدول بالاكتفاء بمراقبة هذا الوضع والابقاء عليه والحفاظ على ديمومه واستمرارية هذا النظام فقط ، أثر بشكل مباشر على الحياة الاقتصادية للطبقة العاملة والكادحيين والمفقرين فزاد من معاناتهم الموجودة اصلا ، ليس هذا فحسب بل وتعدت اثارهذه السياسة لتشمل الشرائح المتوسطة من المجتمع كذلك. حركة السترات الصفراء في فرنسا ، والحراك الجماهيري في الجزائر والسودان ناجم عن تداعيات هذه السياسة مع فرق واحد في ما يخص معاناة جماهير الدول المسماة بـ (العالم الثالث ) والذي يتمثل، بالاضافة الى التجويع، في سياسة القمع والترهيب كذلك .
الحراك الجاري في السودان لا يمكن اعتباره امتدادا للـ - الربيع العربي ـ بصورة مباشرة ، مميزات هذا الحراك هي كونه حراك جيل شاب يبحث عن مستقبل أفضل وعن حياة حرة كريمة تسودها الحرية باوسع معانيها والمساواة التامة ،حراك المرأة ضد القوانين التي تقيدها وتجعل منها انسانة دونية ، نماذج حراك كهذا، وخلال منعطفات تاريخية ، سبق وان تمت تجربته في العديد من البلدان الاخرى تحت قيادة فئات مجتمعية تتبنى سياسات ومناهج الاحزاب القومية من بعثية الى ناصرية ، وسياسات ومناهج الاحزاب الاسلامية من أخوانية الى طالبانية وما الى ذلك ، جميعها نالت حصتها في تكوين وادارة الدول وفشلت. لذا نرى اليوم بأن المشاركين في الحراك الجاري تركوا هذا الماضي خلفهم و لا يعيرون اي اهتمام للمواقف السياسية للاحزاب القومية والاسلامية هناك، فحزب الامة القومي بقيادة الصادق المهدي، على سبيل المثال، الذي لم يكن له دور ملموس في هذا الحراك اخذ يتوسل بسياسة مجاملة العسكر املا بالعودة الى دفة الحكم مرة أخرى ناسيا بأن هؤلاء العسكر هم من اطاحوا به من السلطة عام 1989. كذلك حزب الزعيم الديني عبدالحي يوسف الذي رُفض طلبه من قبل المجلس العسكري للقيام بتظاهرة تطالب بتحكيم الشريعة الاسلامية . الجماهير في السودان نالت الكثير من المآسي والويلات على يد تلك الاحزاب وسياساتها لذا هي غير مستعدة اليوم لتكرار تجارب الماضي الذي اصبح في خبر كان ، اليوم التأريخ يكتب نفسه من جديد على يد هؤلاء النساء والرجال ، على يد هذا الجيل الجديد التواق الى الحرية من شابات وشبان .
ولكن يجب أن لا ننسى بأن ما جرى في السودان حتى الآن هو تغيير في الوجوه وتقسيم آخر للادوارفقط رغم عبور موانع عديدة على طريق الانتصار النهائي ، فالثورة المضادة لازالت موجودة وتقوم بتجميع صفوفها وقواها أملا في العودة من الشباك بعد أن طُردت من الباب ، النموذج المصري مازال باقيا في الاذهان كيف ركب الجيش موجة الحراك الجماهيري ضد سلطة الاخوان المسلمين هناك وبالتالي تمت سرقة الثورة من يد الجماهير وأُعيد العسكر من جديد الى دفة الحكم في 3 تموز ،2013 ولكن هذه المرة بلباس مدني وانتخابات مزيفة وبرلمان صوري يعزف وفقا لما يريده المايسترو عبدالفتاح السيسي.
ان المخاوف من اعادة التجربة الفاشلة للحراك الجماهيري في مصر لازالت قائمة في السودان ، فمحاولات قوى الثورة المضادة تأتي في ظل غياب الدور السياسي الفاعل المؤثر الحياتي والمستقل للطبقة العاملة ، هذا الدور إن وجد ، سيكون بمثابة العمود الفقري لهذا الحراك لكونه سيرفض أية مساومة على أهدافه المتمثلة بإيجاد سلطة تبني مجتمعا حرا تسوده المساواة التامة والرفاهية والعيش الكريم لكل أطيافه ، سلطة قادرة على تحقيق ذلك الهدف الانساني النبيل . إلا أن القيام بهذه المهمة من قبل الطبقة العاملة واستمرارها حتى النصر النهائي مرهون بوجود حزب شيوعي ماركسي ثوري قادر على توحيد صفوف هذه الطبقة وقيادتها وجَمع مختلف الشرائح الاخرى حول رايتها الثورية حتى بناء المجتمع الاشتراكي.


3 / 5 / 2019