لماذا لا أوافق علي شعار ((يسقط حكم العسكر )) ؟

حمدى عبد العزيز
2019 / 4 / 30

منذ سنوات وهناك الكثيرون ممن يرفعون شعارهم المحبب (يسقط حكم العسكر) كلما اشتدت الغضبة علي الأوضاع السياسية السلطوية في مصر ..

ويعتقد الكثيرون أنه بطرح هذا الشعار فإن طارحه قد وصل إلي أكثر الشعارات ثورية وأنه قد قدم الشعار الفاصل من أجل التغيير المنشود .. مع أنه في حقيقة الأمر شعار يحمل طرحاً ملغماً بالإلتباس ، وبالمشكلات التي تحول دون تغيير حقيقي بمعناه التقدمي ..

أولاً /
لنبدأ بالجزء الخلفي من الشعار ونترك مقدمته التي تشكل الفعل (يسقط) إلي تناول البند ثانياً

فشعار (حكم العسكر) فهو شعار يطمس حقيقة التناقضات التي تحكم مشكلات واقعنا الذي نريد تغييره إلي الأفضل ، وجعلها بعيداً عن أن تكون هدفاً رئيسياً لأي نضال ثوري من أجل التغيير الحقيقي ، فهو يغطي علي طبيعة النظام المهيمن من حيث التحالفات السياسية والرؤوس والأجنحة الحاكمة التي تعبر عن تحالف طبقي اجتماعي يمثل النظام السياسي تعبيراً عن هيمنته وسلطانه المالي والاقتصادي والإجتماعي والثقافي ..

وهو بهذا شعار مضلل ومزيف للطبيعة الحقيقية للسلطة الحاكمة التي هي سلطة تحالف الرأسمالية المصرية الرثة ذات الطابع الوظيفي الكمبرادوري برؤوسها وأجنحتها السياسية والدينية والعسكرية وتعبيراتها الإدارية النافذة في عمق أجهزة الدولة ..

وطرح هذا الشعار (إسقاط حكم العسكر) معناه فتح باب القبول بإمساك قوي التأسلم السياسي الفاشية علي اعتبار أنها قوي "غير عسكرية" أو القبول بهيمنة أقصي اليمين المدني ، أو القبول بمجرد تخلص التحالف السياسي المهيمن من رموز جناحه العسكري ..

فضلا عن أن اصطلاح العسكر هو اصطلاح لايفصل بين بعض جنرالات الجيش من ذوي الإرتباط البنيوي مصلحياً ومجتمعياً بالتحالف المهيمن طبقياً (ومن ثم سياسياً) عبر تلك الإرتباطات التي نشأت في منتصف الثمانينيات وحتي تارخنا سواء فيما يتعلق بالنشاط الإقتصادي أو تلك الإرتباطات التي ارتبطت بتوجهات وتطورات العلاقات الإقليمية والدولية التي ترتبت علي عقد معاهدات مايسمي بالسلام مع الدولة الصهيونية ، أو تلك التي ترتبط بالمناورات والعلاقات العسكرية الإقليمية والدولية ..

المصطلح هنا لايفصل بين هؤلاء وبين باقي ضباط وجنود القوات المسلحة من أبناء المصريين من العمال والفلاحين ، والمهنيين والمستخدمين والفنيين ومتوسطي الحال وماتحت الرأسماليات الكبيرة في السلم الإجتماعي المصري ..

كذلك فإن هذا المصطلح يتعارض مع فكرة الحفاظ علي الجيش كأحد أجهزة وأذرع وقوة الدولة القومية وينبغي أن يظل كذلك بعيداً عن أي تجاذبات وصراعات سياسية ..

ولعلنا هنا أمام أمر جري جدير بالملاحظة والتوقف عنده كدرس بليغ
ألا وهو ..
أن الذين يهتفون بشعار يسقط حكم العسكر اليوم هم من رحبوا في 25 يناير 2011 بتولي المجلس العسكري (وكان هذا لايعني الجيش) زمام الأمور ، وانصرفوا من الميادين بمجرد أن تولي المجلس العسكري السلطة متفرغين للإحتفال بالأعلام والأهازيج محلقين كالفراشات التي تحلق حول وهج النور المميت في أضواء الشاشات الفضائية والمنصات الإعلامية دون عمل حقيقي علي الأرض يكرس لمشروع بديل لإدارة لم يكن حاضراً من بداية الإندلاع الشعبي الكبير

كذلك هم كان من بينهم من أطلق الدعوات بعد 30 يونيو لترشح وزير الدفاع آنذاك لرئاسة الجمهورية ، ومنهم من ظل لايمانع في ذلك وفي وجود دور سياسي للمؤسسة العسكرية ، بل وغالبيتنا الساحقة كانت من هذه القوي والتيارات التي كانت تستدعيها للمشاركة في إزاحة الفاشية الدينية قبل 30 يونيو 2013 ..

هذا كان يوضح بجلاء أن مشروعاً سياسياً وتنظيمياً ثورياً وطنياً تقدمياً لإدارة الدولة لم قد أتممنا امتلاكه بعد كأساس لنضوج العامل الذاتي الذي لانوليه للأسف ذلك العكوف الذي يستحق الجهد والمثابرة والتضحية بذواتنا الخاصة،
وهذا مدخل للنقطة ثانياً فيما يتعلق بالجزء الأمامي للشعار ((يسقط)) ..

ثانياً /

فيما يتعلق بالشعار (يسقط) فهو طرح لايتم إطلاقه وفقاً لمجرد الرغبة في اسقاط النظام ، وإنما يتم طرحه وفقا لنضج الشروط الموضوعية والذاتية لإسقاط هذا النظام ..

، ومن نافلة القول أن هذا لاعلاقة له بقبول هذا النظام أو معارضته أو رفضه ..

فعدم طرح شعار (يسقط) لايعني قبول النظام والإقرار به كماهو أو مع بعض التعديلات ، وإنما يعني في الأساس أن توقيت طرح هذا الشعار في وقت ما يكون توقيتاً غير ملائماً يحمل الكثير من عناصر المغامرة والمقامرة والمخاطرة بفكرة التغيير ذاتها وتعرضها للسقوط ذاتياً بسقوط قواها التي تعجلت في طرح لم يستجب له أصحاب المصلحة الحقيقية في التغيير ..

وقبل أي حديث عن جدوي تلك هذه الإستجابة وقدرها وقدرتها علي التقدم والفعل فإنها ستظل هي مهمة متقدمي الصفوف من المناضلين الذين يجب أن يراكموا الجهد في سبيل تحقيق هذه الإستجابة ..

بمعني أنه لابد لطرح شعار كهذا من تعمق أزمة النظام ذاته بمعني تفاقم عجزه عن الحكم بالأساليب الديمقراطية والأساليب القمعية ، وتفسخ مشروعه السياسي لإدارة الدولة وضعف قوة حلفائه وجماهيره..

ثم لابد من نضج المشروع الوطني التقدمي (بما يجعله مشروعاً ثوريا) من حيث قواه الذاتية المتمثلة في أوضاع قيادية وجبهوية تحمل مشروعاً تقدميا للتغيير (التغيير للأمام وليس للخلف ، ولإنتاج أنماط وعلاقات مجتمعية جديدة وليست لمجرد تحسين ذات انماط ماهو قائم) ..

وتلتف حول هذا المشروع وقيادته الثورية المنظمة والموحدة جماهير شعبية مؤثرة وفاعلة
وسيثور السؤال .
ماذا سنعمل الآن..
الآن خيارنا هو العمل علي انضاج ماسبق من شروط عبر
- الكشف الموضوعي المستمر عن تناقضات النظام وتناقضات العلاقات والأنماط التي يعير عنها ، ومدي الظلم والإنضغاط الإقتصادي والإجتماعي والسياسي الذي يلحق بأوسع الشرائح والتشكيلات الإجتماعية من جراء سياسات السلطة القائمة وكشف طبيعتها القمعية .

- الكشف والفضح المستمر لأفكار وعناصر التخلف الإجتماعي والثقافي التي تعمل كآلية من آليات تزييف وتدمير الوعي ، وكأحد كوابح نضج المشروع الثوري الوطني التقدمي ، وهي المتمثلة في أفكار وعناصر التأسلم السياسي وكذلك كشف وفضح أفكار وعناصر الإبتزال الثقافي
، و مراكمة هذه النضالات بالتوازي مع النضال من أجل تنوير ، ورفع الوعي السياسي للجماهير الشعبية والوصول به إلي درجة الوعي بضرورة التنظم والإنخراط في صفوف المناضلين من أجل المشروع الوطني الثوري التقدمي الذي يحقق مصالح الشرائح الإجتماعية التي تنتمي إليها هذه الجماهير ..
_____________
حمدى عبد العزيز
29 إبريل 2019