فيلم (الطريق الايرلندي) يفضح جرائم الشركات الامنية الاجنبية في العراق

علي المسعود
2019 / 4 / 26

فيلم (الطريق الايرلندي) يفضح جرائم الشركات الامنية الاجنبية في العراق
ROUTE IRISH

علي المسعود

"روت آيريش" أو (الطريق الإيرلندي) هو الاسم الذي اطلقه الأميركيون على الطريق الواصلة بين مطار بغداد الدولي والمنطقة الخضراء المحصنة في العاصمة العراقية. وهذا هو اسم الفيلم الذي إخراجه " كين لوتش"، ويشير الفيلم إلى أنها "أخطر طرق العالم". والمخرج البريطاني كين لوتش، هومخرج سينمائي بريطاني، يُوصف بأنه متمرد لتناول أفلامه قصص المعاناة الإنسانية، وهو مواليد 17 يونيو عام 1936 في بلدة "نانيتون" الإنجليزية ودرس الحقوق في جامعة أوكسفورد، قبل أن يتحول إلى إالاخراج منذ 40 عاماً، أخرج " لوتش" العشرات من الأفلام للسينما والتلفزيون، والتي تناولت معاناة المشردين، مثل فيلم "كاثي عودي إلى البيت"(1966)، والحرب الأهلية الإسبانية في فيلم "الأرض والحرية" (1995)، والصراع في إيرلندا في فيلم "الأجندة الخفية" (1990) وفيلم "الريح التي تهز سنابل الشعير" الفائز بجائزة السعفة الذهبية في مهرجان كان وعرض عام 2006. يعتبر لوتش من أبرز المخرجين البريطانيين حالياً، ومن أشد المقاطعين لـ"سرائيل" نشاطاً، فقد أطلق العديد من البيانات والدعوات ورسائل المقاطعة للمثقفين والفنانين ممن كانوا ينوون إقامة حفلات أو الذهاب إلى "إسرائيل"، وكانت وما زالت عبارته الشهيرة " لا تظهروا في بلد يقوم على نظام الفصل العنصري"، كما أنه تبرّع بكلّ عائدات عرض فيلمه "أنا، دانييل بليك" لصالح حركة "المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات على إسرائيل"، وكان فيلم " أنا دانييل بليك" قد حاز على سعفة "كان" الذهبية 2016، واشتهر المخرج البريطاني كين لوتش بتجسيد مواقفه وقناعاته السياسية في أفلامه، وهو احد القلائل في العالم الذين ما يزالون يعتقدون بقدرة الفن على التغيير وعلى تحقيق إنجازات ومكاسب بغية النهوض من بؤس الأوضاع بعيدا عن المفهوم الاستهلاكي والدعائي الفج لوظيفة الفيلم. في أعماله السينمائية الشهيرة، يلحظ أسلوبه الواقعي وحرصه على نقل واقع الطبقة العاملة، بصعوبة حياتها وبساطتها، ويضع شخصياته غالباً أمام خيارات صعبة، اقتصادية كانت أو سياسية. لوتش يساري مخضرم، في فيلمه "الطريق الايرلندي" يشير إلى المؤسسة الأمنية الأمريكية (وشركة بلاك ووتر) التي طالتها فضيحة مماثلة قبل بضعة أعوام، فضح المخرج " لوتش" جرائم الشركات الامنية العاملة في العراق، ومنها حوادث عدة قتل فيها مدنيون بنيران بلاك ووتر، ومنها واقعة "ساحة النسور" في بغداد في سبتمبر/أيلول 2007، والتي قتل فيها 17 عراقيا وجرح 18 آخرون، كما تتحدث الوثائق السرية عن 14 حادثا آخر قتل فيها عشرة عراقيين وجرح سبعة آخرون بنيران بلاك ووتر، وفي فبراير/شباط 2005 كشفت الملفات سقوط 4 مدنيين جرحى بنيران شركة أمنية خاصة مجهولة، وفي مايو في السنة التالية أطلقت عناصر بلاك ووتر نيرانهم على سيارة إسعاف فقتلوا سائقها، وكان الصحافي الامريكي البارز "جيرمي سكاهيل" قد اصدر كتابا حمل عنوان "مرتزقة بلاك ووتر.. جيش بوش الخفي"، كشف فيه بعض الجوانب الخفية عن عملهم بالعراق حيث تصل اجرة الشخص الى 1500 دولاريوميا. ويروي في كتابه بداية انطلاق شركة او جيش "بلاك ووتر"، الذي وصفه بانه اقوى جيش للمرتزقة في العالم، بعد ان تبنى البنتاغون سياسة جيش القطاع الخاص التي وفرت له اكثر من مائة الف من المرتزقة يقاتلون في العراق لصالح الجيش الامريكي. تبدأ أحداث فيلم "الطريق الايرلندي" في عام 2007 في مدينة ليفربول، حين يعود فيرغوس (مارك واماك) الموظف السابق في الشركة الأمنية، إلى مسقط رأسه ليفربول لحضور جنازة صديق طفولته فرانكي (جون بيشوب) ، و كان أيضأ زميله في العمل الشركة الامنية والذي قتل على "الطريق الأيرلندي"، وهوالطريق المميت الذي أصبح سيئ السمعة بسبب خطورته وهو الطريق الرابط بين مطار بغداد و المنطقة الخضراء. عند حضور"فيرغوس" (الممثل مارك ووماك) مراسم عزاء صديقه وزميله المقرب( فرانكي) ، يشتد غضبه لموته وينوي الثأر لحياة صديق طفولته والبحث في الظروف الغامضة التي تسببت بمقتله ويشعر صديقه الأقرب فيرغوس، بالمسؤولية عن موت صديقه بعدما هو شجعه على الذهاب إلى العراق مغريا إياه براتب كبير. ويدفع هذا الواقع فيرغوس، ذا الخبرة في العمل الأمني والمخابراتي، إلى الانطلاق بتصميم كبير في بحث وتحقيق حول ظروف مقتل صديقه، والتي تبدو غامضة وأكثر تعقيدا مما تعلنه الشركة الأمنية. رفض فيرغوس قبول الرواية الرسمية لوفاة صديقه المقرب له ، وبدأ تحقيقه الخاص مدعومًا باكتشاف هاتف خلوي، سجل فيه فرانكي حادثة إطلاق النار على عائلة عراقية بريئة قبل أيام قليلة من وفاته، بالإضافة إلى إكتشافه الانتهاكات التي ترتكبها الشركات الأمنية الخاصة على الأرض في العراق ، ويلتقي بزوجة صديقه القتيل (أندريا لوي)، ويحاول معرفة كيف مات صديقه؟، يأخذ " فيرغوس" على عاتقه الثأر لمقتل صديقه " فرانكي" لكنه قبل ذلك يلجأ إلى عملية بحث وتحقيق عن الظروف التي أدت إلى مقتله ليصطدم بعدها بوقائع جديدة تتعلق بادوار وعمل شركات الأمن الخاصة في العراق. وكلما ينقب في التحري والتحقق عن الحادث ، يكتشف المزيد من الفساد والنفاق، ويستكشف الفيلم العالم الغامض الذي يعيش فيه الجنود البريطانيون السابقين والذين عملوا لدى شركات أمنيةً في العراق حيث يعاني معظمهم من مشاكل نفسية، كما يتطرق العمل الى معاناة العراقيين في ظل الإجراءات التعسفية لقوات الاحتلال ومنها مداهمة المنازل ليلا والاعتقالات العشوائية والتعذيب في السجون وغيرها من الصور المروعة التي ذكرت الجمهور المشاهد بجرائم شركة بلاك ووتر الامنية، وتغلّبه على المصاعب وكشفه الحقيقة في نهاية الفيلم رغم شراسة ذلك الصراع. ويتحدث كاتب سيناريو الفيلم بول لافرتي -الذي سبق له وأن كتب عدّة أعمال للمخرج لوتش" الفيلم يتحدث عن مؤسسة أمن بريطانية تصدر رجالها إلى حيث تكمن الحروب، وما الذي يحدث عندما تعود جثّة صديق لبطل الفيلم فرغوس (ووماك) فيصدم، فالفقيد كان من أعز أصدقائه ومن أجله يقتحم الكنيسة ليلاً ويكسر التابوت لينظر إلى وجه صديقه للمرّة الأخيرة". لايظهر لنا وجهه، لكننا نعي أن الجثّة مزّقت وشوهت بالرصاص، بذريعة أن كميناً نُصب له من قِبل مقاومين عراقيين. لكن فرغوس غير راض عن هذه الرواية ويبدأ بحثاً عن الحقائق من تلك النقطة وحتى نهاية الفيلم. وكلّما مضى أبعد قليلاً في تحقيقاته تبيّن أن المسألة لها علاقة بمحاولة التستّر على مذبحة أخرى قام بها رجال تلك المؤسسة قتلوا خلالها سائق تاكسي وحمولته من الركّاب الأبرياء. الواضح أن صديق فرغوس " فرانكي" لم يكن ليرضى بأن يصمت عما حدث ، مما يتطلّب إخماده و اسكاته قبل أن يتسبب في فضيحة تضر بالمؤسسة الامنية وسمعتها التي تساوي عشرات ملايين الدولارات على شكل مهام عسكرية، وفي تابين جنازة القتيل " فرانكي" أثار غضب فيرغوس خطاب ألقاه مدير المؤسسة الامنية " هاينز"، الضابط السابق في الجيش البريطاني و الذي يدير الشركة الأمنية، مشيدا بإخلاص فرانكي لواجبه كجندي ، ثم إيمانه بأنه "قوة من أجل الخير" ، ويساعد في "الأمة" بناء "كعامل أمن. ومما أثار فيرغوس أن الضابط هاينز سلم بطاقة عمله إلى رجال يرتدون الزي العسكري لغرض تجنيدهم في شركته الامنية خلال قداس جنازة صديقه فرانكي . فيهجم عليه فيرغوس ، باعتباره منافقًا خادعًا وليس مواطناً شريفًا يحترم الذين سقطوا ضحايا لاطماعه وجشعه. مع وصول فيرغوس إلى اثنين من الأدلة الرئيسية، هاتف فرانكي المحمول وهاتف عائلة عربية. لقد قادوه إلى الاعتقاد بأن موت فرانكي لم يكن مجرد حادث ، وإنما كان محاولة لإسكاته كجزء من عملية تستر كبرى. هنا ، يبدأ فيلم الإثارة أثناء في تجنيده كمساعدين في تحقيقه الخاص مع بعض الزملاء السابقين الذين ما زالوا في بغداد (الذين يتحدث إليهم عبر سكايب)، و أحدهم منفي عراقي كردي يتمتع بمهارات تكنولوجية وهو أيضا موسيقي ومغني) ويقول بالدور العراقي الكردي " طالب رسول"، وكذالك "ريتشيل" ، صديقته وهي زوجة فرانكي (أندريا لوي)، وعند تنزيل الرسائل النصية من الهاتف ، و كذالك ترجمة الرسائل من العربية الى الانكليزية وبمساعدة الاجى العراقي " هريم " وكذالك التحدث مع المراة العراقية والدة الطفلين الذين قتلوا على الشركة الامنية ، وإجراء مقابلات ( السكايب) مع أشخاص في العراق و والاستفادة من خبرته في استخدام تدريب القوات الخاصة به في التعقب والمراقبة ، يكشف فيرغوس عما كان يظنه بان حادثة قتل صديقة هي في حقيقة الامر، مؤامرة لإسكات فرانكي. وفي مقطع فيديو مخزون على هاتف فرانكي المحمول، يظهر عائلة عراقية يستمتعون بكيكة عيد الميلاد والآيس كريم في حفلة عيد ميلاد لولدهم ( طيف)،
الفيلم من إنتاج بريطانيا، 2010 )، وصور واقع العراق في ظل الاحتلال، وفي حديث للمخرج البريطاني كين لوتش عن فيلمه الروائي "الطريق الايرلندي " قال" الفيلم يسلط الضوء على عذابات إنسانية لأفراد من المواطنين العراقيين جراء الحرب التي شنت على العراق وانعكاساتها"، وأضاف" أتمنى أن أشاهد العديد من الأفلام السينمائية العراقية والعربية التي تروي قصص وحكايات هذه الحرب التي عانى منها المجتمع العراقي والإنساني "، اي يعاين انعكاسات الحرب على العراق، المخرج البريطاني كين لوتش يعتبر صاحب مواقف وأفكار إنسانية متحررة عكستها أفلامه المتنوعة التي استقبلت بأشادة عشاق السينما مثلما تلقت جوائز رفيعة من بينها جائزة الأسد الذهبي في مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي. واعتبر الفيلم " الطريق الأيرلندي" كواحد من ابرز الأفلام العالمية التي عرضت باحتفاء نقدي ضمن مهرجان (كان) السينمائي . وحضر عرض الفيلم في مهرجان كان إلى جوار المخرج لوتش، منتجة الفيلم "ريبيكا اوبراين " وكاتب السيناريو "بول لافرتي" الذي شارك في الحوار مع الحضور عقب العرض، اعتبر المخرج السينمائي البريطاني كين لوتش خلال حواره على هامش مهرجان كان "أن على رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير “أن يحاسب على مسؤوليته” بشأن حرب العراق، وأوضح في مقابلة مع تلفزيون مهرجان كان بشأن فيلمه “روت آيريش” (هذا موضوع أردت وبول (لافيرتي كاتب السيناريو) تناوله منذ سنوات. الحرب ضد العراق شكلت جريمة، حرب غير شرعية مع عواقب إنسانية كبيرة جدا وهي تستند إلى أكاذيب.وينتقد الفيلم بشكل لاذع أهوال الحرب في العراق وفظائعها والتجارة المحيطة بها). وأضاف “الأشخاص المسؤولون عنها لا يزالون طليقين وهذه وسيلة لتركهم تحت المراقبة". وقال بغضب إن رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير “أصبح موفدا للسلام في الشرق الأوسط هذا (...) يجب أن يحاسب . الفيلم رائع بشكل أساسي لأنه يتعامل مع قضية قوات المرتزقة في الشرق الأوسط. فيلم كين لوتش "الطريق الأيرلندي"، هو بمثابة رده على الحرب في العراق ، موضوعات تابعها في عدة مناسبات ، بما في ذلك الجرائم المرتكبة باسم الدولة ، وحشية العسكرية، واستغلال العاطلين عن العمل وتشغيلهم مرتزقة، يعملون على إساءة معاملة للسكان الأصليين. وفي فيلمه أتاح المخرج لوتش أتاح مساحة أكبر لتقديم شخصيات عراقية، فهناك شخصية رجل عراقي كردي " هريم" ويؤدي الدور( طالب رسول) يساعد في حل القضية معرّضاً حياته للخطر، هو أيضاً مغني ويستمتع المشاهد بالغناء العراقي أمام جمهور يشار اليه من المثقّفين والمعارضين، كما يرصده الفيلم مرّة أخرى حين تداهم شقّته فرقة من المسلّحين الذين يبحثون في حوزته عن هاتف جوّال يساعد في كشف حقيقة ما جرى حين قام رجال المؤسسة بفتح النيران على التاكسي وركّابه ، ويقوم بدور البطولة في الفيلم "ومارك لوماك" وكذالك الممثل " جون بيشوب" والممثلة والمغنية الأسبانية نجوى نمري، أداء مذهل من مارك لومارك وكذالك الممثل الكوميدي جون بيشوب الذي يظهر في هذا الفيلم بشكل مختلف عن طبيعة أداواره ، بالرغم من قصر دوره لكنه أبرع في أداء دوره. فيلم "الطريق الايرلندي" صور جزئيا في الأردن. وكان ختام الفيلم من اجمل النهايات ، حين يكون الختام مع صوت المغنى العراقي الكردي " هريم " (طالب رسول) يرتفع في الغناء لقصيدة الشاعر" نزار قباني" ، صوت مؤثر وحزين ، في صوته الرثاء ، لربما للعراق أو للذين سقطوا ضحايا الحرب ونبرة الحزن في الصوت يعطي الفيلم إحساسًا غريبًا مسكونًا بالوجع:
مُـدّي بسـاطيَ وامـلأي أكوابي
وانسي العِتابَ فقد نسَـيتُ عتابي
عيناكِ، يا بغـدادُ ، منـذُ طفولَتي
شَـمسانِ نائمَـتانِ في أهـدابي

علي المسعود
المملكة المتحدة