سنان ينظر من خرم الإبرة!؟ الجزء الثاني من الحلقة الرابعة من -الكتابة قطب الأدب وفدامة العقول ، ومن صناعة الترسل– أدب الرسائل-

فاطمة الفلاحي
2019 / 4 / 22

"ما تأثير التصوير البياني على أخيلة وتشبيهات واستعارات الكاتب في رسائل المراثي" سنان ينظر من خرم الإبرة!؟" الجزء الثاني من الحلقة الرابعة من "الكتابة قطب الأدب وفدامة العقول ، ومن صناعة الترسَّل– أدب الرسائل-" حوارنا مع الأديب هاشم مطر في"بؤرة ضوء"

تتشابك مضامين رسائل المراثي وتتمازج تدبيجاتها ، مما يجعل تفصيل وتقسيم مادة الرسالة أمرًا عسيرًا ولاريب؛ قد تطول وقد تقصر الرسائل دون أن يؤثر ذلك على بنائها الفني ومرونته وأسلوبيته التي تتيح لمنشئها مجالًا واسعًا لإظهار مقدرته على إظهار توجعاته على من شُيعت جثمانه إلى مقبرة مغلقة سيلقى حتفه فيها .. وحين العودة بالذاكرة سيتحقق الإنزياح والغموض قد يرتقي بها إلى درجة تجعلها شعرًا منثورًا كما في مرثيته لسنان أو تتشكل لديه أبيات شعرية موزونة يرثيه فيها :

"نحرتك محبة الوطن يا سنان.. سبقتَ أحلامك فأصبح جريك حلمًا طائرًا لا تجاريه الريح! إلى أين؟ يشدك اخوك: تريث! فتحث خطاك لتظفر بلوحة البلاد الأليفة التي لم ترها عيناك ذاهبتا النظر لما خلف السراب.."*1

سؤالي :

- كيف ستكتب سنان وهو يلبس معطف الموت ؟
- كيف تديح غبار بُعاد أشيائهم في حنايانا وسطوة حضورهم في كل التفاصيل؟


هاشم مطر يقول :
نحن ننقل حسية الأشياء، بالصورة والصوت إلى منتج صامت جديد نطلقه للحياة، والصورة هنا ليست العين الناظرة ولكنها المتحسسة الرابضة بكامل الكيان الإنساني، فـ طه حسين فاقد لحاسة النظر لكنه ينظر ما لم يره غيره، وبتهوفن فقد حاسة السمع لكنه يسمع ما يكتبه ويحسه كما هدير صاخب أو خرير ينساب بهدوء يكاد لا يُسمع، ومع هذا التفوق المثير يجري الإبداع من منهل إلى آخر أكثر عذوبة.

سأنحو بإجابتي منحىً تطبقيًا بخصوص الرسالة المعنونة ”سنان ينظر من خرم الإبرة”.. هو نص مبني على ضيق العبارة التي تتفجر بعد خروجها من ضيقه. يقول النفري العظيم «كلما ضاقت العبارة اتسعت الرؤيا». ترى كيف يحصل ذلك؟ هل تساءلنا يومًا على سبيل المعارف، كيف تطبع صورة المنظر الكثيف في أدمغتنا وهي تدخل من بؤبؤ العين الصغير؟ ربما هذا سؤال ساذج، لكنني أبدأ به كصيغة منتهية ذلك أن شكسبير يسميها بـ (اللحظة) ولدى غاندي هي (الخطوة)، واختار لها الفلاسفة مسميات أخرى. وفي الكتابة هي (النقطة) فهل إنتبهنا لها؟ فمع النقطة تكون الرؤى السابقة وكأنها اختزنت على نحو متفجر بحاجة إلى منفذ، وفي حالة المنفذ الكبير ستتسرب محمولات النص على شكل سوائل مندلقة على عكس كثافة الطاقة في بطارية مختزنة. وبغض النظر عن المسميات فهذا ما يجعل الشاعر منشئ لأقوى أنواع التعبير المكثف، ويحذو الناثر إلى ذات الكثافة فلا تسطيع التفريق بين ما هو نثر وشعر أحيانًا، والكثير من النصوص تحتوي الوجهين. لنلاحظ أشعار الراحل محمود درويش فهي بأغلبها حكايات، اختارت أن تخرج من ضيقها السردي إلى ناحية الشعر، كذلك الأمر لدى الشاعر الداغستاني (رسول حمزاتوف)، الذي تسبب مقالك عنه بما نقوم به الآن بتوجيه العناية لتلك (المُغيّبات) في الأدب. فيكون بالإمكان تحويلها إلى قصة أو ثيمة لرواية، ولكن لا يحدث العكس أبدًا. ولدى القاص فعله المشابه ذاته كما في النصوص القصيرة لـ محـمد خضير ومحيي الأشيقر، لاحظي (حدائق الوجوه) و(سوسن أبيض) للكاتبين على التوالي، فهي نصوص شاعرية تنطوي على عناية خالصة بالرسم والجمالية وجودة التعبير، بالإضافة إلى اختراق الحاجز النثري ذاته. أشبّه ذلك بالجنين الذي يتحول إلى مولود يتوق إلى الهواء الخارج من ظلامه إلى نوره. وعليه سيكون لمحمولات النص من الرثاء والألم معنى آخر غير ما وصل إليه كفقدان أو نهاية نسميها بالموت. حضور أشبههُ بولادة جديدة حتى وإنْ حمل شقائه ولوعة فراقه، لسبب هو مقدرة الكاتب تحويلها إلى طاقة دافعة، بل سلطة نصية قائمة بذاتها، فلم يعد الموت موتًا، ولا الفقر فقرًا، إنه تجاوز الحاجز اللامرئي حسب المفكر Henry David Thoreau في كتابه (Walden) الذي يبحث فيه عن تلك الدوافع بتجربة إقصائية عزلوية شخصية مثيرة، بل يضيف إلى أن عددًا من القوانين الدافعة ستبدأ بفعلها وتنظم نفسها بنفسها إلى أي فعل يختاره المبدع الإنسان، وليس الإنسان المبدع، بل سيتم توسيع القوانين القديمة، وتفسيرها لصالحه بمعنى أكثر ليبرالية.
أنا لا أدعي أنني قمت بكل ذلك في نص استذكاري قصير جاء على نحو رسالة، ولكن حينما تكثر قراءاتك يتأهل صوتك مسموعًا هذه المرة، وكل مرة. فأنت لا تزيح الغبار، إنما هو ينظم إلى حقلك الفسيح بالاختيار، وبكل التفاصيل كما ذكرتي. يضاف إلى ذلك، وهي حالة أشبه أن تكون (مَرضية إبداعية) تنطوي على حركة من القطع والتماهي، تحسسك بأنك أنت/هو نفسك الغائب والضمير المخاطب. بالطبع ينطبق ذلك على الكثير من الدراسات الروحانية، ولكن ما يهمنا هنا: بقدر ما تُبسّط الأمر يبدو لك الإبداع أمرًا سهلًا، مثلما يكون على المقابل تقبله وهو ما جرى الاصطلاح عليه بـ (السهل الممتنع)، تلك هي الفكرة التي يستطيع الجميع حيازتها، لكنني أعود إلى التأكيد على توسيع المعرفية والقراءة والعمل بدأب وصبر.

_______________
1. نص من صفحة الناقد الأديب هاشم مطر من مرثيته في " سنان سامي نادر ".


انتظرونا عند "ما تأثير التصوير البياني على أخيلة وتشبيهات واستعارات الكاتب في رسائل المراثي" الجزء الثالث رفقة الخريف من الحلقة الرابعة من "الكتابة قطب الأدب وفدامة العقول ، ومن صناعة الترسَّل– أدب الرسائل-" حوارنا مع الأديب هاشم مطر في"بؤرة ضوء"