مراثي في وجوه رحلت

فاطمة الفلاحي
2019 / 4 / 25

ما تأثير التصوير البياني على أخيلة وتشبيهات واستعارات الكاتب في رسائل المراثي" رفقة الخريف !؟" من "الكتابة قطب الأدب وفدامة العقول ، ومن صناعة الترسَّل– أدب الرسائل-" الجزء الثالث من الحلقة الرابعة من حوارنا مع الأديب هاشم مطر في"بؤرة ضوء"


- ترك دفتر أشعاره رهين حضن أمه وذاكرة النبض.. يتوقف الزمن عند صباح المرعي حين تعلو السحاب قلبه أصوات النوارس.. فتستفز وجعه، وهذيان التيه، حين يأخذه الشوق في أول فراق عند مرافئ الحنين... وحدها سودوكي* غادرها ضوء روحك فكانت بحجم خذلانك لمشاعر رفقة الخريف .. ذات غفوة أخبر القدر رفقته أن صباح قد نام دون أن يشغل مساحة الضجيج في سكون الكون البارد.

- الحزن الذي أهداني إياه الأديب هاشم مطر لم يبق في عالم الأبجدية من حروف تجيد مراسيم الكتابة بحق الراحل وليد جمعه ؛ أدنى متسع كي أغدقه هذه اللحظة بحروف تلامس شغاف قلوب محبيه المملوءة به ، أمنحهم بركة نعمة النسيان لجائحة الحزن التي ألمت بقلوب رفقة الخريف.

- هناك الكثيرون ممن يجيدون سرقة الفرح برحيلهم من حبات أيامنا. كان هو رحيل هاشم القريشي- أبو علي -، لكنه يبقى هناك في ذاكرة أصدقاء الخريف، في زاوية ما ، وخوابي الصدور .

- ماذا يعني الموت في متاهات الغربة ، حين تتماهى آهات الأنين لمنافينا الكثيرة ؟

- أَ نستغفر أوجاع غربة الروح من تلك الآهات وتنادم أحزاننا ظله الذي قبض على قلوب أحبة الراحل الروائي والكاتب سعد محـمد رحيم. ؟

إليك أيها الفرح سنمضي .. اعصمنا من ذات حزن جديد، كي لا نضطر لشرب مرارة الفقد دهاقًا.

إليك باقي حروفي :
- كيف ستلملم الرسائل وشظايا المرايا من على شرفةِ ذكريات الفقد ؟
- هل ستكاتب طبيبك الذي يجري عملية للقلوب بدون تخدير أن يصف "ترياقًا" للقلوب التي لاتفقه للنسيان معنى ؟
- هل ستختصر الوجع الذي يعاقر "غسق الدجى" في رسالة وصفية لا يواريها ظرف ولا يدنسها مداد بحق صباح والقريشي وسعد والوليد ؟


هاشم مطر يقول:
لاحظت حجم التأثر في سؤالك الثالث فأستخدمه كجواب ايضا! هنا الأمر غير قابل للقسمة، ففكرة المغادرة بحد ذاتها هي حضور دائم لمن نحب ونعشق، فكرة لا علاقة لها بالموت، فأن عُنينا بها من هذا الجانب سنظل نبكي وننتحب. ولكن ماذا عن الحزن هل نتركه جانباً ونكتب مرثية من انشاء بليد، او ادعية واستذكارات؟ نحن قلنا في حلقاتنا السابقة وهذه الحلقة ايضاً ما معناه ان نوظّف كل العوامل ونسخرها في سياق نشاط النص وازدهاره، وهنا نتوقف عند (الألم) كفكرة وجودية خالصة.
انا اجزم ان كل انواع الكتابة لم تفِ بخلق معادل لها، لسبب ان حجم الشقاء في اتساع حتى ونحن نكتب فأن عالماً من المآسي يحصل، بل نراه كصورة ملونة وليس كغبش عابر او سراب مطلّ، انها حالة فردية صرفة لها علاقة بما يحدث، وعليه توجب ايجاد معنى مغاير للمتداول كـ الألم والشقاء والحزن..الخ، وجودياً حسب. لذلك ذهبت عشرات الأعمال بمجلداتها الضخمة لاعادة انتاج ذات الفكرة. خذي مثلا الادب الروائي في القرنين الماضيين، ماذا ستجدين؟ الجيد منها هي انتصار لحُزم الألم وليس العكس، في وقت كان الكاتب مجهدا ومجتهدا من أجل لإنتصار عليه!! بعظهم داهمه المرض ومات. حتى يتحول الأمر الى سؤال في ذهن الكاتب، غير ان هذا الأمر يحيلنا الى موضوع شائك آخر هو نظم السيطرة العقلية، وهو عن ما نريده من الألم والحزن، ومثلما حررنا اللغة كنشاط انساني علينا ان نحرر المفردة من دلالتها الذهنية الصرفة، من الإيكو الفرداني بمعنى اعتزازنا بجرسها ومعناها قاموسياً، ونتعامل معها على ذات السياق الذي يربطها بما قبل وما يحصل.
عندما كتبت تلك الرسائل لم تكن الوجوه حاضرة في ذهني، انما ما شغل تلك النفوس الطيبة فانطوت على لعبة السودوكي عند صباح، والقصيدة عند وليد، والطيبة لدى ابو علي والولادة لدى سعد محمد رحيم، وهي شاغلهم في لحظة انفرادية معزولة تجعلهم في عزلتهم احرار كذلك. يقول جيمي ماتز في كتابه "تطور الرواية الحديثة" الذي ترجمته الأديبة لطفية الدليمي وقدمت له، وهو كتاب غني بأفكاره وتركيزه: «ثمة دوافع مختلفة تعمل هنا وراء هذه الأفكار والمساعي الدافعة لها- الدافع الابستمولوجي» المتعلق بطبيعة المعرفة واكتسابها، تم ينتهي الى «ولكن ثمة دافع جمالي يأتي دوماً مترافقاً مع الدافع الابستمولوجي إلى جانب دافع ثالث هو الدافع الأخلاقي...». وعن حقيقة تلك الدوافع يمكننا النظر الى الاشخاص الذين نخاطبهم ليس على هيئة كيانات وانما كائنات مفعمة بالألم والوحدة والتشرد، كائنات رسمت شخصياتها وادوراها جعلتنا ننتخبهم في بيئة حياتهم حتى وان لم يكونوا منتجي ادب ظاهرياً، ولكن، هم منتجو حياة وقيمة اخلاقية، فما يكون بوسعنا الا مشاهدتهم مع تفضيل العامل الجمالي الذي يختصر ضمنياً جميع العوامل الأخرى، ذلك لأن شروطه لا تستكمل الا مع استكمالها.
وفي حالة انتاج نص مرسل لا بد ان يتمظهر كل ذلك في سلسلة بيانية متميزة، تجد محمولاتها بالتوازي مع شخصياتهم اليومية العادية، وهي مذهلة وشفافة وقادرة على الكرم والعطاء بلا حدود. فـ سعد رحيم لا تشغله الجوائز التي حصل عليها انما هاجسه قيمة الأحساس الوجودي فقلت عنه «ولد سعد من رحم برتقالة...»، وبالنسبة لوليد جمعة هو اغترابه الروحي الذي ابى الا أن يجزيه بعطاء القصيدة، اما صباح فهو كتلة مشتعلة من المحبة وضياء لا يخفت لمن عرفه، يكتب بصمت ويقرأ على اصدقائه شقاء الوحدة وجمال القصص والأشعار التي يبتدعدها ولم ينشرها وهو في حالة انشغاله في حل لغز ايامه مع مربعات السدوكي الرقمية، والحال ذاته لدى سنان الذي عزف عن نزف المه لصالح ما احب ومن أحبهم، اما ابو علي فهو خرج من الدنيا وهو يمتلك قميصاً واحداً آثر الا يرتديه لانه سيهديه لمن لا يعرفه بعد. وسؤالي لكِ: اليس بكل تلك الدوافع الجمالية ما يستدعي انصاف هذه المشاريع الانسانية الزاخره بلطفها ولطائفها، وكأنهم يفصلونها كثوب أنيق يهبونه لحياة يرونها او يستشعرونها نيابة عنا؟!. وانا استذكرهم تحت مرمى سؤلك فلا يسعني الا وان خاطرت بنص آخر عنهم لأنهم يستحقون حسب.

أصبت يا فاطمة بقولك « رسالة وصفية لا يواريها ظرف ولا يدنسها مداد»..بل نترك الألم يتسرب الى قلوبنا من دون مراجعة طبيب، اياً كان نوعه، ففيه قدر من الاستجابة لمعايشة صامتة هذه المرة، اجزم ان الجميع يحسها وينتمي اليها لسبب ان الشعور والاحساس بالألم هو أمل جديد، بأننا نعيش ولنا من المصدات ما يقينا شرور الحياة التي جاهد الفلاسفة بشرحها بجفاف وجفاء احيانا، لكن الألم مع واقع الإنسان اليومي يزدهر بلونه ورائحته، بفتنته ووجوده، وهو ما انطوت في تكريمه اعظم النصوص الأدبية واشدها اصابة. انها الحياة يا فاطمة والفقدان والألم جزء من عالمها المضيء، ليكن في الأمر اجحافاً بحق السعادة التي سلبناها ثوبها لتبقى عارية لتبقى الحقيقة فقط. انصح الا نعلق صورهم على الحائط ونجفل من رحيلهم، ذلك يفقدهم بهائهم وصوتهم، انهم طقوس محبة اثيرية حسب.


انتظرونا عند " " إعدام أسرار الرسائل وأشفار جنونها القابعة خلف نقاب العقل " من "الكتابة قطب الأدب وفدامة العقول ، وصناعة الترسَّل– أدب الرسائل-" "الحلقة الخامسة من حوارنا مع الأديب هاشم مطر في" بؤرة ضوء "